( أعمال المجمع ) أعمال المجمع : 1 ـ دراسة الألفاظ والأساليب والمصطلحات الجديدة في العلوم والآداب والفنون التي لم تدرسها المجامع من قبل . 2 ـ دراسة لهجات القبائل في الجزيرة العربية وما حولها تصحيحا وتأصيلا . 3 ـ إصدار مجلة علمية محكمة ورقية وإلكترونية دورية . 4 ـ دراسة ما يقدّمه المتصفحون من أسئلة ومقترحات. 5 ـ التواصل مع الدارسين وطلبة العلم بواسطة الهاتف (الخط الساخن) كل يوم . 6 ـ تقديم الرأي والمشورة في الصياغة اللغوية لجهات معينة (الجهات الرسمية، القضاء، المحاماة، العقود) . *** للتواصل مع المجمع عبر بريده الشبكي / m-a-arabia@hotmail.com /*** |

مجمع اللغة العربية بمكة يعلن عن إطلاق عضوياته الجديدة
لطلب العضوية:
اضغط هنا

 


الانتقال للخلف   منتدى مجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية > من أعلام اللغة العربية > مستعربون في خدمة العربية

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
رقم المشاركة : ( 1 )
الصورة الرمزية إدارة المجمع
 
إدارة المجمع
مشرف عام

إدارة المجمع غير موجود حالياً

       
رقم العضوية : 21
تاريخ التسجيل : Feb 2012
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 2,842
عدد النقاط : 10
قوة التقييم :
جهات الاتصال :
Post مستعربون في خدمة العربية (11) - ماسينيون، لويس

كُتب : [ 04-06-2016 - 11:50 AM ]




(مستعربون في خدمة العربية)
تهدف هذه السلسة إلى بيان دور المستعربين في خدمة اللغة العربية بما قدموه من مؤلفات وبحوث، وتعريفهم للقارئ العربي سواء أكان بالحوار المباشر معهم إن أمكن ذلك أم بالكتابة عنهم، فهؤلاء المستعربون رغم أن لسانهم الأول ليس العربية، فإنهم مع ذلك أحبوا العربية وألَّفوا بها.



الحلقة الحادية عشرة:
ماسينيون، لويس
L. Massignon
(1883 – 1962م):


