( أعمال المجمع ) أعمال المجمع : 1 ـ دراسة الألفاظ والأساليب والمصطلحات الجديدة في العلوم والآداب والفنون التي لم تدرسها المجامع من قبل . 2 ـ دراسة لهجات القبائل في الجزيرة العربية وما حولها تصحيحا وتأصيلا . 3 ـ إصدار مجلة علمية محكمة ورقية وإلكترونية دورية . 4 ـ دراسة ما يقدّمه المتصفحون من أسئلة ومقترحات. 5 ـ التواصل مع الدارسين وطلبة العلم بواسطة الهاتف (الخط الساخن) كل يوم . 6 ـ تقديم الرأي والمشورة في الصياغة اللغوية لجهات معينة (الجهات الرسمية، القضاء، المحاماة، العقود) . *** للتواصل مع المجمع عبر بريده الشبكي / m-a-arabia@hotmail.com /*** |

مجمع اللغة العربية بمكة يعلن عن إطلاق عضوياته الجديدة
لطلب العضوية:
اضغط هنا

 


الانتقال للخلف   منتدى مجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية > القسم العام > لهجات القبائل العربية

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
رقم المشاركة : ( 1 )
 
قطرب العربية
مشرف

قطرب العربية غير موجود حالياً

       
رقم العضوية : 2407
تاريخ التسجيل : Feb 2015
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 49
عدد النقاط : 10
قوة التقييم :
جهات الاتصال :
Post اللهجات العربية وعلاقتها باللغة العربية الفصحى : دراسة لغوية

كُتب : [ 03-18-2015 - 03:17 AM ]


اللهجات العربية وعلاقتها باللغة العربية الفصحى : دراسة لغوية

* محمد شفيع الدين


ملخص البحث:
البحث في مجمله يستعرض نظرة علماء العربية
من المحدثين والقدامى إلى مفهوم اللهجات وكيفية نشأة اللغة
العربية المشتركة (الفصحى) وما ورد عن علماء العربية
المحدثين والقدامى (من آراء في نظرتهم إلى العربية المشتركة)
(الفصحى) و لهجاتها، والصفات اللهجية في بناء الجملة في العربية المشتركة (الفصحى) وينتهي البحث إلى خلاصة مفادها
أن دراسة اللهجات القديمة تعد من الأمور الصعبة في عصرنا،لأن المادة اللغوية الضخمة التي بين أيدينا لا تعين على ذلك كثيرا، نظرا لأن علماء العربية القدامى- رغم خدماتهم الجليلة
للغة - لم يهتموا كثيرا بأمر اللهجات، واكتفوا في كتبهم بإشارات
متفرقة إليها. ويلاحظ أن هذه الإشارات - في معظمها - تتصل
بالدراسات الصوتية والدلالية ، وأن القليل منها يتصل ببناء
الجملة. أما المحدثون فقد أدركوا أهمية اللهجات في ميدان الدرس
اللغوي، وفائدتها في فهم طبيعة الفصحى، فأقبلوا على دراستها
لمعرفة خصائصها المشتركة، انطلاقا من اعتقادهم بأن دراسة
اللهجات العربية تساعد على تقريب المسافة بينها، وتؤدي إلى
تعميق التفاهم بين أبناء الأمة العربية.
ومن الأمور المسلم بها في الدراسات اللغوية الحديثة اتصال اللغة بلهجاتها على
مر العصور والأزمان، هذا يؤدي إلى انتقال كثير من صفات اللهجات إلى
اللغة الفصحى، وعلى مختلف المستويات، حتى أصبحت الفصحى مزيجا من
اللهجات، وأصبحنا نشاهد في بعض الأحيان وجود عدة صور للظاهرة الواحدة
. وقد زرعت تلك الظلال اللهجية في بناء الجملة بدور الخلاف بين النحويين.
ولا شك في أن النظرة اللغوية التاريخيية تساعد على فهم بناء الجملة بشكل
أفضل، وتخلص النحو العربي من الخلاف والتعليل والتأويل كما أن الأخذ
بالصور الأوسع انتشارا والأحدث عهدا مدْعاة إلى تيسير النحو العربي،
وتخليصه من التشعب.
______________________
* أستاذ مساعد، قسم علوم القرآن والدراسات الإسلامية، الجامعة الإسلامية العالمية شيتاغونغ، بنغلاديش .

في ضوء ما تقدم عالج البحث المسائل التالية :

أ‌- نظرة علماء العربية إلى اللهجات
2- نشأة اللغة العربية المشتركة (الفصحى).
3- الصفات اللهجية في بناء الجملة العربية.

نظرة علماء العربية (محدثين و قدامي) إلى اللهجات:
مفهوم اللهجة عند المحدثين: اللهجة - من وجهة نظرالمحدثين - مجموعة
من الخصائص اللغوية يتحدث بها عدد من الأفراد في بيئة جغرافية معينة،
وتكون تلك الخصائص على مختلف المستويات: الصوتية والصرفية والنحوية
والدلالية ، وتميزها عن بقية اللهجات الأخرى في اللغة الواحدة، ولكن يجب أن
تبقى تلك الخصائص من القلة بحيث لا تجعل اللهجة غريبة عن أخواتها،
عسيرة الفهم على أبناء اللغة لأنه عند ما تكثر هذه الصفات الخاصة على مر
الزمن لا تلبث هذه اللهجة أن تستقل، وتصبح لغة قائمة بذاتها، كما حدث للغة
اللاتينية التي اندثرت و تفرع عنها لغات لها كيانها و خصائصها منها:
الإيطالية و الفرنسية والإسبانية . وكما حدث للغة السامية الأم التي استقلت عنها
لغات كالعربية والعبرية والآرامية وغيرها(1)
وبيئة اللهجة جزء من بيئة أوسع وأشمل تضم عدة لهجات، لكل منها
خصائصها المميزة، ويربط بينها جميعا مجموعة من الظواهر اللغوية التي
تيسر اتصال أفراد هذه البيئات بعضهم ببعض، وفهم ما قد يدور من حديث.
وتلك البيئة الشاملة التي تتألف من عدة لهجات هي التي اصطلح على تسميتها
اللغة. فالعلاقة بين اللغة واللهجة هي العلاقة بين العام والخاص(2)
وعندما تتعدد اللهجات في مجال لغوي واحد، يصعب وضع حدود لهجية بينها،
لكن ذلك لا يعني بحال من الأحوال أن اللهجات لا تعرف الحدود مطلقا؛ لأن
لكل لهجة مجموعة من الصفات المشتركة التي تميز بينها و بين جارتها، و من
حقنا أن نتكلم عن وجود لهجات كلما لاحظنا عددا كبيرا من الخطوط التي
تفصل بين الخصائص ولو بشكل تقريبي. وعندما لا يمكن رسم خطوط دقيقة
بين منطقتين متجاورتين فإنه يبقى أن كلا منها تتميز في مجموعها ببعض
السمات العامة التي لا توجد في الأخرى، فالتقسيم اللهجي يرجع إلي إحساس
حقيقي لدى سكان الإقليم الواحد، إحساس بأنهم يتكلمون بصورة ما ليست هي
الصورة التي يسير عليها سكان الإقليم المجاور(3)
الذين بدأت دراسة اللهجات العربية في العصر الحديث على أيدي المستشرقين(4)
قدموا إلي العالم العربي للبحث في أحواله وثقافته: منذ القرن التاسع عشر،

وكانت في معظمها أعمالا متواضعة تقوم على جمع المادة ودراستها بطريقة
تقليدية، لكنها لم تلبث أن تطورت واشتد عودها بفضل تقدم الدراسات اللغوية
المعاصرة في الغرب واستفادتها من المخترعات الحديثة كاستخدام الأجهزة
المختلفة والمختبرات في ميدان البحث اللغوي.
واهتم كثير من الباحثين العرب المحدثين بدراسة اللهجات العربية في أنحاء
العالم العربي، وأسهمت الجامعات العربية بدورها في هذا الاهتمام لدى
اللغويين العرب المحدثين بتأليف الكتب في اللهجات العربية قديما وحديثا(5)
كما قامت المجامع اللغوية العربية في كل من القاهرة ودمشق و بغداد بتشجيع
الأبحاث و الدراسات في هذا المجال، حتى أن مجمع اللغة العربية في القاهرة
خصص إحدى لجانه لدراسة اللهجات.

وينطلق هؤلاء العلماء في اهتمامهم بدراسة اللهجات العربية الحديثة من
اعتقادهم بأن ذلك يؤدي إلي فهم طبيعة اللغة ومراحل نشوئها وتطورها وبيان تاريخها(6)
، ويسهم في دراسة اللهجات العربية القديمة، فقد احتظت اللهجات الحديثة ببعض الصفات التي يمكن- أحيانا- إرجاعها بسهولة إلي لهجات عربية قديمة(7)
ويعتقد المحدثون أيضا بأن دراسة اللهجات العربية الحديثة والتعرف على
خصائصها المشتركة يساعد على تقريب المسافة فيما بينها، وتضييق الفجوة
بينها وبين اللغة الفصحى. وهذا كله له فائدته الكبيرة في تعميق التفاهم بين أبناء
الأمة العربية، لأن اللغة من أقوى الدعائم لتوثيق الروابط بين الأفراد.

نظرة القدامى إلى اللهجات العربية:

تلك هي نظرة المحدثين إلي اللهجات العربية، فكيف كانت مناهج اللغويين القدماء
في تناولهم إياها؟
من المعروف أن العرب كانوا أمة متفرقة إلي قبائل، وأن هذه القبائل قدانتشرت
في أنحاء الجزيرة العربية، وآكان لكل قبيلة استقلالها وكيانها الخاص، فأدى
ذلك إلى انعزالها، كان من أسباب نشأة اللهجات العربية القديمة. ومن المؤسف
بالنسبة إلى تاريخ العربية قبل العصر الجاهلي أن يد الإهمال والنسيان قد
امتدت إلى عناصرها، وبخاصة مايتصل باللهجات العربية فلم تصل إلينا
نصوص نرجع إليها في تجلية معالم هذا التاريخ.
وفي العصر الجاهلي تمسكت كل قبيلة بصفتها الكلامية في حديثها العادي ،
وفي لهجات التخاطب، ،لكن الخاصة من الناس في تلك القبائل لجأوا إلي اللغة
المشتركة في المواقف الجديدة، يخطبون بها و ينظمون الشعر بها، وينفرون
من صفات اللهجات في مثل هذا المجال، حتي إذا عادوا إلي قبائلهم تحدثوا مع
الناس في شؤونهم العامة بمثل لهجتهم،

و هذا يعني أن اللغة عندهم مستويان:
مستوى اللهجات: وتتخذ أداة للتفاهم بين أفراد القبيلة في أمور حياتهم العامة،
ومستوى اللغة المشتركة: و تستعمل في المواقف الجادة، و منها: حديث العربي
حين يجد نفسه أمام خليط من القبائل المختلفة في ناد أدبي أو محفل للتقاضي أو
سوق للتجارة، و حين ينظم الشعر، أو يرسل الحكم والأمثال. وكان إتقان تلك
اللغة موضع فخر بين رؤساء القبائل والخاصة من الناس. وفي عهد التدوين
حظيت العربية بعلماء بررة أخلصوا لها، و قدموا خدمات جليلة من أجل جمعها
من مصادرها الموثوقة والوقوف على أسرارها، و محاولة ضبطها وتقعيدها
وبذلوا في سبيل ذلك جهودا مضنية و متواصلة تستحق منا كل إجلال و إكبار.

