الفَرق بين الاستعارة والمجاز والكنايَة.. وبين الرمز
د. عبد الرحمن بودرع
لا بد من الفَرق بين الاستعارة والمجاز والكنايَة، وبين الرمز، فالقرآن لم يلجأ إلى الرمز لأن الرمزَ اضطرَّ إليْه الأدباءُ في عصور الظلم والاستبداد، وهو مطيةُ العاجزينَ، أما فروع البيان الأخرى فهي أصيلَة في اللغة العربية، واللغات البشريةُ تلجأ إليْها أيضاً، و"لايْكوف" جعَلَها أصلا من أصول التفكير اللغوي، أما ثنائية الحقيقة والمجاز فقد افتَعَلها النقاد العَرَب قديما عندما زَعَموا أن كل عبارة بليغة لا بد من الفصل فيها بين الحقيقة وبين المَجاز، وهو زَعم زَعَموه واصطنعوا المَعانيَ الأُوَلَ والمَعانيَ الثوانيَ ونظروا إلى الثواني من خلال افتراض وجود الأُوَل بل افترضوا أن المتكلمَ البليغَ يَعْبُرُ إلى التعبير البليغ فوق جسر التعبير الحقيقي، فلا يُفهَمُ التصويرُ إلا بمرجعيةِ الحقيقة، فافترضوا التلازُم بينهما، أمّا الدلالَة التصورية الحديثَة فقَد نَفَت الازدواجيةَ، ورَجَعَت كل تَعبير إلى أطر ذهنية محددة عند المتكلمين. لو أتينا إلى قوله تعالى في سورة النحل: « ولا تَكونوا كالتي نَقَضَت غَزلَها من بعد قوة أنكاثاً...» لوَجَدْنا التشبيه، عند إرادَة النهي عَن نَقضِ العُهود المُبرَمَة، وأمّا قوله تعالى: « هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آَيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا » ففيه تَعبيرٌ بتنزيل الرزق مباشرةً من السماء، وهو المُسبَّبُ مع إخفاء ذكرِ السَبَب الذي هو الماءِ؛ لأن الذي يَنزِلُ إنما هو الماءُ الذي بسببه يأتي الرزقُ، بينما عبَّر في آيات كثيرةٍ بتزيل الماء منها سورة البَقَرَة: «وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ » فجَعَلَ الذي يَنزلُ من السماء الماءُ أي السبب. وعبَّر عن قَضاء الحاجَة بأكل الطعام: «وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ» فتلك كنايةٌ بليغةٌ... وأمثال هذا لا يَكادُ يُحصى في القرآن الكَريم وفي صحيح الحَديث وفي فَصيح الشعر العَربي وخُطَب العَرَب ومَقاماتهم.
د. عبد الرحمن بودرع
لا بد من الفَرق بين الاستعارة والمجاز والكنايَة، وبين الرمز، فالقرآن لم يلجأ إلى الرمز لأن الرمزَ اضطرَّ إليْه الأدباءُ في عصور الظلم والاستبداد، وهو مطيةُ العاجزينَ، أما فروع البيان الأخرى فهي أصيلَة في اللغة العربية، واللغات البشريةُ تلجأ إليْها أيضاً، و"لايْكوف" جعَلَها أصلا من أصول التفكير اللغوي، أما ثنائية الحقيقة والمجاز فقد افتَعَلها النقاد العَرَب قديما عندما زَعَموا أن كل عبارة بليغة لا بد من الفصل فيها بين الحقيقة وبين المَجاز، وهو زَعم زَعَموه واصطنعوا المَعانيَ الأُوَلَ والمَعانيَ الثوانيَ ونظروا إلى الثواني من خلال افتراض وجود الأُوَل بل افترضوا أن المتكلمَ البليغَ يَعْبُرُ إلى التعبير البليغ فوق جسر التعبير الحقيقي، فلا يُفهَمُ التصويرُ إلا بمرجعيةِ الحقيقة، فافترضوا التلازُم بينهما، أمّا الدلالَة التصورية الحديثَة فقَد نَفَت الازدواجيةَ، ورَجَعَت كل تَعبير إلى أطر ذهنية محددة عند المتكلمين. لو أتينا إلى قوله تعالى في سورة النحل: « ولا تَكونوا كالتي نَقَضَت غَزلَها من بعد قوة أنكاثاً...» لوَجَدْنا التشبيه، عند إرادَة النهي عَن نَقضِ العُهود المُبرَمَة، وأمّا قوله تعالى: « هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آَيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا » ففيه تَعبيرٌ بتنزيل الرزق مباشرةً من السماء، وهو المُسبَّبُ مع إخفاء ذكرِ السَبَب الذي هو الماءِ؛ لأن الذي يَنزِلُ إنما هو الماءُ الذي بسببه يأتي الرزقُ، بينما عبَّر في آيات كثيرةٍ بتزيل الماء منها سورة البَقَرَة: «وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ » فجَعَلَ الذي يَنزلُ من السماء الماءُ أي السبب. وعبَّر عن قَضاء الحاجَة بأكل الطعام: «وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ» فتلك كنايةٌ بليغةٌ... وأمثال هذا لا يَكادُ يُحصى في القرآن الكَريم وفي صحيح الحَديث وفي فَصيح الشعر العَربي وخُطَب العَرَب ومَقاماتهم.
المصدر

تعليق