علم من أعلام المستعربين في القرن العشرين. وُلد في ناجنت ـ سير ـ مارن Nagent-sur-Marne إحدى ضواحي باريس، وأصل أسرته من مقاطعة بريتاني. وقد التحق بليسيه لوي لجران (Louis Le Grand) وحصل على البكالوريا بقسميها، الأدبي والرياضي في عامي 1900، 1901م. وفي الأعوام الأربعة التالية حصل على ليسانس الآداب، ودبلوم الدراسات العليا في التاريخ والجغرافيا، ودبلوم اللغة العربية من مدرسة اللغات الشرقية. ودرس السنسكريتية والعلوم الدينية بالسوربون، وعلم الاجتماع في الكوليج دي فرانس. وكان ماسينيون شغوفًا بالرحلات العلمية فتنقل في بلدان العالم الإسلامي، حيث سافر إلى الجزائر بعد حصوله على البكالوريا في رحلة قصيرة عام 1901م، وإلى مراكش عام 1904م. وفي عام 1905م اشترك في المؤتمر الدولي الرابع عشر للمستشرقين الذي عُقد في الجزائر، وفي سنة 1906 عُيِّن عضوًا بمعهد الآثار الفرنسي بالقاهرة، فرحل إليها وقضى فيها عامًا يحفر وينقب. وفي العام التالي عُهد إليه بالقيام بأبحاث في آثار العراق الإسلامية، فسافر إلى بغداد وتعرف هناك بالعالم الكبير السيد محمود شكري الألوسي، واستفاد من علمه، وكشف في أثناء مقامه عن قصر بني لخم المسمَّى بالسَّدير في الأخيضر غربيَّ كَرْبِلاء. وفي سنة 1909م ذهب إلى إستانبول للاطلاع على ما فيها من نفائس التراث الإسلامي، وكان يتردد على القاهرة شتاء كل عام. ثم دعته الجامعة المصرية القديمة سنة 1912 – 1913م ليدرس بها تاريخ الفلسفة، فألقى محاضرات في تاريخ الاصطلاحات الفلسفية.
وفي سنة 1914م رحل إلى الجزائر والتحق بالجيش الفرنسي مشتركًا في الحرب العالمية الأولى. وبعد أن وضعت الحرب أوزارها عُيِّن سنة 1920م بالكوليج دي فرانس في قِسْم "علم الاجتماع الإسلامي"، ولم يلبث أن أصبح أستاذًا لهذا الكرسي سنة 1926م، واستمر يشغله إلى أن بلغ السن القانونية عام 1954م، كما رأس بجانب ذلك قسم العلوم الدينية بالدراسات العليا في السوربون نحو عشرين عامًا، وأشرف على تدريس اللغة العربية ما يزيد على عشر سنوات.
ولقد استحق ماسينيون بفضل حبه للعلم وتفانيه فيه تقدير المجامع والهيئات العلمية في العالم بأسره، فاختير عضوًا في مجامع السويد، والدنمارك، وهولندا، وبلجيكا، وروسيا، وإيران، وسورية، والعراق، كما اختير عضوًا عاملاً في مجمع اللغة العربية بالقاهرة منذ نشأته سنة 1932م، بالمرسوم الملكي لسنة 1933م. لقد أمضى ماسينيون نحو ستين عامًا يكتب ويؤلف، وأخرج ما يربو على ستمئة بحث بين كتاب ورسالة، أو مقالة ومحاضرة، أو نقد وتعليق. ومنها قدر لم ينشر بعد. وقد كتب بعدة لغات: بالفرنسية وهي لغته، وجل ما كتبه بها، وكتب بالعربية والفارسية والإنجليزية والألمانية.
من مؤلفاته بالفرنسية: "لوحة جغرافية للمغرب في الخمس عشرة سنة الأولى من القرن السادس عشر، أخذًا عن ليون الأفريقي"، و"بعثة في شبه الجزيرة" (في جزأين)، و"قرافة الدرب الأحمر"، و"عذاب الحلاج، شهيد التصوف في الإسلام (جزأين) وهو رسالته الأولى للدكتوراه.
نشاطه المجمعي: شارك الأستاذ ماسينيون في كثير من لجان المجمع، وخصوصًا في الدورات الأولى مثل: لجنة الآداب والفنون الجميلة، ولجنة كلمات الشؤون العامة، ولجنة الأعلام الجغرافية، ولجنة لدراسة معجم فيشر، ولجنة الأصول والإملاء، ولجنة العلوم الاجتماعية والفلسفية. وألقى كثيرًا من البحوث، منها: "المعاجم الأوربية الحديثة ومدى ما تستفيده المعاجم العربية منها"، و"خواطر مستشرق في التضمين"، و"أشياء ضرورية لوضع أطلس مصري لمصطلحات الحرف العملية"، و"الأصول الثلاثية في اللغة العربية"، و"التعادل الثقافي بين اللغة العربية ولغات الغرب"، و"المصطلحات العربية في القِرَى وإكرام الضيف"، و"خطرات في الاحتفاظ بعبقرية النحو العربي"، و"فلسفة التضمين"، و"ميتافيزيقا اللغة"، و"قيمة الخط العربي لتأسيس فن النقش المجرد"، و"افتراضات في مستقبل الخط بالحروف وانعكاسها على استيفاء الخط العربي"، و"استدراكات مستشرق على هامش مؤتمر المجمع".
وصف الدكتور إبراهيم مدكور-رئيس المجمع الأسبق-حياته فقال: "حياة حافلة بالكشف والبحث والدرس والمحاضرة. وقد أعانه عليها ذهن متوقد، وعبقرية خارقة، وصبر وجلد، وحب وتفانٍ فيما يقصد إليه وما يضطلع به"، وكتب عنه في كتابه مع الخالدين فقال: "وللعربية عنده وظيفة دينية، لأنها تعبر عن أوامر الله، ووسيلة التأمل والمناجاة. هي لغة الوحي، ومنه استمدت مجدها وقداستها، ولقد أحبها لأنه وجد فيها نفسه، وتعمق فيها، وكشف عن كثير من أسرارها التي لم تكشف لغيره. وكان يروقه منها أنها لغة مركزة، تنبعث من ألفاظها المعاني كما تنبعث الشرارة من الحجر، وتجيد التعبير عن المجردات، فهي أنسب ما يكون للتقرب والعبادة. لم تصل واحدة من أخواتها إلى مستواها، وبدت فيها العبقرية السامية على أوضح وأكمل صورة. وفي محاضرة ألقاها على جماعة الكرمليين، عقد موازنة طريفة بين اللغات العالمية، وقسمها إلى ثلاث أسر: سامية، وهندو أوربية، وطورانية. ولاحظ أن العربية في أغلبها ثلاثية الأصول، وأنها لغة سواكن، وهي أكثر الساميات احتفاظًا بسواكنها، ولنبرات الصوت شأن في توضيح المعنى. وهي لغة حضارة، تستطيع بألفاظها وتراكيبها أن تؤدي أدق المعاني وأحدثها. وفي نحوها كمال ودقة لم تتوافر لأي نحو آخر، وربما امتدت إليه آثار يونانية أو سريانية، ولكنه في أساسه عربي، وقد أثر دون نزاع في تطوير النحو العبري والسرياني. وجدير بنا ألا نستجيب لدعوة بعض المربين الذين يريدون أن يحلوا محله نحوًا أوربيًّا، لنيسر تعليمه، ولا يصح مطلقًا أن نعدل أصوله. وفي الخط العربي جمال ينبغي ألا يحرم منه التراث الإسلامي".