وقد أخذوا مادتهم اللغوية عن طريقين :
أولهما : الرحلة إلى البادية والاستماع
إلى أهلها الذين سلمت ألسنتهم من اللحن لعدم اختلاطهم بالأعاجم وغيرهم من
أبناء الأمم الأخرى.
وثانيهما : الأعراب الذين عدوهم فصحاء، وكانوا يفدون
إلى البصرة والكوفة.
انصبت جهود هؤلاء العلماء على اللغة المشتركة (الفصحى)، واستنكفوا أن يهتموا بأمر اللهجات على خطورته(8)فأهمل أمرها، ولم يرد عنها إلا القليل في
ثنايا كتب اللغة والأدب والتاريخ، بل إن ما روي عنها جاءنا مبتورا ناقصا في
معظم الأحيان، لا يعدو أن يكون مجرد إشارات متفرقة هنا و هناك، لا يمكن
أن تصنع تاريخا أو تكون فكرة كاملة.
وهم في تناولهم للهجات لم يراعوا الدقة في نقلها، فلم ينسبوا- غالبا- كل لهجة
إلى قبيلتها أوبيئتها، بل كانوا يعزون اللهجة أحيانا، ويكتفون بقولهم : إنها لغة
. لبعض العرب أحيانا أخرى(9)

وهذا كتاب سيبويه يمثل على ما ذهبنا إليه، حيث تردد في ثناياه عبارات مثل :
وسمعناه ممن ترضى عربيته . . . . و ناس من العرب يقولون . . . . وزعم لي
بعض العرب . . . . وقالت العرب . . . . وسألنا العرب . . . . فهذا سمعناه من
العرب . . . . وهي لغة لبعض العرب. . . . وهي لغة. . . . كما قال بعض
العرب. . . . و هي في مجموعها أقوال عامة لا تشير إلى قبيلة، ولا تحدد بيئة
ولا ترقى إلي طموحات المحدثين في إسناد كل قول إلي لهجته ولو أن القدامى
تنبهوا إلى هذا الأمر فعزوا اللهجة إلى قبيلتها لقدموا للعربية خدمة كبيرة
تضاف إلى مآثرهم العديدة.

ويلاحظ أن القدماء في نقلهم عن القبائل أخذوا يفرقون بين قبيلة وأخرى،
فينسبون الفصاحة إلى هذه وينكرونها على تلك، بل إنهم ذهبوا إلى أبعد من ذلك
فميزوا بين القبائل الفصيحة في درجات الفصاحة ورفضوا النقل عن القبائل
المتطرفة التي كانت مساكنها حدود الجزيرة العربية لمجاورتها لسائر الأمم الذين حولهم،

وقد عبر أبو نصر الفارابي عن هذا المنهج بقوله :
كانت قريش أجود العرب انتقادا للأفصح من الألفاظ، وأسهلها على اللسان عند
النطق وأحسنها مسموعا، وأبينها إبانة عما في النفس، والذين عنهم نقلت اللغة
العربية وبهم اقتدى و عنهم أخذ اللسان العربي من بين قبائل العرب هم قيس
وتميم وأسد، فإن هؤلاء هم الذين عنهم أكثر ما أخذوا معظمه، و عليهم اتكل في
الغريب وفي الإعراب والتصريف، ثم هذيل، وبعض كنانة، وبعض الطائيين،
ولم يؤخذ عن غيرهم من سائر قبائلهم، وبالجملة لم يؤخذ عن حضري قط، ولا
عن سكان البراري ممن كان يسكن أطراف بلادهم المجاورة لسائر الأمم الذين
حولهم فإنه لم يؤخذ لا من لخم، ولا من جذام لمجاورتهم أهل مصر والقبط،
ولا من قضاعة وغسان وأياد لمجارتهم أهل الشام، وأكثرهم نصارى يقرءون
بالعبرانية ، ولا من تغلب واليمن فإنهم كانوا بالجزيرة مجاورين لليونان، ولا
من بكر لمجاورتهم للقبط والفرس، ولا من عبد القيس وأزد عمان لأنهم كانوا
بالبحرين مخالطين للهند والفرس، ولا من أهل اليمن لمخالطتهم تجار اليمن
المقيمين عندهم ولا من حاضرة الحجاز، لأن الذين نقلوا اللغة صادفوهم حين
ابتدأوا ينقلون لغة العرب قد خالطوا غيرهم من الأمم وفسدت ألسنتهم.
وآثر الرواة وعلماء اللغة الأخذ عن القبائل التي تسكن في وسط الجزيرة
ونسبوا إليها الفصاحة وإجادة القول، لاعتقادهم بأن اللحن لم يتسرب إلى
لغاتها. وأشهر تلك القبائل التي نقل عنها جل ما وصلنا من العربية الفصحى
هي : قيس وتميم وأسد وهذيل و بعض كنانة و بعض الطائيين، وقد قام منهجهم
على اعتبار أن الفصحى هي لهجات هذه القبائل على تعددها وطول الزمن بها.

و يلاحظ مما سبق أن العلماء قد أسسوا فصاحة القبيلة على دعامتين :
الأولى : قرب مساكنها من مكة وما حولها، وبعدها عن أطراف الجزيرة
العربية ومخالطة الأمم الأخرى.
والثانية : مقدار توغلها في البداوة، ولذلك رأيناهم يعتزون بلغة القبائل
الحجازية بوجه عام وقبائل نجد ووسط الجزيرة، والقبائل البدوية المتوغلة في
البداوة. ونستطيع أن نلمس ذلك بوضوح في كتاب سيبويه،

فقد ذكرت فيه القبائل التالية:
الحجاز، تميم، أسد، فزارة، طيء، بكر بن ربيعة، قيس، هذيل،
بنو العنبر، لكن معظم لهجاته تكاد تكون محصورة في هاتين الوحدتين
الكبيرتين : الحجاز وتميم.
وأدى هذا المنهج في تقسيم القبائل العربية إلى فصيحة وأخرى غير فصيحة.
إلي أن حاول عدد من علماء اللغة عقد موازنة عقلية بين اللهجات العربية
فوجدناهم يقررون أن هذه اللغة أقيس من تلك للعلة الفلانية. ورأينا في كتبهم
جملة من الأوصاف للهجات العربية كقولهم : لغة قليلة، ولغة رديئة، ولغة
جيدة، ولغة شاذة، ولغة قبيحة، وهي اللغة الفصيحة. . . . إلى غير ذلك.
والمعروف أن اللهجة فصيحة إذا أدت إلى التفاهم والاتصال بين أبنائها لكنهم
أطلقوا تلك الأوصاف السابقة بالنظر إلى بعد اللهجة أوقربها من القرآن الكريم ولغة قريش، وقد عبر المبرد عن هذا المعنى بقوله(10)
: "وكل عربي لم تتغيرلغته فصيح على مذهب قومه، وإنما يقال بنو فلان أفصح من بني فلان أي أشبه لغة بلغة القرآن ولغة قريش، على أن القرآن نزل بكل لغات العرب".
ولم يكد ينقضي القرن الرابع الهجري حتى وسع الرواة وعلماء اللغة دائرة
النقل، وظهر من بينهم من لم يفرق بين قبيلة وأخرى في جواز الأخذ عنهم
والاحتجاج بأقوالهم. ويأتي في مقدمة هؤلاء العلماء اللغويين المشهورين ابن
جني، حيث عقد في كتابه الخصائص بابًا سماه: (اختلاف اللغات وكلها حجة)
أشار فيه إلى بعض الصفات المشهورة عن لهجات القبائل، وأن بعض تلك
الصفات أشهر من البعض الآخر وأكثر منها شيوعا في اللغة، ولكنها جميعا مما يحتج به، إلى أن قال ما نصه(11)
: " إلا أن إنسانا لو استعملها لم يكن مخطئا "
لكلام العرب لكنه يكون مخطئا لأجود اللغتين، فأما إن احتاج إلى ذلك في شعر
أو سجع فانه مقبول منه غير منعي عليه.
يتضح مما تقدم أن اللغة العربية في عصر الاحتجاج (حتى منتصف القرن
الثاني الهجري للقبائل الحضرية ومنتصف القرن الرابع الهجري للقبائل
البدوية) قد أخذت من قبائل متباينة: بعضها يسكن المدن كمكة والمدينة،
وبعضها الآخر يسكن البادية. ومن المعلوم أن حياة المدينة بزراعتها وتجارتها
وحرفها قد عرفت نوعا من الاستقرار ورقة العيش، فاختلفت عن البادية
المعروفة بصعوبة الحياة وشظف العيش، نظرا لكثرة التنقل والأسفار
والانعزال، واشتغال الناس بالرعي. واللغة تتأثر بالبيئة التي تعيش فيها كما
تتأثر بالحياة الاجتماعية للأفراد. وفي كل بيئة لغوية ظروف تدفع إلى تطور
الكلام وتغييره في كثير من الظواهر، وظروف أخرى تعمل على استقرار هذه
الظواهر وتحصنها فلا يطرأ عليها تغيير، غير أن الغلبة دائما لعوامل التطور،
فلا تبقى اللهجة في كل ظواهرها على حالة واحدة بعد مرور قرن أوقرنين،
وهذا يفسر لنا اختلاف نسبة التطور في اللهجات المتباينة. ففي بعض اللهجات

