( جمال لغة دعاء العفو )...(اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني)
د. أحمد محمود درويش
د. أحمد محمود درويش
...تتهادى الليالي الجميلة المباركة في حياتنا كنسمات رقيقات تزيل ما قاسته سفينة الحياة من زعازع الحوادث ؛ حتى تتقدم آمنة مطمئنة إلى بر السعادة ... فالنفس تسيل لوعة وأسى من كثرة ذنوبها ومعاصيها ، لكن الدعاء الحاني الذي علمنا رسولُ الله يقف كالطود الشامخ قائلا : ( هناك عفو يحب العفو ) ...
فكيف تجعلك اللغة شاعرا بجمال الدعاء وعمقه ؟
اللغة من تلك الأدوات التي تجعل طريقك معبدة إلى حب الله ... لنتأمل ...
* براعة استهلال بنداء (اللهم ) : نداء لرب استوى على عرشه ، نداء بشعرك بحاجتك الدائمة إلى العون والمؤازرة ؛ فقد ملأ ربُّنا قلوبنا حبا ورغبة ... وهو ينادي على عباده أيضا ( هل من مستغفر فأغفر لك ، هل من تائب فأتوب عليه ) ... إنه الحب ...
* ثم تبدو فطنة الداعين بتقديم ما يستجاب به الدعاء
(إنك عفو )
فالداعي ينبغي له أن يستخدم أقوى الألفاظ وأمضاها
* (عفو ) هي صيغة مبالغة / صفة مشبهة بوزن (فعول ) أي: يا من اتخذت العفو ديدنا وعادة ... ليس عفوك مرة إنما هو مرة بعد مرة ، وهكذا تشرق حياتنا إشراق الفجر المنير في صفحة الأفق مبشرة بيوم صحو جميل ...
* ولا نجحد هنا قيمة ( إن ) التي تشي بأن المؤمن لا يخالجه شك في العفو فهي أداة توكيد ، ولا يكون الضمير ذا دور هامشي في إبداع الدعاء ، فالمسلم دوما يأنس بخطاب ربه ، هذا الخطاب وسيلته توجيه الدعاء بكاف الخطاب ...
* ثم تأتي الجملة الفعلية (تحب العفو ) المُصَدَّرة بالفعل المضارع ، ذلك الدال على قبول التوب من عباده مهما أذنبوا ، فهم يذنبون وهو يعفو ، فعل مضارع يحمل في أحشائه قيمة حب الله لعباده ، ومن أحب شيئا كرره ، والأمر إذا تكرر تقرر ... فهم المذنبون دوما وهو العفو حتما ...
* ثم لنتأمل مادة الخبر ( عفو) اختيار المادة هنا عبقري... فالعفو إزالة ... والمؤمن دوما يسأل ربه الفردوس الأعلى ... همة عالية... إنه يطلب محو كل لمم وإثم بل وفاحشة ... وهو عليه هين ... مائدة العفو تسمح بإزالة كل منحدرات الذنوب والمعاصي فهو أهل لذاك ...
* وتتعانق رواية أخرى في تثبيت قيمة العفو ؛ ففي رواية أخرى (عفو كريم ) والكريم معطاء ... عطاؤه ﻻ ينفد ... يا له من تجمع : شهر كريم ، رب كريم ، دعاء كريم ، قرآن كريم عطاء المستطيل لا محدود ...
أحمدك اللهم ، فقد وجد العبد الضعيف المغترب النائي يدا حانية تزيل الألم ، وتبشر بمستقبل يعود فيه المرء إلى نقائه وصفائه بعفو وكرم من العفو الكريم ...
* ويتعاقب الذكاء الفطري من المؤمن ؛ فربه يقول له : ( ادعوني أستجب لكم ) ؛ فيستمتع بالاتصال الروحي بينه وبين ربه بفعل الدعاء ( اعف عني ) ، فأنت عفو ، فاجعلني أهلا لهذا العفو ...
ولنفطن إلى دﻻلة (عن )هنا فالنحويون قالوا إنها دالة على المجاوزة ... فهل معنى ذلك أن يتجاوزنا العفو إلى غيرنا ؟ أجاب النحاة مفسرين ماهية الحرف (عن) ... اعف عنا : أي جاوزتنا المؤاخذة بسبب العفو والمحو وابتعدت عنا ... فما فينا من يشكو هما أو ضيقا أو كربا ، كيف وقد تحقق العفو من كريم ... لعلنا بهذا الدعاء نتحسس مواطن الأيام والليالي ، فنقترب اقتراب المحب الذليل إلى العفو الكريم ...
اعف اللهم عنا ... فقد جئناك منكسرين تطوقنا ذنوبنا وخطايانا وأنت أهل للعفو والصفح ... اللهم صل وسلم على سيدنا النبي محمد ... الذي علمنا ذلك الدعاء الجميل الأوفى
الفقير إلى عفو ربه
المصدر

تعليق