انظر: المجمعيون في خمسة وسبعين عامًا/ 599-603.
إعداد: مصطفى يوسف



التعديل الأخير تم بواسطة إدارة المجمع ; 04-06-2016 الساعة 11:53 AM
رد مع اقتباس
 
 رقم المشاركة : ( 2 )
عبدالله بنعلي
عضو نشيط
رقم العضوية : 1630
تاريخ التسجيل : Apr 2014
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 5,791
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال :

عبدالله بنعلي غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 04-06-2016 - 02:21 PM ]


لويس ماسينيون


لويس ماسينيون Louis Massignon (و.25 يوليو 1883 - 31 اكتوبر 1962) مستشرق فرنسي عشق الشرق ورأى في التصوف الإسلامي الذي تمثل له في «الحلاج» مناجاة إلهية موجودة في كل المِلل والنِحل والأديان.

جذبني الشرق إليه بماضيه الحافل بالديانات، فإذا بي غارق فيه إلى قمة رأسي، وإذا بفلاسفة الإسلام ومتصوفوه يحظون جميعاً بالقسط الأكبر من تفكيري، وإذا بي بعد دراستي إياهم أنجذب نحو المنبع الأول الذي استقى منه هؤلاء الفلاسفة تصوفهم وفلسفتهم.

— لويس ماسينيون

ولد لويس ماسينيون في فرنسا عام 1883 وامتدت حياته حتى العام 1962. ولد في نوجان سور مارن Nogent-sur-Marne إحدى ضواحي باريس، وتُوفي في العاصمة. لم يسلك طريق والده النحّات؛ بل اختار الفلسفة والأدب وحصل على الإجازة عام 1902، ثم تقدم ببحث عن بلاد المغرب بعد زيارة لها، ونال دبلوم الدراسات العليا عام 1904. تابع دراسته للحصول على دبلوم اللغة العربية (الفصحى والعامية) من المدرسة الوطنية للغات الشرقية عام 1906. وتعلّم أيضاً التركية والفارسية والألمانية والإنكليزية. عُني بالآثار الإسلامية والتحق بالمعهد الفرنسي للآثار الشرقية في القاهرة. وفي عام 1907 كُلِّف - وهو لم يتجاوز الخامسة والعشرين - بمهمة تنقيبية عن الآثار جنوبي بغداد ثم انفصل في بعثة آثارية تبحث عن قصر الأُخَيضِر جنوب كربلاء. وعلى أثر وشاية به وقع بيد السلطات العثمانية التي اتهمته بالجاسوسية والتآمر على السلطة، وهمّت بإعدامه لولا تدّخل العلاّمة محمود شكري الألوسي والقاضي علي نعمان الألوسي، اللذين توسطا له وكفلاه. عاد إلى القاهرة 1909 واستمع إلى دروس الأزهر بالزي الأزهري، وانتدبته الجامعة المصرية أستاذاً لتاريخ الفلسفة (1912- 1913)، وألقى بالعربية نحو أربعين محاضرة حول «التكوين التاريخي للاصطلاحات الفلسفية»، وكان طه حسين أحد تلامذته. وفي عام 1914 تزوج من ابنة خالته بعد أن كاد يميل إلى الزهد وحياة التصوف.[1]