نراه شديدا يصيب كل نواحي اللهجة وظواهرها، وفي بعضها الآخر نرى
التطور لا يعدو أمورا معينة في هذه اللهجة(12)
[/size]

يتبع


التعديل الأخير تم بواسطة قطرب العربية ; 03-18-2015 الساعة 04:46 AM
رد مع اقتباس
 
 رقم المشاركة : ( 2 )
قطرب العربية
مشرف
رقم العضوية : 2407
تاريخ التسجيل : Feb 2015
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 49
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال :

قطرب العربية غير موجود حالياً

   

Post اللهجات العربية وعلاقتها باللغة العربية الفصحى : دراسة لغوية

كُتب : [ 03-18-2015 - 03:32 AM ]


وهكذا فإن التطور الذي أصاب لغات القبائل المستقرة في المدن المتحضرة في
مختلف المستويات اللغوية اختلف من غير شك عن التطور الذي أصاب لغات
القبائل البدوية المتنقلة، فحياة الحضر تطلب العمل على تحسين النطق وتخير
العبارات والحرص علي الوضوح واجتناب اللبس، أما حياة البادية فتميل إلى
السرعة في النطق وإيجاز في الكلام، مما كان له أثر واضح في اختلاف
اللهجات العربية.
ويرى اللغويون المحدثون أن جمع النصوص اللغوية من هذه اللهجات المختلفة
قد أوجد بعض الخلافات التي ظهر أثرها في التقعيد النحوي، ولو اكتفى علماء
اللغة بلغة القران الكريم ولغة العصر الجاهلي لتركوا كثيرا من الأمور الخلافية
ولأراحونا من كثير من تأويلاتهم التي تبعد عن الفهم الصحيح للظاهرة اللغوية
لكن أخذهم عن القبائل الست المشار إليها قبل سطور يعتبر تعددا في المكان،الأمر الذي كان له أثره في وضع القواعد النحوية(13)

ومن جهة أخرى يعتقد المحدثون أن الفترة الزمنية التي اعتمد عليها القدماء في
جمع النصوص طويلة فقد جمعت هذه الفترة عصر الجاهلية وصدر الإسلام
والعصر الأموي وجزءا من العصر العباسي، وتكون اللغة في هذه المدة
الطويلة عرضة للتطور على مختلف مستوياتها الصوتية والصرفية والتركيبية
والدلالية، والمفروض أن يكتفى بعصر واحد إذ لكل عصر سماته المميزة على
مختلف المستويات اللغوية.

من هذا المنطلق عاب الدكتور تمام حسان على القدماء اضطراب منهجهم من ناحيتين:
الأولى : شمول دراستهم لمراحل متعاقبة من تاريخ اللغة العربية تبدأ من
حوالي مائة وخمسين عاما قبل الإسلام وتنتهي بانتهاء ما يسمونه عصر
الاحتجاج وفي هذه الحقبة لا تظل اللغة ثابتة على حالها بل تتطور من نواح
مختلفة.
الثانية : خلطهم بين لهجات مختلفة ومحاولة إيجاد نحو عام لها جميعا(14)

نشأة اللغة العربية المشتركة (الفصحى) :
لا تختلف اللغة العربية في أسباب تكوينها عن تلك الأسباب العامة في نشأة
اللغات. ومن الطبيعي إذا كنا نحاول التعرف على ظروف تكوين اللغة العربية
المشتركة أن نمهد لذلك بالإجابة عن السؤال التالي:

كيف تنشأ اللغات المشتركة؟
تميل اللغات في حياتها إلى اتجاهين متضادين:
الأول : يأخذ بها إلى الانقسام كما حدث للغة الجرمانية التي انبثق عنها
الانجليزية والألمانية والهولندية.
والثاني : وهو الذي يهمنا هنا ويسير باللغات نحو التوحد أي أنه يؤدي إلى
تكوين اللغات المشتركة، وذلك عندما تتهيأ الظروف لإحدى اللهجات فتتغلب
على أخواتها في بيئة لغوية معينة، وهذا هو ما حدث للهجة باريس التي تغلبت
على معظم أخواتها إلي أن أصبحت لغة الآداب والكتابة في فرنسا، وكذلك ما
حدث للهجة لندن التي قدّر لها أن تتفوق على أشهر لهجات انجلترا مكونة اللغة
الانجليزية المشتركة ويكون التوحيد اللغوي في العادة تلبية لحاجات اجتماعية
عندما يتجه الأفراد إلى تعزيز التفاهم وتوثيق الروابط فيما بينهم، الأمر الذي
ينتج عنه تقارب في صور الكلام. ولولا مقاومة المجتمع للتفكك اللغوي لأصبح
العالم أمام حشد من صور التكلم التي لا تزيدها الأيام إلا تفرقا.
ومما يلحظه اللغويون أن نشأة اللغة المشتركة عملية تدريجية لا تتم في جيل أو
جيلين وإنما تتطلّب زمنا طويلا وظروفا اجتماعية وسياسية واقتصادية وثقافية،
وهي تعتمد دائما على الاتصال والاختلاط وللاشتراك في الحياة وقد ينشأ ذلك
كله عن حرب تؤدي إلى اختلاط أناس من لهجات مختلفة، أو قد يكون ناتجا
عن عقد الأسواق العامة التي يفد إليها الناس من بيئات لغوية مختلفة لقضاء
حاجاتهم ومصالحهم، أو قد يكون ناتجا عن إقامة مناسبات دينية يجتمع فيها
سكان ينتمون إلى أماكن مختلفة، فيكون ثمرة هذه اللقاءات المتكررة مع الزمن
إذابة الفروق اللهجية بطريقة لا شعورية من المتكلمين والإسهام بدور فعال في
توحيد اللغة.
ولا يفوتنا في هذا المقام أن ننبه إلى أن دراسة اللغات المشتركة في العصور
التاريخية تبين أنه ليس من السهل التعرف على أي العوامل كان أقوى أثرا في
تكوينها، آما لا يعني بالضرورة أن هذه العوامل لا بد من توفرها مجتمعة في
كل حالة.

وتتخذ اللغة المشتركة في بدء نشأتها مركزا معينا يتاح له من النفوذ السياسي
والحضاري مالا يتاح لغيره، فتتطلع إليه المناطق الأخرى وتسلم له زمام
القيادة وينزح إليه الناس فيؤثرون في لهجة أهله ويتأثرون بها، ثم تتبلور عملية
الاتصال في نهاية الأمر إلى صورة من الكلام أساسها اللهجة المحلية الأصلية
وقد امتزجت بعناصر أخرى واحدة من مختلف اللهجات الأخرى بحيث يتكون
من هذا كله مزيج منسجم يقبله الجميع ويقبلون عليه، فينتشر في مختلف البيئات
اللغوية وهو ما نسميه باللغة المشتركة(15)
و مراكز اللغات في العالم هي عادة عواصم الدول والمدن الكبرى التي تهيأت
لها الظروف السياسية والاقتصادية والثقافية. واللهجة التي يتاح لها التفوق على
أخواتها في أمة من الأمم تصبح عاجلا أو آجلا اللغة الرسمية للدولة أي اللغة
القومية أو اللغة الفصحى.
وتتصف اللغة المشتركة بمعالم خاصة تميزها عن شقيقاتها اللهجات الأخرى
التي سبق أن اتصلت بها وتفاعلت معها في تكوين هذا المزيج المنسجم .

ويتفق المحدثون على أن أهم تلك الخصائص المميزة للغة المشتركة يمكن حصرها في صفتين :
الأول : أنها مستوى لغوي أرقى من لهجات الخطاب في غالب الأحوال أي أنها
فوق مستوى العامة فلا يصطنعونها في شؤون حياتهم اليومية، وهم يتخذونها
مقياسا لحسن القول وإجادة الكلام، فإذا سمعوا متكلمابها رفعوه فوق مستوى ثقافتهم.
الثاني : أن اللغة المشتركة و إن تأسست في بدء نشأتها على لهجة معينة
والتمست بعض صفات اللهجات الأخرى وهضمته، إلا أنها قد فقدت مع الزمن
كل المنابع التي استمدت منها عناصرها، وأصبح لها كيان مستقل، فلم تعد
تنتسب إلي بيئة محلية تعينها، بل يشعر آك من السامع والمتكلم أنها أصبحت
ملك الجميع لا يدّعيها قوم لأنفسهم، وهي لذلك تكتسب الاحترام من الناس جميعا(16)

ونعود لما بدأنا الحديث عنه فنتساءل :
كيف نشأت اللغة العربية المشتركة؟
أمن كل اللهجات العربية أم من لهجة واحدة تحققت لها السيادة على غيرها من اللهجات؟
وإن كان هناك لهجة تغلبت على أخواتها، فما هذه اللهجة؟

بادىء ذي بدء نسارع فنقول، ليس لدينا معلومات عن طفولة العربية. وحديثنا
عنها لا يتجاوز العصر الجاهلي الذي يؤرخ له ينحو مائة وخمسين عاما قبل
ظهور الإسلام.

