( أعمال المجمع ) أعمال المجمع : 1 ـ دراسة الألفاظ والأساليب والمصطلحات الجديدة في العلوم والآداب والفنون التي لم تدرسها المجامع من قبل . 2 ـ دراسة لهجات القبائل في الجزيرة العربية وما حولها تصحيحا وتأصيلا . 3 ـ إصدار مجلة علمية محكمة ورقية وإلكترونية دورية . 4 ـ دراسة ما يقدّمه المتصفحون من أسئلة ومقترحات. 5 ـ التواصل مع الدارسين وطلبة العلم بواسطة الهاتف (الخط الساخن) كل يوم . 6 ـ تقديم الرأي والمشورة في الصياغة اللغوية لجهات معينة (الجهات الرسمية، القضاء، المحاماة، العقود) . *** للتواصل مع المجمع عبر بريده الشبكي / m-a-arabia@hotmail.com /*** |

مجمع اللغة العربية بمكة يعلن عن إطلاق عضوياته الجديدة
لطلب العضوية:
اضغط هنا

 


الانتقال للخلف   منتدى مجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية > ركن المجمعيين ( أعضاء المجمع ) > مقالات أعضاء المجمع

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
رقم المشاركة : ( 1 )
الصورة الرمزية إدارة المجمع
 
إدارة المجمع
مشرف عام

إدارة المجمع غير موجود حالياً

       
رقم العضوية : 21
تاريخ التسجيل : Feb 2012
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 2,873
عدد النقاط : 10
قوة التقييم :
جهات الاتصال :
Post ظاهرة النحاة المغفلين - أ.د. رياض الخوام

كُتب : [ 06-21-2020 - 12:59 PM ]