كان ماسينيون ابن بيئته ومجتمعه، وكشفت بعض الوثائق عن أنه كان ماثلاً على مقربة من الأحداث السياسية التي صنعت اتفاقية سايكس- پيكو، كما أشارت إلى انخراطه في التبشير للانتداب الفرنسي، وقد كان الراعي الروحي للجمعيات التبشيرية الفرنسية في مصر، كما انخرط في سياسة بلده. ومن ثم تولى مناصب حسّاسة، وعُين مستشاراً في وزارة المستعمرات الفرنسية في شؤون شمالي إفريقيا. واستُخدم مترجماً تحت تصرف الخارجية الفرنسية ومساعداً للمندوب السامي الفرنسي في سورية وفلسطين من 27 مارس 1917 إلى 28 أبريل 1919. كذلك أراد جورج بيكو الاستفادة من خبرته في معرفة اللغة العربية والديانة الإسلامية؛ فاتخذه مستشاراً علّه يساعده في مساعيه لإقناع المثقفين العرب بالفكرة الاستعمارية أو الكولونيالية. وكانت الخارجية الفرنسية تنتظر منه تزويدها بمعلومات عن الدول التي زارها وعن العالم الإسلامي. وخدم في الجيش الفرنسي خمس سنوات في أثناء الحرب العالمية الأولى. ثم حاول الخروج من فخ التآمرات السياسية، إذ آلمته خيانة بلفور؛ فكتب لاحقاً في مقدمة تقويمه للعالم الإسلامي L’Annuaire du Monde Islamique: «نسينا التزامنا بكلمتنا للعرب ولم تعد تقودنا إلا المعدات» النشرة الصادرة عام (1955).
السياسة نختلط بالفكر

جعلته ارتباطاته السياسية موضع شبهة، لكن استقلالية شخصيته وتفكيره العلمي واهتمامه ونشاطه الميداني وأعماله الأدبية العديدة التي أحيت كثيراً من التراث العربي والإسلامي وبتقدير كثيرين من الشرقيين واحترامهم، أظهرت تعاطفه مع العرب والمسلمين. وكان قد حصل عام 1922- بعد دراسة مستفيضة - على الدكتوراه برسالة عن «آلام الحلاج، شهيد الإسلام الصوفي» La passion d’al -Hallâj, martyr mystique de l’lslam، تبعها برسالة حول «المفردات التقنية للصوفية الإسلامية» Lexique technique de la mystique musulmane.

وقف ماسينيون ذكاءه ونشاطه الفكري في التنقيب في الإسلام، آثاراً ونظماً اجتماعية ولاسيما تصوفاً، ذلك التصوف الذي جعل منه متصوفاً يدرك جوهر الأديان ويدعو أصحابها إلى الوئام. وإن كان قد بقي ابن الكنيسة ووجد رجال الدين فيه مسيحية معاصرة فإنه أدان الثقافات الدينية التي تؤثر الحب البشري على الحب الإلهي، وبالتالي دافع ماسينيون عن الوحدانية في الإسلام ورفض الدخول في الصراعات الدينية التي «تقسم أولاد هاجر عن أولاد سارة» - كما قال - وكان يرى في إبراهيم\ صورة موحدّة للمؤمنين. كما كان ماسينيون من أنصار المَسْكونية oecuménisme متطلعاً إلى تعايش سلمي يوحّد الطوائف ويتجاوز التناحر.