اختلفت آراء علماء العربية (قدامى و محدثين) في نظرتهم إلي العربية المشتركة ولهجاتها :

فقد ذهب القدامى إلى أن العربية المشتركة هي لغة قريش ذلك أن قريشا في
نظرهم أفصح العرب وأصفاهم لغة، لأنهم كانوا يسكنون جوار البيت العتيق
فمنحهم هذا الجوار سلطة روحية وأدبية، وكانت الوفود تأتيهم من مختلف
القبائل العربية فيختارون من ألسنتها ما وافق طباعهم، وما أحسوا أنه صورة
راقية من صور الفصحى، ويجتنبون الظواهر المسفّة في هذه اللهجات فجاءت
لغتهم خالصة من الأوشاب اللهجية، يقول أبو الحسين أحمد بن فارس
: "أجمع علماؤنا بكلام العرب والرواة لأشعارهم والعلماء 17 فارس(ت:941م)
بلغاتهم وأيامهم ومحالّهم أن قريشا أفصح العرب ألسنة وأصفاهم لغة. وذلك أن
الله- جل ثناؤه- اختارهم من جميع العرب واصطفاهم واختار منهم نبي الرحمة
محمدا صلى االله عليه وسلم، فجعل قريشا قطّان حرمه وجيران بيته الحرام
وولاته . . . . وكانت قريش مع فصاحتها وحسن لغاتها ورقة ألسنتها إذا أتتهم
الوفود من العرب تخيروا من آكامهم وأشعارهم أحسن لغاتهم وأصفى كلامهم.
فاجتمع ما تخيروا من تلك اللغات إلى نحائزهم وسلائقهم التي طبعوا عليها،
فصاروا بذلك أفصح العرب".
ونقل السيوطي (ت:911م) عن أبي نصر الفارابي قوله : (كانت قريش أجود
العرب انتقادا للأفصح من الألفاظ وأسهلها على اللسان عند النطق، وأحسنها
. آما نقل عن الفراء (ت:822م) قوله مسموعا وأبينها إبانة عما في النفس)(18)
في هذا الشأن: "كانت العرب تحضر الموسم في كل عام وتحج البيت في
الجاهلية، وقريش يسمعون لغات العرب، فما استحسنوه من لغاتهم تكلموا به
فصاروا أفصح العرب، وخلت لغتهم من مستبشع اللغات ومستقبح الألفاظ"(19)

تلك جملة من أقوال القدماء تجمع على فصاحة قريش وعلو المنزلة التي
رفعت إليها لهجتهم بفضل ما تجمع لديها من رقة اللسان وبعد عن الألفاظ
الموحشة وبفضل ما اختارته من لهجات القبائل.
أما تأثر لهجة قريش بغيرها من لهجات القبائل نتيجة هذا الاتصال المستمر
فأمر مسلم به في الدراسات اللغوية الحديثة حيث إن احتكاك اللهجات بعضها
ببعض يقرب الشقة فيما بينها ويذيب الفوارق اللهجية، ويؤدي في النهاية إلى
أن تتغلب إحدى هذه اللهجات على شقيقاتها متى أتيحت لها الظروف، كما
يؤدي إلى أن تترك هذه اللهجات بصماتها في اللهجة الغالبة، لكننا في الوقت
نفسه لا نستطيع أن نوافق القدماء على اندفاعهم في كلمتهم بأن لهجة قريش

أفصح اللهجات العربية إذ أن المفاضلة بين اللهجات لا تتفق مع وجهة النظر اللغوية الحديثة(20)

هذا وقد تبع فريق من المحدثين علماء العربية القدامى في نهجهم فوضع لهجة
قريش في المنزلة العالية، وجعل لها السيادة علي غيرها من اللهجات العربية
بفضل ما أتيح لأهلها من ثقافة وجاه وسلطان، وما انتقل إليها من عناصر لغوية
زادتها ثراء. فهي عندهم اللغة الفصحى التي نظم بها الشعر وألقيت الخطب في
المحافل والمحتمعات، وهي عندهم لغة القرآن والحديث والآثار الدينية والأدبية
والعلمية.
وممن سار في هذا الاتجاه الدكتور علي عبد الواحد وافي إذ يقول في معرض
كلامه عن تغلب لهجة قريش في اتصالها مع اللهجات العربية: هذا إلى أن لهجة
قريش كانت أوسع اللهجات العربية ثروة وأغزرها مادة وأرقها أسلوبا، وأدناها
إلى الكمال وأقدرها على التعبير في مختلف فنون القول وقد تم لها ذلك بفضل ما
أتيح لأهلها من وسائل الثقافة والنهوض، وما أتيح لها من فرص آثيرة للاحتكاك
بمختلف اللهجات العربية، وما انتقل إليها من هذه اللهجات من عناصر زادتها
ثروة وسدّت ما كان يعوزها في بعض مناحي التعبير. إلى أن يقول: "وهذا هو ما
حدث للغة قريش فقد ترتب على تغلبها على بقية اللهجات العربية أن أصبحت
لغة الآداب عند جميع قبائل العرب، فبها كان ينظم الشعر وتلقى الخطب، وترسل
الحكم والأمثال، وتدون الرسائل، وتتفاوض الوفود، ويتبارى الأدباء، وتجري
المناقشة في النوادي والمؤتمرات في مختلف بلاد العرب ومختلف قبائلهم وقد تم
لها ذلك قبل بعثة الرسول صلى االله عليه وسلم بزمن غير قصير"(21)

ويسلك الدكتور حسن عون طريقا مماثلا فيقول:
"ومنذ نهضت قريش في أرض الحجاز وبدأت تسود غيرها
من القبائل وتتزعمها في الدين والسياسة والاقتصاد أخذت
لهجتها تسود اللهجات الأخرى وتتغلب عليها . . . وهي التي
أورثتنا هذه الآثار الدينية والأدبية والعلمية، وهي أيضا لغة القرآن والحديث والأدب العربي"(22)
ونحن لا نستطيع أن نركن إلى مثل هذه الأقوال التي تجعل لهجة قريش وحدها
لغة القرآن والحديث والآداب فقد سبق أن ألمحنا قبل سطور في حديثنا عن نشأة
اللغات المشتركة بأن هذه اللغات وإن قامت في بدء نشأتها على أساس لهجة
سادت غيرها لأسباب اجتماعية واقتصادية وثقافية، إلا أنها تصبح مع الزمن
ملكا للجميع، وينسى الناس جذورها الأولى، ولا تعود تذآّرنا عند سماعها
بمنطقة معينة أوبيئة محلية واحدة، ذلك أنها عندما يتاح لها أن تنتشر بين

الجماعات اللغوية الأخرى تأخذ العناصر المشتركة التي تدخل في تكوينها في
الازدياد، وكلما ازدادت انتشارا كثرت الصفات التي تستعيرها من صور اللهجات المحلية(23)
وهكذا فإن اللغة العربية المشتركة وإن قامت في بداية نشأتها على أساس لهجة
قريش إلا أنها أخذت على مر السنين خصائص لغوية من قبائل عربية مختلفة
نتيجة اتصال قريش بهذه القبائل في مناسبات عديدة، فلم تعد اللغة المشتركة
لهجة قريش وحدها بل هي مزيج منسجم من اللهجات العربية، ولنضرب في
هذا المقام مثلا توضيحيا فنقول: من الحقائق المعروفة في دراسة اللهجات
العربية القديمة أن ظاهرة النبر- أي تحقيق الهمز- من الخصائص البدوية التي
اشتهرت بها قبائل وسط الجزيرة وشرقيها
( تميم وما جاورها ) وأن عدم النبر
أي تسهيل الهمز أو تخفيفه - صفة حضرية امتازت بها لهجة القبائل في شمال
الجزيرة وغريبها ( قريش وما جاورها من القبائل الحجازية). وقد أكد ذلك ابن
منظور في الرواية التي أوردها فقال : "قال أبو زيد: أهل الحجاز وهذيل،
وأهل مكة والمدينة لا ينبرون وقف علينا عيسى بن عمر فقال: ما أخذ من قول
تميم إلا بالنبر وهم أصحاب النبر، وأهل الحجاز إذا اضطروا نبروا"(24)
قال : "وقال أبو عمر الهذلي : قد توضيت فلم يهمز وحولّها ياء وكذلك ما أشبه
هذا من باب الهمز"(25)
يفهم من العبارة السابقة أن لهجة تميم تحقيق الهمز ولهجة قريش تسهيلها، وقد
أخذت العربية المشتركة تحقيق الهمز من تميم، وأصبح الخاصة من العرب
مهما اختلفت قبائلهم يلتزمون تحقيق الهمز في الأسلوب الجدي من القول من
شعر أو خطابة أو نثر حتى القبائل الحجازية، فهي وإن كانت في لهجات
الخطاب تسهل الهمز إلا أنها التزمت تحقيقه في الأساليب الأدبية، وهذا هو ما
أشارت إليه الرواية وقولها: (وأهل الحجاز إذا اضطروا نبروا". وقد عقب
الدكتور إبراهيم أنيس على هذه الرواية بقوله: "فليس لهذا الاضطرار من معنى
سوى أنهم كانوا يهمزون حين يلجأون إلي اللغة النموذجية وفي المجال الجدي
من القول"(26)

وخلاصة ما تقدم أن الذين ذهبوا من المحدثين إلى أن لهجة قريش هي اللغة
العربية المشتركة قد جانبهم الصواب فيما ذهبوا إليه، فقد اتضح أن هذه اللغة
ليست لهجة قريش وحدها، ومن أدلة ذلك وجود الهمز في الفصحى وقريش لاتهمز.
وبناء عليه فإننا نعتقد أن الفريق الآخر من المحدثين أكثر توفيقا وأقرب إلى
وجهة النظر اللغوية، فقد ذهب هؤلاء إلى أن العربية المشتركة مزيج من

اللهجات العربية. وهي وإن قامت في مرحلة تكوينها على أساس لهجة قريش
إلا أنها استمدت كثيرا من خصائصها من اللهجات العربية المختلفة، واستمرت
على هذا الوجه تنمو وتزدهر إلى أن تكون إطارها العام وأصبح لها كيان
مستقل يعيش إلى جانب اللهجات المختلفة، ويصطنع في المجال الجدي، بينما
نصطنع اللهحات في شؤون الحياة العامة.
وممن اتجه هذا الاتجاه الدكتور إبراهيم أنيس الذي تناول في حديثه نشأة اللغة
العربية المشتركة في مكة عندما هيئت لها الظروف والأسباب حيث يقول:
"فكان أن نشأت بها لغة مشتركة أسست في كثير من صفاتها على لهجة مكة.
ولكنها استمدت أيضا الكثير من صفات اللهجات التي كانت تفد إليها، ثم نمت
هذه اللغة مع الزمن وتبلورت مسائلها وأصبح لها كيان مستقل عن كل اللهجات
ثم انتشرت مع القبائل والوفود حتى انتظمت جميع أنحاء شبه الجزيرة،
وأصبحت اللغة التي ينظم بها الشعراء ويخطب بها الخطباء والتي تصطنع في
كل مجال جدي من مجالات القول، فهي اللغة الأدبية النموذجية التي كانت محل الإعجاب والتقدير من العرب جميعا"(27)


يتبع


التعديل الأخير تم بواسطة قطرب العربية ; 03-18-2015 الساعة 03:46 AM

رد مع اقتباس
 
 رقم المشاركة : ( 3 )
قطرب العربية
مشرف
رقم العضوية : 2407
تاريخ التسجيل : Feb 2015
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 49
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال :

قطرب العربية غير موجود حالياً

   

Post اللهجات العربية وعلاقتها باللغة العربية الفصحى : دراسة لغوية

كُتب : [ 03-18-2015 - 04:28 AM ]