ظاهرة النحاة المغفلين
بقلم: أ.د/رياض الخوام
جامعة أم القرى

لا تعجبنَّ عزيزي القارئ حين ترى من بعض إخوانك وأحبابك غفلة ظهرت في بعض المواقف الاجتماعية، أو في فترات من حياتهم العلمية مع نجاحهم في حياتهم العامة وشؤونهم الخاصة، فذا أمر هين ففي تاريخنا الثقافي علماء كثيرون، وصفهم أصحاب التراجم بالغفلة، في حين أنهم مبرِّزون في فنونهم وعلومهم، ومن هؤلاء نحاة مشهورون، يُعدّون من النحويين المتألقين، ولا يخفى أن النحو من أدق العلوم وهو بحاجة إلى قدرة عقلية عالية لكي يحاط به، فكيف نفسر غفلتهم مع بروزهم النحوي؟ يبدو - والله أعلم - أن أصحاب التراجم قد تكلفوا القول حين وصفوا بعضهم بالغفلة، وساقوا للدلالة على ذلك حادثة واحدة أو حادثتين تدلان على غفلة كما زعموا، وذا يعني أنهم لم يكونوا غفَلة بالطبع والجبلّة، إذ يمكن أن يُحمل ذلك على السهو العارض أو النسيان الطارئ الذي لا يمكن دفعُه، فهي حوادث قليلة أمام ما قدموه في علومهم التي تخصصوا بها، ومَنْ من البشر لا يسهو ولا ينسى؟ والظاهر أن الغفلة "على نوعين: غفلة هي طبع وجبلّة، وأحسب أن صاحب هذا النوع لا يستطيع البروز في أي علم، والنوع الثاني من الغفلة هو عرَضٌ عرَضَ للعالم، فيُفسَّرُ بالنسيان والسهو، ولعل قول بعض أهل اللغة: إن المُغفَّلَ هو الذي لا فطنة له (1)، ينطبق على من كانت الغفلة عنده خِلقة أما من يغفل من العلماء فيُحمل على السهو والنسيان إذ يستبعد أن يجتمع العلم والغفلة الظاهرة الدالة على خفة العقل وبلادة الذهن، وهذا النوع هو الذي يمكن أن نفسر به غفلة النحاة بل العلماء قاطبة، فمن اللغويين النحويين المغفلين ابن بري المتوفى سنة 582هـ قال عنه السيوطي: كان مع علمه وغزارة فهمه ذا غفلة، يُحكى عنه حكايات عجيبة، منها أنه جعل في كُمه عنباً، فجعل يعبث به ويحدّثُ شخصاً معه حتى نقّط على رجليه، فقال لرفيقه: تُحسُّ المطرَ؟ قال: لا، قال: فما هذا الذي ينقّط عليَّ؟ فقال له: من العنب، فخجل ومضى (2) وقول السيوطي: حكايات عجيبة تفيد كثرة حوادث الغفلة عنده، أي هي طبع فيه، لكن الذي أحسبه أنه ربما كان يتكلَّفُ ذلك، لأمرٍ ما، ربما حباً في إشاعة الفكاهة، وربما كان حين حصولها منه في مزاج خاص جعله ميالاً إلى اصطناع هذه الغفلة ترويحاً عن مزاج ثقيل اعتراه نتيجة ظرف اجتماعي عرض له، وما أكثر الهموم والغموم؟ أزعم ذلك لأن قوله "فخجل ومضى" يدل على حسرة وأسف وتأثر من حاله الذي هو فيه. وربما أفاق من ذهوله الذي كان قد عرض له.
أما الشّلَوبين المتوفى سنة 645هـ، الذي لُقِّبَ بالأستاذ لعلومه ومعارفه المتنوعة، فذكر السيوطي أيضاً أنه صاحب غفلة، قعد يوماً إلى جانب نهر، وبيده كُرّاسة يطالع فيها، فوقع كرّاس في الماء فغرفه بآخر، فتلفا (3)، فالواقعة تحتمل احتمالات كثيرة، فربما كان الكراس الآخر لا قيمة علمية له، فلا يضر ذهابه ومحوه، وربما كان الكتاب مجلداً فحاول بجلدته رد الكتاب فلم يتمكن من رده لابتلال الكتاب كله بالماء، أما كيسان بن المعرّف النحوي أبو سليمان الهجيمي، فقلَّ أن تجد كتاباً ترجم له من غير أن يشير إلى غفلته التي لا تكاد تصدقها، قال أبو الطيب: وكان ممن أخذ عن أبي عبيدة كيسان، وكان مغفلاً، فحدثنا جعفر بن محمد قال: أخبرنا محمد بن محبوب الزعفراني قال: سمعت كردين يقول: سمعت أبا عبيدة يقول: نُسخَ العلم على لسان كيسان، لأنه يسمع مني غير ما أقول، ويقول غير ما يسمع، ويكتب في ألواحه غير ما يقول، ويقرأ غير ما في الألواح، وقد أخذ كيسان عن الخليل أيضاً، وقال الأصمعي: كيسان ثقة ليس بمتزيد (4) وفي البغية عن أبي عبيدة: كان يخرج معنا إلى الأعراب، فينشدوننا فيكتب في ألواحه غير ما ينشدوننا، وينقل منها إلى الدفاتر غير ما فيها، ثم يحفظ من الدفاتر غير ما فيها، ثم يُحدِّث غير ما حفظ" واجتمع في هذا الرجل حبُّ المزاح مع تلك الغفلة، قال السيوطي عنه: كان مزّاحاً، قرأ عليه صبي، فمر ببيت فيه "العيس"، فقال: هو الإبل البيض التي يخلط بياضها حمرة، فقال: ما الإبل؟ قال: الجِمال، قال: وما الجمال؟ فقام على أربع، ورغا في المسجد، وقال: الذي تراه طويل الرقبة، ويقول: بوع (5)، ولا أرغب في التشكيك بهذه الحكايات، لكن يبدو أن التكلف ظاهر فيها؟ إذ كيف يسمع ما لا يُقال؟ وكيف يكتب غير ما يسمع؟ وكيف يحفظ غير ما هو مكتوب...إلخ ما ذكروه؟! وكيف يتفق هذا كله مع قول الأصمعي فيه – والأصمعي ثقة –: إنه ثقة ليس بمتزيد "أحسب ولعل حسباني يرتقي إلى اليقين أن هذه الروايات متكلفة أو لم تُفهم حقيقة هذا الرجل، لقد نقل محقق المراتب عن الزبيدي في طبقاته أنه ذكره في الطبقة الرابعة، وأضاف: أنه ورد في حاشية الأصل وحكى الخشني عن أبي عثمان المازني، قال: أنشد الأصمعي في مجلسه قول عنترة:
وآخر ُمنهم أَجررت ُرمحي *** وفي البجلي ّمعبلة وقيعُ
فقال كيسان: صحَّفتَ، قال: فكيف تقول يا أبا سليمان؟ فقال: البجْلي بسكون الجيم، وهم بنو بجيلة، حي من سُليم، فأخذها عنه الأصمعي(6) ، فرجل له هذا الحضور العلمي، ويملك تلك الدقة، هو حقيقة على هذا الوصف الذي ذكروه في ترجمته، لا يمكن أن يكون من المغفلين خِلقةً، فلعل ما فعله كان تمثيلاً لأنه من الرجال الذين يحبون المزاح فالغالب كما نرى في حياتنا المعاصرة أن أكثر الرجال الذين يملكون مهارات المزاح والضحك والنكت هم يمتلكون مهارات أخرى تبدو في تقديمهم للطرفة أو القصة التي يرغبون في إشاعة السرور في الحضور، منها أنهم يقومون – لا شعورياً – بدور تمثيلي فيه الكثير من تقليد صاحب القصة التي يرويها القاص المحب لإشاعة الفكاهة في الحاضرين، فلعل كيسان من هذا النوع يؤكد ذلك أنه لجأ إلى التمثيل في قصة الجمال، فمشى على أربع وقلد صوتها، لذا أحسب أن الرجل ذكي جداً، وجد في التمثيل وسيلة ليفيد الصبي الصغير - ثم لا ننسى أخيراً أن الرجل أخذ عن الخليل أيضاً، فهل يُتصور أنه كان عند الخليل على الحالة التي وصفه بها أبو عبيدة؟ لا شك كان الخليل سينصحه كما نصح الأصمعي من قبله، حين رأى أنْ لا استعداد عنده لتعلم العروض، فقال للأصمعي البيت المشهور:
إذا لم تستطع شيئاً فدعه....
وعلى كل حال إذا قبلنا هذه الروايات من غير تشكيك فيها، فربما كان الرجل تعتريه أحوال خاصة تجعله في بعض الأحايين على نحو ما وصفوه، حدث أبو حاتم قال: قال أبو زيد يوماً في مجلسه: وكانت العرب تقول: ليس لحاقن رأي، فقال كيسان: ولا لمنعظ، فقال أبو زيد: ما سمعناه ولكن اكتبوه فإنه حق (8) ولو تتبعنا قصصه مع اللغويين لأدركنا أنه ماهر يقظ حافظ ولعل كثرة مزاحه وحبه للفكاهة جعله يتكلف هذه الغفلة والبلاهة.
- ومن الذين يُتندَّرُ بأحوالهم ما ذكروه عن أبي الفهد البصري، قالوا: قرأ كتاب سيبويه على الزجاج مرتين، فقال له الزجاج: يا أبا الفهد: أنت في الدّفعة الأولى أحسنُ منك حالاً في الثانية ،وأرى العذر له واضحاً، فربما كان الرجل في القراءة الثانية يعاني من طوارق الحدثان، وهموم الليل والنهار فأثر ذلك كله على حدة ذهنه وصفاء عقله ، وفي حياتنا الحاضرة الكثير من الأمثلة التي تشبه من وجه حالة أبي الفهد البصري، فكثير من الطلاب تراهم في المرة الأولى، يحصّلون في الثانوية درجات النجاح، ولرغبتهم في دخول كلية الطب يعدون الامتحان في السنة الثانية فيفاجأون بنيلهم درجات أقل من درجاتهم الأولى – ولله في خلقه شؤون وحكم - أخيراً: إن ظاهرة الغفلة عند العلماء ولا سيما أهل اللغة والنحاة تتعدد أسبابها، وتختلف الآراء في تفسيرها، وما ذكرناه قد يكون فيه مقنع لمن أراد أن يقنع، والمهم أنهم – رحمهم الله تعالى - ذُكروا في كتب التراجم، وحكوا عنهم حكايات، وأثبتوا لهم آراء لغوية، كما أن بعضهم – كالشلوبين - وصل إلى درجة "الأستاذ" التي تطلق في الأندلس على من يجمع بين النحو والأدب، فهل يُقال عن مثله بأنه صاحب غفلة! أعتقد أنه من الصعب إطلاق هذا الحكم عليهم فهم ليسوا مغفلين بالطبع والخلقة والجبِلةّ بل هي أعراض عرضت وأحوال لهم خطرت، فأثّرت فيهم، وبدت آثارها في بعض المواقف في حياتهم، والمفيد أنهم ليسوا من البليدين الذين لا يمكن أن ينبُغوا في العلم، لقد فرق السكاكي بين البليد والذكي حين علل لقصر كتابه مفتاح العلوم فقال: ولنقتصر على هذا القدر في التنبيه به - أي بكتابه مفتاح العلوم- على ما حاولنا، فإنه كاف في حق من أُوتي حظاً من الجلادة، فأما البليد فوحقك لا يجدي عليه التطويل، وإن تُليت عليه التوراة والإنجيل (9).
ونخلص من ذلك كله إلى استبعاد الغفلة عنهم إذا كان معناها الغباء المطلق وعدم الفطنة، وقبول الغفلة منهم إذا أريد بها ضربٌ من السهو يعرض للإنسان من هموم الحَدَثان، أو كانت وسيلة ذكية تمثَّلها بعضهم، لأنه خُلق مزَّاحاً مِضحاكاً.

_____________________________
1 - انظر اللسان والقاموس المحيط والمصباح المنير، غفل
2 - البغية 2/31وانظر خزانة الأدب، للبغدادي،6 /76
3 - البغية 2/216والعقد الثمين 57
4 - مراتب النحويين 138
5 - البغية 2/258
6 - المراتب 138(الحاشية)
7 - معجم الأدباء 5/2248
8- البغية 2/241
9- مفتاح العلوم 14


رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على الموضوعات
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 01:18 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2021, vBulletin Solutions, Inc. Trans by