عندما عاد إلى باريس عُيِّن معيداً في كرسي علم الاجتماع الإسلامي في المجمع الفرنسي «كوليج دي فرانس» Collège de France (1919- 1924)، ثم أستاذ كرسي (1926) ومديراً للمدرسة التطبيقية للدراسات العليا (العلوم الدينية) (1933) أ‰cole pratique des Hautes أ‰tudes-sciences religieuses حتى تقاعده عام 1954. كما تولى تحرير مجلة «العالم الإسلامي» (1919) ثم مجلة «الدراسات الإسلامية» التي حلّت محلها عام 1927، و«تقويم العالم الإسلامي» التابع لها.

أحدث ماسينيون ثورة في الفكر بعد أن شكك في رسالة فرنسا وبريطانيا اللتين لم تفيا بوعودهما للعرب بالاستقلال، فبدأ يجاهد في سبيل الحق مقتدياً بغاندي في سياسة اللاعنف، ووسع تضامنه مع البشرية حتى أقاصي الأرض ولم يأبه بسخرية معاصريه من جراء زياراته للسجناء السياسيين ودفاعه عن المضطهدين، وجهاده من أجل السلام ونضاله في سبيل تحرير الجزائر ومنح المستعمرات استقلالها. وإن كان قد أُقحم في نهاية الحرب العالمية الأولى في الصفقات والمساومات الفرنسية والإنكليزية على الشرق الأوسط، عاد إلى القدس بعد الحرب العالمية الثانية متصدياً للصهيونية الإسرائيلية ولكل محاولة استعمارية - كما يقول نقاده - ولنصرة اللاجئين بالتعاون مع أصدقائه من الفلاسفة اليهود أمثال مارتين بوبر Martin Buber منادين بأخلاقية دولية تراعى فيها الحقوق والمقدسات وتدعو إلى مصالحة متساوية بين اليهودية والمسيحية والإسلام.

يبدو أن ماسينيون كان صادقاً في كلمته سليماً في نواياه، فهو الذي أسس لجنة التفاهم الفرنسية بين المسيحية والإسلام ثم أصبح رئيساً للجنة العفو عن المحكومين في بلاد ما وراء البحار (1954) وعضواً في جمعية أصدقاء غاندي. وفُتحت له أبواب عدة ليكون عضواً في مجامع علمية غربية وشرقية، يُذكر منها: الجمعية الآسيوية ومجمع اللغة العربية في القاهرة منذ إنشائه عام (1933) والمجمع العلمي العربي في دمشق، كمامُنح أوسمة رفيعة. لم تخر قواه ولم يفقد عزيمته عند وفاة ابنه البكر عام 1935، وتابع اهتمامه بالعالم الإسلامي وحاول فهم أغوار العلاقة بين الغرب والشرق آملاً في تقارب بين ديانات التوحيد، كما أبرز ذلك في مجلة «الإله الحي» Dieu vivant التي أسهم في تأسيسها عام 1945. ووضع ماسينيون المسؤولية على المرأة في إحياء الإحساس بوجود الخالق «إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب»، وأبرز دورها في حديثه عن السيدة مريم وفاطمة الزهراء وجان دارك.
مؤلفاته

بلغت مؤلفات ماسينيون أكثر من مئتي كتاب ومقالة، يُذكر منها: «عالم الإسلام» (1912-1913) و«الكنيسة الكاثوليكية والإسلام» (1915)، و«الإسلام والاتحاد السوع¤ييتي» (1917- 1927)، ومن مقالاته: «تاريخ العقائد الفلسفية العربية في جامعة القاهرة» (1912-1921) و«الدراسات الإسلامية في إسبانيا» (1918- 1936) و«أصول عقيدة الوهابية وفهرس بمصنفات مؤسسها» (1918- 1936)، و«أساليب تطبيق الفنون لدى شعوب الإسلام» (1921) صدرت كلها في مجلة «العالم الإسلامي». كما كتب «حال الإسلام اليوم» مجلة «باريس» (1929) و«أثر الإسلام في تأسيس المصارف اليهودية وحركتها في العصر الوسيط» مجلة «الدراسات الشرقية» (1931). وفي مجلة «تاريخ علم الأخلاق» كتب «أسباب وأساليب الدعوة الإسـلامية بين شعوب إفـريقيا الوثنية» (1938) و«التصوف الإسلامي والتصوف المسيحي في العصر الوسيط» (1956). وتحدث عن مكانة الثقافة العربية في الحضارة العالمية مؤتمر اليونسكو - بيروت (1948) ونشر له المعهد الفرنسي بالقاهرة (1952) «فلسفة ابن سينا وألفباؤه الفلسفية».
كتابات عنه