وعلى هذا الأساس فاللغة المشتركة عنده مزيج منسجم من القواعد والأصول
أخذت مع الزمن هذا الشكل العام، فلا تدّعيها لنفسها قبيلة من القبائل ولايقتصر شأنها على بيئة بعينها من بيئات العرب القدماء.
وقد تم تكوينها قبل الإسلام وأصبحت لغة العرب جميعا وأنزل القرآن الكريم
بها ليفهمه جميع الناس في شتى القبائل العربية فلا يمثّل القرآن لغة قريش
وحدها كما يتردد أحيانا في بعض الكتب والروايات وإنما يمثل اللغة المشتركة
بين العرب جميعا لغة الأدب من شعر وخطابة وكتابة.
ويستقرىء الدكتور داود عبده نصوص العربية الفصحى فيلاحظ عدم اطراد
قواعدها في بعض الأحيان، ويسوق الأمثلة على ذلك، ويتخذ منها دليلا على أن
الفصحى ليست إلا مزيجا من لهجات متعددة فلو كانت لهجة واحدة كما ذهب
بعض العلماء لجاءت قواعدها مطردة يقول الدكتور عبده : "إن استقراء النصوص
في الفصحى يشير إلى وجود مثل هذه القواعد المتناقضة وكثير غيرها، مما لا يدع
مجالا للشك في أن العربية الفصحى ليست لهجة واحدة بل مزيجا من اللهجات"(28)

ويتخذ الدكتور عبده الراجحي موقفا يتفق في بعض جوانبه مع ما تقدم ويختلف عنه في
جوانب أخرى.
فهو حين يستعرض أقوال القدماء يلاحظ أنهم يجعلون لهجة قريش وحدها هي
اللغة العربية المشتركة، وعندما يبحث عن أسباب هذا الحكم، يجد أنها نابعة

من تمجيدهم للهجة قريش التي اكتسبت ذلك لكون النبي صلي االله عليه وسلم
قرشيا، ثم ينتقل لمناقشة آراء المحدثين فيرى أنهم ساروا في الطريق ذاتها التي
سلكها القدماء ويستشهد بأقوال كثير منهم فيلاحظ أنها ترديد لأقوال القدماء ولا
تستند إلى دليل لغوي.
ويخلص الدكتور الراجحي بعد ذلك إلى تقديم رأيه الذي يعتقد فيه أن اللغة العربية
المشتركة مزيج من اللهجات العربية، وفي ذلك يتفق مع بعض المحدثين كما قدمنا
قبل سطور، لكنه يختلف عنهم عندما يذهب إلى أن هذه اللغة المشتركة لا تنتسب
إلى قبيلة بذاتها لكنها تنتسب إلى العرب جميعا، ما دامت النصوص الشعرية
والنثرية لا تكاد تختلف فيما بينها، وهذه النصوص كما يفهم ليست قرشية أو تميمية
أو هذلية فقط، بل هي من قبائل مختلفة . . . ومع وجود هذه اللغة المشتركة
احتفظت اللهجات المختلفة ببعض خصائصها اللهجية، ومع دخول بعض هذه
الخصائص إلى اللغة الفصحى نقول: إن خصائص لهجة قريش ليست هي الغالبة على غيرها(29)

وبعد:
فمن خلال هذا التجوال في مواقف علماء العربية قديما وحديثا يتضح
تباين وجهات نظرهم في تكوين اللغة العربية المشتركة. والرأي الذي يطمئن
إليه القلب هو أن اللغة المشتركة مزيج من اللهجات العربية لكننا لا نستطيع
الإقرار بأن لهجة قريش هي الغالبة في هذا المزيج فحتى لو سلمنا بأن العربية
المشتركة قامت على أساس من لهجة قريش بعد امتزاجها بعناصر من اللهجات
الأخرى فإنه لم يغب عن بالنا بأن هذا المزيج بعد تكونه لا ينتسب إلى بيئة
لغوية معينة. أضف إلى ذلك أن انتشار هذا المزيج يؤدي مع الزمن إلى زيادة
الصفات التي يستعيرها من صور اللهجات المحلية، على مر الأيام، وهذا لايساعد على غلبة لهجة قريش.
إن الحكم الذي ينص على أن لهجة قريش هي الغالبة في هذا المزيج حكم
ترجيحي يعتمد على أقوال الرواة، ولا يستند إلى دليل علمي، ذلك أنه لم تتوفر
لدينا نصوص لغوية من لهجة قريش، أو من غيرها من اللهجات العربية قبل
تكوين العربية المشتركة، كي نستطيع من خلالها، أن نتبين القدر الذي ساهمت
فيه كل لهجة من هذه اللهجات في اللغة العربية المشتركة، وطالما أن الأمر
على هذا الوجه فإن القول بغلبة لهجة قريش يبقى ضربا من الحدس والتخمين.
أما القول بأن العربية الفصحى مزيج من اللهجات فأمر تشهد به النصوص
اللغوية، وهذا هو الجانب الأهم في هذه القضية لأنه جانب حيّ وعمليّ، وسوف
يتضح من خلال دراستنا لبناء الجملة العربية في السطور التالية.

الصفات اللهجية في بناء الجملة في العربية الفصحى :
من الأمور المسلم بها في الدراسات اللغوية الحديثة أن اللغة ظاهرة اجتماعية،
ترتبط بالمجتمع، وتعيش في أحضانه، تتقدم بتقدمه، وتتأخر بتأخره، وكل لغة
في هذا العالم تتغير بلا انقطاع، وتتطور على الدوام.
وهذا التغير يحدث في كل عصر من عصور اللغة، وعلى مختلف المستويات.
ففي كل زمن تظهر مفردات وتراكيب جديدة، وتختفي أوتهمل مفردات
وتراكيب أخرى. ويتم ذلك دون قصد من أصحاب اللغة، بل دون شعورهم(30)

وتتطور اللغة لأجل أن تصبح قادرة على تلبية حاجات المجتمع، واستيعاب
جوانب الحياة المختلفة، فإذا تغيرت طبيعة الحياة لدى الأفراد، نتيجة تغير في
القيم أو الحضارة أو المعتقدات، فإن ذلك يستلزم أن تتولد ظواهر لغوية جديدة،
وتتغير نظم سابقة، لكي تصبح اللغة أكثر اتساعا، وأعظم مقدرة بمعنى أن
مظاهر التطور تحدث في اللغة استجابة لحرآة الحياة، وعليه فلا يعقل أن تبقى
لغة على حالة من الثبات والجمود عبر العصور والأزمان. وتستطيع النظرة
التاريخية على هذا الأساس تجلية ملامح كثيرة من الظواهر اللغوية، عندما
نلاحظ في اللغة أحيانا صورتين أو أكثر لظاهرة تمثل إحداها فترة تاريخية أقدم
من الصور الأخرى(31)

واتصال اللغة بلهجاتها أو بغيرها من اللغات ينجم عنه عملية تأثير وتأثر تؤدي
في الغالب إلى انتقال كثير من الصفات إلى تلك اللغة، ويكون ذلك رافد آخر
من روافد التطور في اللغة، وتصبح الدراسات اللغوية المقارنة في هذه الحالة
ضرورية لأنها تساعد في تفسير تلك الظواهر اللغوية.
واللغة العربية ليست بدعا بين اللغات، بل هي لغة يجري عليها ما يجري على
اللغات الأخرى من قوانين التغيير، وكل مرحلة من مراحلها تمثل حلقة في
سلسلة حلقات طويلة من التطور. فلا يجوز- والحالة هذه - دراسة مراحلة بمنأى
عن غيرها من المراحل، أو بمعزل عن الدراسات المقارنة.
ومن المعروف أن اللغة العربية الفصحى قد اتصلت باللهجات القديمة وتفاعلت
معها واستوعبت الكثير من صفاتها حتى أصبحت مزيجا من الخصائص
في مختلف المستويات اللغوية، سواء في اللهجية، وقد ساعد ذلك على ثرائها(32)
ذلك المستوى الدلالي أو النحوي. ويهمنا في هذه الدراسة ما يتصل بالجملة

العربية حيث وجد لبنائها في بعض الحالات أكثر من صورة. وقد تعايشت هذه
الصور المتعددة في سلام ووئام، إلى أن جاء عصر تدوين اللغة وأخذ علماء
اللغة يضعون قواعدهم ويحاولون فرضها، فإذا وجدوا مثلا مخالفا أخضعوه
لتأويلاتهم النحوية، وإلا حكموا عليه بالشذوذ غير آبهين بما يمكن أن يحدث من
تطور لبناء الجملة في تلك الفترة الزمنية الطويلة التي أطلقوا عليها عصور
الاحتجاج والتي امتدت قرونا عديدة.
ولا شك أن التعرف على هذه الصفات اللهجية في بناء الفصحى والاستفادة من
النظرة التاريخية المقارنة في دراستها يساعد على فهم بناء الجملة بشكل أفضل
بعيدا عن التعليل والتأويل. ولنضرب لذلك المثل التوضيحي التالي:
من المعلوم
أن للجملة الفعلية البسيطة المكونة من فعل وفاعل صورتين:
الأولى: يكون الفعل فيها خاليا من علامتي التثنية والجمع فيقال حضر الطالبان،
حضر الطلاب، حضرت الطالبات، وهذه هي الصورة المشهورة في كتب
النحاة وهي الأوسع انتشارا بين العرب.
الثانية: يتطابق الفعل فيها مع الفاعل، فتلحقه علامة التثنية مع الفاعل المثنى
وتلحقه علامة الجمع إذا كان الفاعل جمعا فيقال: حضرا الطالبان، حضروا
الطلاب، حضرن الطالبات. وقد اشتهرت هذه الصورة الثانية في كتب النحو
بلغة (أكلوني البراغيث) ونسبت إلى لهجات متعددة منها: لهجة بلحارث وطي
وأزد شنوءة.
وجد النحاة أن الصورة الأولى تنسجم مع قواعدهم، لكنهم عندما نظروا في
الصورة الثانية رأوا أنها لا تتفق معها، فحاولوا إخضاعها لمنطقهم، ولكنهم
اختلفوا في تأويلاتهم وتعليلاتهم حيث ذهب فريق منهم إلى أن ألف الاثنين
وواو الجماعة ونون النسوة ضمائر في محل رفع فاعل، أما الاسم الظاهر
فيقرب على أنه بدل أو مبتدأ مؤخر.
و ذهب فريق آخر إلى أنها حروف أو علامات للتثنية والجمع وفي هذه الحالة يكون الاسم الظاهر هو الفاعل(33)
وعندما نظر هذا الفريق في قوله تعالي:﴿ثم عموا وصموا كثير منهم.... ﴾
(سورة المائدة،الآية: 71)(34).
أجازوا تنازع العاملين (عموا وصموا) في الاسم الظاهر (كثير)، وجعل الواو
في الفعلين علامة للجمع، وتقدير ضمير مستتر في الفعل المهمل (مع أن
الضمير موجود وهو واو الجماعة إلا أنهم اعتبروه علامة للجمع) وعدوا ذلك
من غرائب العربية(35)