وفي مقدمة الكتاب الذي نشر عن حياته في السنوات الماضية والذي قامت عليه نخبة من المفكرين بإشراف الباحث الفرنسي جاك بيرك نقرأ أن ماسينيون كان يرى المقدس في صميم كل إنسان وكل حياة وكان يعتقد أن علاقة البشرية بالأعالي هي علاقة أساسية، وبالتالي فلا يمكنه أن يتصور وجود مجتمع إلحادي أو مادي بحت، ولهذا السبب فإن تطور المجتمعات الغربية أو قطاعات واسعة منها نحو التصور التكنولوجي والصناعي والوضعي للكون كان يقلقه.[2]


وفي قناعته بأن المقدس جزء أصيل من حياة كل إنسان، مثّل ماسينيون جسراً حقيقياً من الفهم الواعي للإسلام والمسلمين، فانفتح بحب على العمق الروحي لهما وإن سبب له ذلك الكثير من المشاكل مع أبناء جلدته الذين ورثوا صورة سلبية جداً عن الإسلام والمسلمين. ويعقد الأب باولو دالوليو مقارنات بين ماسينيون المسيحي وماسينيون المسلم إن جاز التعبير من خلال فهم مترابط ومتواز للمفاهيم الإسلامية الروحية الأساسية، وبين حياة ماسينيون المسيحية من خلال دراسته وتأمله في التصوف وفي شكل خاص من خلال هذا الترابط الروحي المدهش بين نفسه ونفس الحلاج. وبذلك أصبح ماسينيون رويداً رويداً يعيش مسيحيته انطلاقاً من المفاهيم الإسلامية والتعابير العربية. فمن الواضح مثلاً أن الجهاد الأكبر (جهاد النفس) هو مفهوم مواز للسعي في سبيل القداسة والتلمذة على السيد المسيح.

كما أن دراسته عن مفهوم «الفتوة في الإسلام» توازي مفهوم «النذر» عند الصليبيين في سبيل استرداد القدس، والمطوعة أي سكان الرباط هم كالفرسان الصليبيين سواء بسواء، والمتصوف المسلم الملتزم بالجهاد الأكبر يرادف الراهب الذي يعيش النذور الإنجيلية، كما أن هناك توازياً بين الحج الإسلامي إلى مكة المكرمة وبين الحج المسيحي إلى القدس، وبين مفهوم الإحرام هنا وهناك، فالمرجع والأصل هو إبراهيم الخليل بعلاقته بإسماعيل من جهة وإسحق والقدس من جهة أخرى، وإبراهيم هو أيضاً النموذج الأولي للمهاجر، وكل من يخرج من ذاته في سبيل اللقاء مع الله يعتبر مهاجراً. ومن خلال مفهوم الشهادة والاستشهاد. ناصر ماسينيون «دين المحنة» في شخصية الحلاج الذي صنع مكانته العلمية من خلال رسالته لدرجة الدكتوراه التي أعدها عنه بصفته المتوصف الإسلامي الذي أعدمته السلطات المسلمة في بغداد عام 922م، وقد كان عملاً مهماً بالفعل إذ ظهرت معرفة ماسينيون بالإسلام وآدابه والعالم الإسلامي في القرون الوسطى، عميقة وواسعة.
كتبه عن الحلاج

أصبح انشغال ماسينيون بالحلاج وقدره مضفوراً بحياته الدينية الخاصة التي تثورت في شكل غريب إلى حد بعيد من خلال التجربة المكثفة التي مر بها بالقرب من بغداد عام 1908 عندما كان في الخامسة والعشرين من العمر حيث ذهب إلى بلاد ما بين النهرين ضمن بعثة أثرية، وأثناء هذه المهمة ألقت السلطات العثمانية القبض عليه للاشتباه به جاسوساً وأرسلته مخفوراً إلى بغداد بالقرب من موقع «لسيمان بيك»، حيث تنتصب بقايا قصر ساساني دمره الفاتحون المسلمون في الماضي. أحس ماسينيون تحت وطأة الخطر المهلك أنه في حضور وحي ما، لقد هزّه الأمر حتى العمق وتحول من كاثوليكي ينقصه الإيمان إلى ورع كبير مؤمن متحمس، وصار هذا الشكل المكثف من الكاثوليكية وصوفية الحلاج غير قابل للتمييز في ما بعد.

لم يكن الحلاج مجرد شخصية تاريخية فقط بالنسبة الى ماسينيون، بل الشكل البدائي لأعمق تجربة يمكن أن يتوق إليها البشر، حتى أن الإسلام نفسه في شكل غير مرجح بما فيه الكفاية اندمج في ذهن ماسينيون مع الكاثوليكية الزاهدة التي خبرها بتشديدها على المعاناة وعلى الانعتاق عبر المعاناة. ويمكن القول إن شخصية الحلاج، لا بل نظرة ماسينيون الى شخصية الحلاج هي التي تعطينا مفاتيح فهم تطور ماسينيون الروحي، ولا بد من ذكر عبارة الحلاج «أنا الحق» لفهم الرابط في تأمل ماسينيون بين التصوف الإسلامي وبين تبنيه آراء غاندي في ما يخص الجهاد في سبيل الحق satyagraha واللاعنف ahimsa ، والحلاج هو الصوفي الذي أراد أن يعطي حياته الروحية وشهادته أبعاداً اجتماعية تخص الجماهير والدولة ولا تخص فقط نخبة من المختارين. كما لاحظ ماسينيون أن هناك ترادفاً بين عفة الراهب في المسيحية وبين الامتناع عن العلاقة الجنسية أثناء الحج في الإسلام، فممارسة الخلوة في الإسلام تتطلب العفة وهذا ما نلاحظه عند الحلاج حيث عاش العفة التامة فترات طويلة من حياته. وعلى كل حال، فإن عفة القلب شرط اللقاء بالله إذا كانت أسرارنا بكراً، وإننا نجد ماسينيون يتأمل في ذهاب الحلاج لخدمة رسالة الإسلام، إلى ما وراء حدود دار الإسلام وقلاع المرابطين، حيث عاش جهاده مرتين بالذهاب إلى الهند وأيضاً مرتين في جهاده بالحج. فالاستشهاد جهاد في سبيل الله يرادف تماماً أضحية الحج حيث ان الصلاة وقت الحرب ركعتان وصلاة وقفة عرفات ركعتان، كما أن صلاة العاشق «ركعتان لا يصح وضوءهما إلا بالدم» على حد ما قال الحلاج وهو مصلوب، وبعرفات تتحقق المساواة بين الرجل والمرأة، كما أن الجهاد الأكبر واحد للاثنين.

والحج أيضاً هو جهاد النساء اللواتي يمارسن الجهاد أيضاً في خدمة الفقراء وحماية اليتامى والضيوف والغرباء، فمن الواضح تماماً أن الحلاج بتقدمة نفسه يريد أن يؤدي الحج والجهاد معاً، فهما أثناء الجلد يصرخ بعد 400 جلدة فتحت القسطنطينية ثم يتوضأ بدم ذراعيه قبل الصلب، فعرق الأبطال هو الدم والشهيد لا يحتاج الى الغسل بعد موته، إذ هو طاهر قد تطهر بدمه، والحلاج شهيد في الجهاد. وفي كتابه عن الحلاج برهن ماسينيون على وجود النعمة الإلهية في الإسلام. وبالنسبة اليه، فإن الله كان يعني المحبة، أي العلاقة والهبة والتواصل مع الآخرين والتعاطف مع آلامهم ومصائبهم. ففي ما وراء العقائد والايديولوجيات المختلفة تبقى هناك علاقة أساسية تجمع بين كل البشر، هي علاقة التواصل والتعاطف من خلال الحقيقة المطلقة التي تتجاوزنا جميعاً.

وقد وُجد شبه كبير بين فكر ماسينيون وأطروحات المصلح الكبير مهاتما غاندي.