إلى هذا الحد وصل بهم التعليل والتأويل واحترام القواعد، مع أن الأمر أبسط مما
ذهبوا إليه. فالنظرة التاريخية المقارنة توضح أن لغة (أكلوني البراغيث) تمثل
الصورة الأقدم في العربية حيث إن الأصل في اللغات السامية تحقيق المطابقة بين الفعل والفاعل(36)
ثم تطور هذا الأصل فتكونت الصورة الأولى التي يكون فيها الفعل مفردا مع الفاعل في كل الأحوال وانتشرت هذه الصورة الأولى التي يكون فيها الفعل مفردا مع الفاعل في كل الأحوال بين غالبية العرب. على أن
صورة الأصل لم تمت، وبقيت تستعمل في بيئة أو بيئات محافظة منعزلة،
وعندما خرج الرواة واللغويون لجمع اللغة في مرحلة تدوينها، رووا الصورتين، ووضع النحاة قواعدهم على الأعم الأغلب. وعند ما وجهوا بالصورة الثانية حاولوا إخضاعها لمنطقهم. فجنحوا إلى التعليل والتأويل على
الوجه المتقدم، متناسين نواميس التطور التي تجري على بناء الجملة العربية
(وعلى غيرها من الظواهر اللغوية بالطبع ) استجابة لنزعة معيارية ، مع أن
مهمة اللغوي تفسير الظواهر اللغوية لا تعليلها،

وبذلك يمكن النظر إلى الصورتين على أنهما تمثلان طورين من أطوار اللغة:
طورا سابقا وطورا لاحقا أو طورا قديما وطورا جديدا. ولعل الأخذ بالصور الجديدة يساعد على
تخليص قواعد النحو من هذا التشعب الذي يثقلها، ومن كثير من صور التقدير
وذيول الخلاف وتعدد الوجوه والأقوال، ويخفف من وطأة المتاعب التي تثقل
كاهل الدارسين. أما الصور الأخرى من الظاهرة، وهي التي تمثل مراحل
زمنية سلفت فينص عليها في تاريخ النحو، ويستأنس بالعلاقة بين كل صورة
وتاليتها في رسم اتجاهات التطور النحوي(37)
ومهما يكن من أمر فإن جهود النحويين العاملة على طرد القاعدة وميلهم إلى التقنين والتنظيم أدت بهم إلى طمس هذه الصفات اللهجية(38)
وعدم الإشارة إليها
إلا في النادر من الأحيان. وقد أثر هذا المنهج على نظرتهم إلى اللهجات فلم يمنحوها الاهتمام الكافي، ولم يتوفروا على دراستها، ولم يرووا إلا النزر
اليسير من صفاتها. وكان من نتيجة ذلك أن أصبحت دراسة اللهجات القديمة
في عصرنا ومحاولة الاهتداء إليها من الأمور العسيرة لأن المادة اللغوية الضخمة التي بين أيدينا لا تعين على ذلك(39)

ومما يزيد الأمر مشقة أن هذه الإشارات اللهجية المروية كانت في غالبيتها
تتصل بالدراسات الصوتية والدلالية وأن القليل منها يتصل بالجملة، ذلك لأن بناء الجملة أقل الظواهر اللغوية تطورا من وجهة النظر اللغوية الحديثة.

ففي الختام نقول:
يعرض البحث نظرة علماء العربية إلى اللهجات :
فقد أدرك المحدثون أهمية اللهجات في فهم طبيعة الفصحى، فأقبلوا على دراستها ، وألفوا
الكتب فيها، وساهمت الجامعات والمجامع اللغوية في أنحاء العالم العربي في
هذا الشأن انطلاقا من اعتقادهم بأن التعرف على الخصائص المشتركة للهجات
يساعد على تقريب المسافة فيما بينها، ويؤدي إلى تعميق التفاهم بين أبناء الأمة
العربية، وتناول علماء العربية القدامى اللهجات في دراستهم اللغوية ، ولكن
تناولهم إياها جاء على شكل إشارات متناثرة في كتبهم ، ولم يكن دراسة متكاملة تبين صفاتها أو أساليبها في التعبير أو غير ذلك. وقد قام منهجهم في جمع اللغة على الأخذ عن قبائل معينة دون سواها وقادنا ذلك إلى التساؤل: هل اللغة الفصحى هي لغة قريش وحدها كما هو مشهور أم هي مزيج من اللهجات.
وقد جاءت هذه الدراسة تطبيقا عمليا لهذه الإجابة فقد اتصلت العربية الفصحى
بلهجاتها على مر العصور، وكان من نتيجة ذلك انتقال كثير من الصفات إلى
بناء الجملة الفصحى.

المراجع:

1- انظر: د/إبراهيم أنيس، في اللهجات العربية ( القاهرة: مكتبة الانجلو المصرية، 1965م
) ص18-17، وانظر أيضا: د/رمضان عبد التواب، فصول في فقه اللغة ( القاهرة: دار
التراث، 1977م) ص59.
2- د/ عبد الصبور شاهين، في علم اللغة العام (القاهرة: مؤسسة الرسالة، 1980م)
ص225.
3- فندريس، اللغة، ترجمة عبد الحميد الدواخيلي ومحمد القصاص (القاهرة: آتبة الانجلو
المصرية، 1950م) ص213.
4- ب. م . جونستون ، دراسات في لهجات شرقي الجزيرة العربية، ترجمة د/ أحمد
الضبيب ( الرياض: عمادة شؤون المكتبات، جامعة ملك سعود، 1975م) ص12.
5- المصدر نفسه، ص17 -16.
6- غالب فاضل المطلبي ، لهجة تميم : أثرها في العربية الموحدة (بغداد : وزارة الثقافة
والفنون، 1978م) ص32.
7- د/ إبراهيم، أنيس في اللهجات العربية، ص13 -12.
8- يوهان فك، العربية، ترجمة د/ رمضان عبد التواب ( القاهرة: مكتبة الخانجي، 1980م)
ص9.
9- د/ حسام النعيمي، الدراسات اللهجية والصوتية عند ابن جني (بغداد: دار الرشيد،
1980م) ص72.
10- محمد بن يزيد المبرد، الفاضل، تحقيق عبد العزيز الميمني (القاهرة: دار الكتب ،
1956م) ص113.
11-أبو الفتح عثمان بن جني، الخصائص، ج2، تحقيق محمد على النجار (القاهرة : دار الكتب،1952م) ص12.
12-د/ إبراهيم أنيس ، في اللهجات العربية ، ص87-86.
13-د/ محمد صلاح الدين مصطفى ، النحو الوصفي من خلال القرآن الكريم (الكويت:
مؤسسة علي جراح الصباح، بدون تاريخ) ص23 ،16.
14-د/ تمام حسن، اللغة بين المعيارية والوصفية (القاهرة: مكتبة الانجلو المصرية، 1958م)25 ،24ص .
________________________________

15-د/ إبراهيم أنيس، مستقبل اللغة العربية المشتركة (القاهرة : معهد الدراسات العربية،
1960م) ص3.
16- المصدر نفسه، ص6 ، 5.
17-أحمد بن فارس، الصاحبي في فقه اللغة ، تحقيق د/ مصطفى الشويمي (بيروت: مؤسسة
بدران، 1964م) ص52.
18- السيوطي، المزهر، ج1، ص211.
19-المصدر نفسه، ج1، ص211.
20-د/ علي القاسمي ، علم اللغة وصناعة المعجم (الرياض: عمادة شؤون المكتبات، جامعة
الملك سعود، 1975م) ص88.
21-د/ على عبد الواحد وافي ، علم اللغة (القاهرة: دار نهضة مصر، 1967م) ص106- 108.
22-د/ حسن عون، اللغة والنحو (الاسكندرية ، 1952م) ص42.
23-د/ رمضان عبد التواب ، المدخل إلى علم اللغة (القاهرة: مكتبة: الخانجي ، 1982م)
ص168.
24- جمال الدين محمد بن مكرم بن منظور، لسان العرب (بيروت: دار صادر و دار بيروت ، 1968م) ج1،ص22،24.
25- المصدر نفسه.
26- د/ إبراهيم أنيس ، في اللهجات العربية ، ص87.
27- د/ إبراهيم أنيس ، مستقبل اللغة العربية المشتركة، ص9.
28- د/ داود عبده ، أبحاث في اللغة العربية (بيروت: مكتبة لبنان ، 1973م) ص80.
29- د/ عبده الراجحي ، اللهجات العربية في القراءات القرآنية (القاهرة: مكتبة الخانجي،1979) ص 48-49.
30- التهامي الراجي الهاشمي ، بعض مظاهر التطور اللغوي (الرباط ، دار النشر المغربية ،1978م) ص10 - 11.
31- د/ رمضان عبد التواب، التطور اللغوي (القاهرة: مكتبة الخانجي، 1983م) ص7.
32- د/ التهامي الراجي الهاشمي، بعض مظاهر التطور اللغوي، ص35 ، 34.
33- ابن هشام، أوضح المسالك، ج1، شرح محمد محي الدين عبد الجميد (الرياض: جامعة
الإمام محمد بن سعود الإسلامية ، 1974م) ص106-19. وانظر أيضا الأشموني ، شرحه على ألفية ابن مالك، ج1، تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد (القاهرة: مكتبة النهضة
المصرية، 1955م) ص171 ،170.
34- وانظر أيضا الخضري ، حاشية على ابن عقيل (القاهرة : دار إحياء الكتب العربية ، بدون تاريخ) ج1، ص162 ،161.
35- الصبان ، حاشيته على ابن عقيل (القاهرة : دار إحياء الكتب العربية ، بدون تاريخ) ص47. ويعنون بقولهم (من غرائب العربية ) وجوب استتار الضمير في الفعل عموا أو صموا.
36- د/ رمضان عبد التواب ، فصول في فقه العربية ، ص81.
37- د/ نهاد الموسى، في تاريخ العربية (عمان: الجامعة الأردنية ، 1976م) ص209.
38- يوهان فلك، العربية ، ص9.
39-د/ إبراهيم السامرائي، فقه اللغة المقارن (بيروت: دار العلم للملاييين، 1978م)
ص262.
40-د/ على عبد الواحد وافي ، نشأة اللغة عند الإنسان والطفل (القاهرة: مكتبة غريب،
1971م) ص 117، 118 .