يقول ماسينيون إن من يعتبر غاندي مخترعاً منهج الكفاح الاجتماعي والإنساني هو مخطئ، فهذا ليس منهجاً بل هو موقف روحي صوفي، قبل أن يأتي إلى ساحة السياسة. ويضيف ماسينيون أنه وجد في غاندي أجوبة لتساؤلاته حول دور النخبة الروحية في المجتمع وحول إمكانية خرق دائرة انغلاقهم، إذ رأى في موقفه الموقف القادر على رفع الجماهير إلى مستوى النضج الروحي الواعي، فلم يستخدم الجماهير في سبيل قضية ما، بل خدمها في دعوتها العظيمة في سبيل الحق. ومن هذا المنطلق، فإن ماسينيون على خطى غاندي كان يقترح على العالم نظاماً اجتماعياً ودولياً جديداً. ولكن أي نظام؟ إنه ليس ذلك النظام الذي تريد قوى المال والرأسمالية أن تفرضه علينا اليوم بالقوة ولا ذلك النظام الذي تحاول قوى التزمت والتطرف أن تفرضه علينا بالقوة أيضاً، وإنما هو ذلك النظام الذي يعترف بتعددية الثقافات والحضارات وبإمكان التعايش في ما بينها من خلال التواصل الروحي والإنساني العميق.

والمؤكد أن قراءة الصلاة الأخيرة للحلاج كما أوردها ماسينيون تقودنا إلى معرفة عمق أعماق الرجل والذي عمل بصبر لتحقيق أمنيته في الانتماء إلى سلسلة البدائل متشوقاً إلى الاستشهاد في الصحراء مثل شارل دي فوكو معيداً للمسلمين ما سبق أن قدموه له حين سبق وأخلي سبيله، ورعته عائلة مسلمة في بغداد ليصبح من الرجال الذين تستمر شفاعتهم عبر الأجيال ويشكلون تلك السلسلة من النفوس البطولية أو كما يدعوهم اصدقاء الله وهم ذاتهم «شركة القديسين» كما في المسيحية وأن هذه السلسلة هي العمود الفقري للتاريخ البشري. وهكذا يتضح أن الحلاج بصفته أحد البدائل قد قبل ظلم مجتمعه وطلب الاستشهاد وصلب مرفوضاً ومنبوذاً ومهمشاً... لكن عبر العصور رويداً رويداً تقبله الوعي الأخلاقي للعالم الإسلامي وها هو يقوم بعمله في حياة الناس بعد قرون طويلة كما في حياة ماسينيون نفسه.

ومهما يكن من أمر، فإن ماسينيون رفع راية عالية عنوانها الوحدانية في الله وانجذاب القلوب الخاشعة المؤمنة له من كل الأمم والشعوب والقبائل، ذلك أن تلك الراية مصدرها، وهي ترتاح فيه، هي دعوة الى التوفيق لا الى التفريق كان ماسينيون راعيها ومجسّرها ومفجر ثورة فكرية عرفتها فرنسا بصورة خاصة في انفتاحه على العالم الشرقي والإسلامي بنوع خاص.

يقول جان موريون Morillon في مؤلفه عن ماسينيون: «لايمكن فهم كتابات ماسينيون وأعماله، وكذلك الأمر بالنسبة لغاندي، ما لم نسلّم بما يلي: هناك نظام أخلاقي لا ندرك قيمته لأنه خارج عن إرادة الفرد ومصلحته، كما أن هناك عدالة كامنة في الذات لا تخضع للأهواء وللأنانية البشرية. ومن أجل هذه الحقيقة كرّست نخبة من النفوس حياتها وبالتالي بقيت أسماؤها حاضرةً في ذاكرة العصور».
انظر ايضاً

مراسلات ماسينيون وكلوديل

المصادر

^ حنان المالكي. "ماسينيون (لوي أو لويس ـ)". الموسوعة العربية.
^ إميل أمين (2008-11-08). "لويس ماسينيون رجل المعرفة العميقة والتديّن الواسع". جريدة الحياة. Retrieved 2008-11-09.


رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على الموضوعات
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 06:29 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2019, vBulletin Solutions, Inc. Trans by