رد مع اقتباس
 
 رقم المشاركة : ( 4 )
عبدالله بنعلي
عضو نشيط
رقم العضوية : 1630
تاريخ التسجيل : Apr 2014
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 5,895
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال :

عبدالله بنعلي غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 03-18-2015 - 11:48 AM ]


من موقع الألوكة الدكتور رشيد الزات
الموضوع: اللغة واللهجة والعلاقة بينهما
تمهيد:
تعتمد الأمم في تثبيت شخصيتها بين الأمم على ركائز مهمة في حياتها على تاريخها وعلى دينها وتقاليدها الخاصة وأعرافها الاجتماعية، وعلى لغاتها. ولعل اللغة أعظم ركيزة يقف على طرفها المجتمع، فبها يعرف نسبه وبها يكشف عن مدى تقدمه وتخلفه.
واللغة كالإنسان تأخذ وتعطي، وتنشأ وتعيش، وتتطور وتتسع، وتلد وتموت، وربما دخلت في صراعات واحتدامات فإن كانت قوية متماسكة، وإلا أثر فيها غيرها، أو حل محلها لتموت في الأخير، كما حصل للأكادية السامية، واللاتينية القديمة، والعبرية القديمة وغيرها. وفي ظل هذه الصراعات تنشأ أشكال أخرى، تعيش في أكناف اللغة الأم، وتتغذى بلبانها، وتأخذ في وصفها العام ملامح الأم لكنها تختلف في التفاصيل، وقد سميت هذه الأشكال حسب الاصطلاح الحديث باللهجة.
فما حدود كلا الجنسين ومتميزاته عن الآخر؟ وهل هناك فرق حقا؟ وكيف نشأ هذا الفرع عن ذاك الأصل؟ وما سبب نشوءه؟
بالرجوع إلى معاجم اللغة: نجد الخليل يعرف اللغة في العين بقوله: "اختلافُ الكلامِ في معنىً واحدٍ". وعند ابن الحاجب في مختصره "حدُّ اللغة كلُّ لفظٍ وُضعَ لمعنى". وتبقى هذه التعريفات قاصرة حسب المنظور الحديث الذي يعتبر تعريف ابن جني 392هـ تعريفا حديثا سابقا لزمانه، فيقول: "حدُّ اللغة أصواتٌ يعبّر بها كلُّ قومٍ عن أغراضهم". ونقل السيوطي 911هـ في المزهر تعريفه. ويزيد ابن خلدون 808هـ تعريف ابن جني تفصيلا أكثر فيقول: "اعلم أن اللغة في المتعارف هي عبارة المتكلم عن مقصوده، وتلك العبارة فعل لساني ناشئ عن القصد بإفادة الكلام، فلابد أن تصير ملكة متقررة في العضو الفاعل لها وهو اللسان وهو في كل أمة بحسب اصطلاحاتهم".
ومثل هذا التعريف لا نكاد نجده إلا عند الغربيين[1]. يقول يسبرسن: إن اللغة ينظر إليها عن طريق الفم والأذن لا عن طريق القلم والعين. وفي دائرة المعارف البريطانية تحت مادة لغة: أنها نظام من الرموز الصوتية. ويشبه هذا التعريف تعريف اللساني فردنالد دي سوسير حيث اعتبرها مجموعة من العلامات اللسانية المنظومة في نسق معين موضوعة للتفاهم والتواصل.
أما اللهجة: ففي العين للخليل: واللّهجة طَرَف اللّسان ويُقالُ: جَرْس الكلام، ويُقال فصيح اللَّهْجَة. واللَّهَجة وهي لغته التي جُبِلَ عليها فاعتادها ونشأ عليها.
قال الزبيدي إثر نقل هذا المعنى: "وبهذا ظهرَ أَنَ إِنكارَ شَيخنا علَى مَن فَسَّرها باللُّغة لا الجَارحة وجَعْله من الغرائب قُصورٌ ظاهرٌ كما لا يَخْفَى". يفهم من معنى اللهجة في المعاجم العربية أنها طريقة أداء اللغة أو النطق، أو جرس الكلام ونغمته. ويعرفها المُحْدَثون بأنها: الصفات أو الخصائص التي تتميز بها بيئة ما في طريقة أداء اللغة أو النطق. كما عند عبد الواحد الوافي وغيره.
فالعربية لغة الشعوب العربية كلهم، لكنهم في تطبيق هذه اللغة يختلف قطر عن قطر في أصوات الحروف وصفاتها من تفخيم وترقيق وإمالة وغير ذلك، فكيفية النطق عند المصريين تختلف عن كيفيته لدى المغاربة أو العراقيين وهكذا.
نستخلص: أن اللغة كانت لغة تواصل ناطقة تختلف من قوم إلى قوم. وأن اللهجة لم تكن معروفة عندهم بالمعنى الحادث، وإنما كانت تختص بجرس اللسان لكل أحد وكيفية استعماله للغة الأم، فيقال فلان فصيح اللهجة. ولم يكن معروفا عندهم درس اللهجات كما يتوفر على درسها المحدثون، ولم يستعملوا مصطلح اللهجة على النحو الذي نعرفه في الدرس اللغوي -يقول عبده الراجحي-، ومع ذلك فإن كتبهم تعرضت لما نسميه لهجات القبائل العربية كعنعنة تميم وكشكشة ربيعة ونحوها، ولم تكن تسميها لهجة؛ بل كانت تسميها لغة. كما نجد ذلك في العين كقول الخليل: الخَبْعُ : الخَبْءُ في لغة تمَيمٍ يجعَلُون بَدَلَ الهمزة عَيْناً. وعند ابن فارس في الصاحبي حيث عقد بابا للغات المذمومة. وعند السيوطي في المزهر.
وحتى ما ظهر من لغات تخالف اللغة الأم في الإعراب والحركات وبعض المفردات، فإنها لغة حسب الأقدمين لا لهجة. يقول ابن خلدون: "اعلم أن عرف التخاطب في الأمصار وبين الحضر، ليس بلغة مضر القديمة، ولا بلغة أهل الجيل؛ بل هي لغة أخرى قائمة بنفسها بعيدة عن لغة مضر وعن لغة هذا الجيل العربي الذي لعهدنا، وهي عن لغة مضر أبعد، فأما أنها لغة قائمة بنفسها فهو ظاهر يشهد له ما فيها من التغاير الذي يعد عند صناعة أهل النحو لحنا، وهي مع ذلك تختلف باختلاف الأمصار في اصطلاحاتهم فلغة أهل المشرق مباينة بعض الشيء للغة أهل المغرب، وكذا أهل الأندلس عنهما، وكل منهم متوصل بلغته إلى تأدية مقصوده والإبانة عما في نفسه، وهذا معنى اللسان واللغة، وفقدان الإعراب ليس بضائر لهم".
وبتأمل هذا النص يتبين أن التغير التاريخي التطوري الذي طرأ على اللغة الأم وهو ما هو معروف عندنا باللهجة العامية بدوره لغة عند القدماء.
ويمكن حصر اللهجة في الدرس اللغوي الحديث على إطلاقين، إطلاق على ما اختلفت فيه لغات القبائل العربية فيما بينها. على أنها وإن اختلفت فقد كان لها لسان مشترك يجمعها، وهو الذي وصلت به كتب التراث العربي، ونحن -يقول عبده الراجحي- لا نتصور أنهم كانوا يتحدثون في بيعهم وشرائهم وهزلهم باللغة ذاتها التي ينظمون بها شعرهم أو يضعون بها خطبهم.
وإطلاق على ما دخل اللسان العربي من العامية، وهو الذي يقصده د. رشيد العبيدي بقوله في سياق كلامه عن الصراع الذي عاشته اللغة العربية يقول: "أما على المستوى الشعبي في أقطار المتكلمين بها، فقد احتكت بأجناس وجماعات بشرية مختلفة، مارست الحديث اليومي بها، فأخذت وأعطت وتغيرت تغيرات مختلفة بحسب الظروف التي يتميز بها كل قطر، فكانت هناك لهجات شعبية تستخدم أداة للتفاهم اليومي في كل قطر".
على أن اللهجة عند المحدثين أنفسهم قد يقصد بها اللغة فهذا صلاح فضل في كتابه علم الأسلوب، يقسم اللهجة إلى عائلية وضيعة مبتذلة، وأخرى رفيعة، وبينهما متوسطة، ويؤكد أن الإنسان يمكنه استعمال عدة لهجات بطريقة لا شعورية في حياته اليومية. فالمنخفضة لهجة البيت والمقهى والشارع. والمتوسطة لهجة المهنة والمكتب والعلاقات الاجتماعية. والرفيعة لهجة المناسبات الخاصة والخطب والمواقف العامة.
والانخفاض في كلام د. صلاح لا يقصد به خفض الصوت، بل الانخفاض في جودة اللغة وسفولها نحو الابتذال. وبتعبير آخر فكلام البيت والشارع والمقهى لهجة، وكلام المناسبات الخاصة والخطب لغة وبينهما لغة المكتب والمهنة التي تتوسط بين هاتين.
سبب حدوث اللهجات وتفرعها عن اللغة الأم:
متى انتشرت اللغة في مناطق واسعة من الأرض تحت تأثير عامل أو أكثر، وتكلم بها جماعات كثيرة العدد وطوائف مختلفة من الناس، استحال عليها الاحتفاظ بوحدتها الأولى أمدا طويلا. فلا تلبث أن تتشعب إلى لهجات، وتسلك كل لهجة من هذه اللهجات في سبيل تطورها منهجا يختلف عن منهج غيرها. ولا تنفك مسافة الخلف تتسع بينها وبين أخواتها حتى تصبح لغة متميزة مستقلة غير مفهومة إلا لأهلها، لكنها تظل متفقة في وجوه أخرى، إذ يترك الأصل الأول في كل منها آثارا تنطق بما بينها من صلات قرابة ولحمة نسب لغوي.
والعامل الرئيس في تفرع اللغة إلى لهجات ولغات هو سعة انتشارها، غير أن هذا العامل لا يؤدي إلى ذلك بشكل مباشر، بل يتيح الفرصة لظهور عوامل أخرى تؤدي إلى هذه النتيجة، وباستقراء هذه العوامل في الماضي والحاضر يظهر أن أهمها يرجع إلى الطوائف التالية:
1-عوامل اجتماعية سياسية تتعلق باستقلال المناطق التي انتشرت فيها اللغة بعضها عن بعض، وضعف السلطان المركزي الذي كان يجمعها، ويوثق ما كان بينها من علاقات.. وغني عن البيان أن انفصال الوحدة السياسية يؤدي إلى انفصال الوحدة الفكرية واللغوية.
2-عوامل اجتماعية أدبية تتمثل فيما بين سكان المناطق المختلفة من فروق النظم الاجتماعية، والعرف والتقاليد والعادات، ومبلغ الثقافة ومناحي التفكير والوجدان، فمن الواضح أن الاختلاف في هذه الأمور يتردد صداه في أداة التعبير.
3-عوامل جغرافية تتمثل فيما بين سكان المناطق المختلفة، من فروق في الجو، وطبيعة البلاد وبيئتها وشكلها وموقعها، وما إلى ذلك. فلا يخفى أن هذه الفروق والفواصل الطبيعية تؤدي عاجلا أو آجلا إلى فروق وفواصل في اللغات.
4-عوامل شعبية تتمثل فيما بين سكان المناطق المختلفة من فروق في الأجناس والفصائل الإنسانية التي ينتمون إليها والأصول التي انحدروا منها، فمن الواضح أن لهذه الفروق آثارا بليغة في تفرع اللغة الواحدة إلى لهجات ولغات.
5-عوامل جسمية فيزيولوجية تتمثل فيما بين سكان المناطق المختلفة من فروق في التكوين الطبيعي لأعضاء النطق فمن المحال مع فرق كهذه أن تظل اللغة محتفظة بوحدتها الأولى أمدا طويلا.
فانقسام المتكلمين باللغة الواحدة تحت تأثير هذه العوامل إلى جماعات متميزة، واختلاف هذه الجماعات بعضها عن بعض في شؤونها السياسية والاجتماعية، وفي خواصها الشعبية والجسمية وفيما يحيط بها من ظروف طبيعية وجغرافية، كل ذلك وما إليه يوجه اللغة عند كل جماعة منها وجهة تختلف عن وجهتها عند غيرها، ويرسم لتطورها في النواحي الصوتية والدلالية وغيرها منهجا يختلف عن منهج أخواتها، فتتعدد مناهج التطور اللغوي حسب تعدد الجماعات، ولا تنفك مسافة الخلف تتسع بين اللهجات الناشئة عن هذا التعدد حتى تصبح كل لهجة منها لغة متميزة مستقلة غير مفهومة إلا لأهلها.[2]
الفرق بين اللغة واللهجة والعلاقة بينهما:
يبدأ الخلاف بين هذه اللهجات واللغة الأم من ثلاث نواحي:
الأولى المتعلقة بالصوت: فتختلف الأصوات حروفا وطريقة تبعا للغة السائدة أو الأصلية في البلد، وهنا يحضرنا ما قاله ابن خلدون من تأثر اللسان العربي عندما دخل إلى الأقاليم بلغة أهلها الأصلية، فتأثر اللسان المشرقي بالفارسية والتتارية، والمصري بالنبطية، والمغربي بالبربرية وهكذا.
وهو ما يسميه رمضان عبد التواب في 'التطور اللغوي' بالتغييرات التاريخية للأصوات، حيث يحدث تحول في النظام الصوتي للغة بحيث يصير الصوت اللغوي في جميع سياقاته صوتا آخر، كتطور الباء المهموسة (p) في اللغة السامية إلى فاء في اللغات السامية الجنوبية وهي العربية والحبشية، بينما بقيت على الأصل في اللغات السامية الشمالية. وكتطور الجيم إلى دال في بعض اللهجات العربية الحديثة أو كاف مجهورة، والقاف إلى كاف مجهورة وغير ذلك.
الثانية المتعلقة بالمفردات: ومن الطبيعي أن يكون أوسع الأبواب انفتاحا لدخول الغريب والجديد في اللغة، إذ يستطيع اللسان الشعبي أن يولد مفردات جديدة تناسب مهنه، وتتلون تلون مجتمعاته المختلفة، فالمجتمع النسائي له مفردات وألفاظ تخالفها مجتمعات الرجال، وللأطفال مفردات تخالفها وهكذا، ويختلف أصحاب المهن في توليد المصطلحات، هذا في مجتمع واحد فكيف بالانتقال إلى مجتمع آخر حسب ما احتك به من الشعوب[3].
على أن القواعد سواء ما يتعلق منها بالبنية أو التنظيم لم ينلها في المبدأ كثير من التغيير بين اللهجات العامية العربية كالجمع والتأنيث والوصف والنسب والتصغير وما إلى ذلك. حسب نظرة علي عبد الواحد وافي.
الثالثة المتعلقة بالدلالات: تتغير الدلالات تغيرا واضحا زمنيا ومكانيا، فاللفظ الواحد ينشأ في بيئة يعبر عن حقيقة وضعه لها، وتبقى هذه الحقيقة ملازمة له عبر زمان طويل من حياته، ولكن اللفظ ككل كائن حي يتأثر بالظروف والبيئات، فينموا ويتحول إلى صورة من التكيف الدلالي المناسب لكل ظرف فيبتعد عن حقيقته في بعض الأحيان.. ولقد حاولت كتب لحن العامة، والتصحيح اللغوي، وكتب التنبيهات على الأخطاء التعبيرية والدلالية أن تترصد هذه التغيرات في اللسان الشعبي، وتسجل لنا ظواهر كثيرة مما غيرته العامة فأخطأت في دلالته، وغيرته إلى ما يناسب ذوقها أو حياتها الخاصة والعامة، فمن ذلك ما شاع في استعمال المغاربة اليوم عند نزول المطر قولهم: (نزل اليوم شتاء كثير)، وليس هذا التغير الدلالي حديث عهد بالمغرب، بل هو امتداد لما يزيد على ألف عام من لهجات الناس في الأندلس والمغرب، قال الزبيدي: ويقولون نزل اليوم شتاء كثير، يعنون المطر، ويوم شات، قال محمد بن الحسن الزبيدي: "والشتاء فصل من فصول السنة، كالربيع والصيف وليس بواقع على المطر".. ومن الشائع في كلام العوام وهو أيضا من الخطأ الدلالي المتوارث قولهم: (فلان يستأهل ما حصل له)، فيستعملون استأهل في غير معناها، لأن دلالتها الحقيقية هي: اتخذ إهالة، وهي ما يؤتدم به من السمن أو الزيت، وقد أشار الأصمعي وابن قتيبة والمازني والأزهري إلى خطأ استأهل بمعنى استوجب واستحق ونبه الحريري في درة الغواص على ذلك فقال: ولم تسمع هاتان اللفظتان في كلام العرب، ولا صوبهما أحد من أعلام الأدب، ووجه الكلام أن يقال: فلان يستحق التكرمة، وهو أهل للمكرمة. نستنتج أن الألفاظ اللغوية متى غير عن دلالتها الحقيقية أصبحت بذلك لهجة.
ويمكن تلخيص الموضوع في النقاط التالية:
1-على ضوء علم [COLOR=**********]اللغة[/COLOR] لا فرق [COLOR=**********]بين[/COLOR] لغة و لهجة, فكل لهجة هي لغة قائمة بذاتها بنظامها الصوتي, وبصرفها, وبنحوها, وبتركيبها, و بمقدرتها على التعبير.. ومن المعروف أن العرب القدامى لم يستعملوا مصطلح "اللهجة" على النحو المعروف في الدرس اللغوي الحديث بل إنهم لم يستعملوه قط في كتبهم, وغاية ما وجد عندهم هو ما ترددهُ معاجمهم من أن "اللهجة" هي اللسان, أو طرفه, أو جرس الكلام, و لهجة فلان: لغتهُ التي جُبِلَ عليها, وكانوا يطلقون على اللهجة "لغة", أو "لُغية".
2-أن [COLOR=**********]اللغة[/COLOR] هي التي تغاير لغة أخرى بأصواتها و بمفرداتها, وبتراكيبها مغايرة لا يستطيع معها أن يتفاهم زيد وعمرو، أما إذا كانت الفروق في الأصوات, و المفردات, والتركيب من النوع الذي يمكن فيه التفاهم [COLOR=**********]بين[/COLOR] الجماعات, فإن هذه تُحسب لهجات, وهذا الرأي يجعل التفاهم مقياساً للفرق [COLOR=**********]بين[/COLOR] لهجة ولغة.
3- العلاقة [COLOR=**********]بين[/COLOR][COLOR=**********] ا[/COLOR][COLOR=**********]للغة[/COLOR] واللهجة هي العلاقة [COLOR=**********]بين[/COLOR] العام و الخاص, ف[COLOR=**********]اللغة[/COLOR] تشمل عادة على عدة لهجات, لكل منها ما يميزها, وجميع هذه اللهجات تشترك في مجموعةٍ من الصفات اللغوية, والعادات الكلامية التي تؤلف لغةً مستقلة عن غيرها من اللغات.
وفي الأخير يمكن أن نصل حسب رأيي إلى أن لغة التواصل اليومي التي تنعدم فيها القواعد ويغيب فيها الانضباط باللغة الأصلية إنما هي لهجة، ومتى ارتقت إلى الرسميات والمعاملات العامة فهي لغة، كما أن اللغة بهذا المفهوم تستطيع أن ترقى إلى سدة الإبداع لتنحى منحى الجمالية عند أصحابها، دون اللهجة اليومية التي تعتبر مباشرة آنية الاستعمال لا مجال الإبداع فيها. ومما يؤكد ذلك ما يلاحظ في كل الدول العربية من توحدها على لغة واحدة في خطاباتهم الرسمية وإعلاناتهم وإذاعاتهم، يمكن أن يفهمها العراقي في بلده كما يفهمها المغربي وغيرهما، دون اللهجة اليومية التي تختلف حسب اختلاف البلدان.

[1] عبده الراجحي فقه اللغة في الكتب العربية.

[2] علم اللغة: علي عبد الواحد وافي.

[3] د. رشيد العبيدي. مجلة كلية الآداب والعلوم الإنسانية مراكش. عدد مزدوج: 16-17.


رد مع اقتباس
إضافة رد

الكلمات الدليلية
اللهجات واللغات

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على الموضوعات
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 10:14 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2019, vBulletin Solutions, Inc. Trans by