الإذاعة
الإذاعة
الخويطر

#شيء من اللغة: نتعرض لها.. ونعرضها

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • مصطفى شعبان
    عضو نشيط
    • Feb 2016
    • 12782

    #1

    #شيء من اللغة: نتعرض لها.. ونعرضها

    #شيء من اللغة: نتعرض لها.. ونعرضها
    د. هادي حسن حمودي





    أرسل لي السيد أبو هاجر الكليبي رسالة تقول:
    السلام عليكم… في بعض الدروس يقول المحاضر بعد ذكر مسألة مجملة: لعلنا سنتعرض لها في الدروس القادمة. لماذا يقال نتعرض لها بدل نعرضها؟ كأن معنى التعرض أن تأتي المسألة بنفسها ثم هو من يعرض لها، ولكن يريد معنى أنه هو من سيعرض المسألة للطلاب.
    ***
    تعيدنا هذه الملاحظة إلى الفرق بين التعبيرين: نعرضها، ونتعرض لها، وثمة أسلوب ثالث: نعرض لها، وأساليب متعددة أخرى. فأيّة فروق بينها؟ وهل فيها الصواب وفيها الخطأ؟
    للجواب نبدأ من الجذر اللغوي ودلالاته، لنصل إلى جواب:
    الجذر اللغوي (ع. ر. ض) من الجذور الكثيرة الفروع، والاشتقاقات، والدلالات، ولكن أصلها كلها يعود إلى العُرض الذي هو مقابل للطول، ومنه تقول: شيء عريضٌ. وشيء طويل.
    ومنه أن تقول لتاجر: اعرضْ عليّ بضاعتك، تطلب منه أن يُريكها، أو يريك إياها. وإنما تختار: اعرضْ، لأن العين ترى الشيء المعروض، أما المطوّل فقد يصل إلى ارتفاع لا تراه العين.
    وعُرض الشيء، بضم العين: وسطه. كعُرض الحائط والطريق وما أشبه ذلك.
    والعَرَضُ من أحداث الدهر، كالمرض ونحوه. وكذلك الطمع قليلا كان أو كثيرا، فكأنك ترى ما لدى الآخرين وكأنه يريك عُرضَه، أي سعته، فتغترّ به، ولذلك قال الشاعر:
    مَن كان يرجو بقاءً لا نَفادَ لهُ
    فلا يكن عَرَضُ الدنيا له شَجَنا
    وفي التنزيل العزيز (وإنْ يأتهم عَرَضٌ مثلُهُ يأخذوه).
    والعِرض، بكسر العين: النّفْس. وأجزاء البدن: أعراضه. ونحن الآن في أيام ذكرى المولد النبوي الشريف، فلا بأس في أن نستذكر قول حسان بن ثابت في مديحه النبوي يخاطب أحد مشركي قريش الغليظي الأكباد:
    هجَوتَ محمّدا فأجبتُ عنه
    وعند الله في ذاك الجزاءُ
    فإنّ أبي ووالدتي وعِرْضي
    لِعِرْضِ محمّدٍ منكم وِقاءُ
    ومن هذا انتقل إلى معاني الشرف، فيقال: هو نقيّ العِرْض، أي بعيد من أن يُشتَمَ أو يُعاب.
    وعرَض لي جبل من بعيد، أي ظهر. وكذلك عرضت سحابة في السماء، إذا كانت كبيرة ضخمة، عريضة.
    وبتطور الحياة وتطور الأساليب ظهر قولهم: عرضت لي فكرة، وعرض علي فلانٌ رأيه أو كتابه. كما عرض ذلك التاجر بضاعته، مع فرق بيّن: أن البضاعة أو الكتاب مما تراه الباصرة، وأن الفكرة مما تراه البصيرة. ومن دمج المعنيين معا فيما نراه قوله، تعالى: (وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ) وقوله: (سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاء وَالارْضِِ) على الرغم من أن المفسرين استقروا على البُعد المادي، الطول والعُرض، حين قرروا أن المعنى أنها واسعة، قالوا: فإذا كان هذا عُرضها فما بالك بطولها؟ والطول في المستطيلات ضعف العرض.
    وثمة من ذهب إلى أنها مربعة، إلى آخر ما قالوه من غير التفات إلى أن عَرض، بفتح العين، تختلف عن عُرض، بضمها. تقول: عُرض هذه اللوحة متر واحد، وتمّ عَرضها في المتحف. وكان عَرْضُها فيه عَرْضا أنيقا. فالعُرض بالضم هو البعد المادي القياسي فحسب، أما العَرض، بفتح العين، فيضمّ العُرضَ إلى مضمون الشيء المعروض وما فيه. ولا أظن أن الآيتين الكريمتين أريد بهما السعة المادية فحسب، بل، وأيضا، ما في السموات والأرض من عجائب يعيا عن إدراكها البشر ويعجزون عن تصورها، تماما كما يعجزون عن تصور ما في الجنة. إضافة إلى أمور أخرى. أما القول بأنهما لهجتان بمعنى واحد فلا أستطيع الاقتناع به.
    وبهذا الدمج ظهرت الأساليب المذكورة في أول المقال، وأما الفروق بينها فتتمثل في:
    سنعرضها، بمعنى أنه سيضعها أمامكم مكشوفة كما يعرض التاجر بضاعته.
    سنتعرض لها، بمعنى: أنه سيتدخل فيها بالمناقشة والتحليل، ومن التعرّض للشيء تقول: تعرّض فلان لحادث طريق، أو تعرض لحمّى قاسية، فتلك وهذه تعنيان أنه تفاعل معهما بعد أن أصابتاه. وفي مفروض السؤال أعلاه: أن المسألة التي يريد المعلم بحثها، قد صادمته وصدمها، فما له إلا أن يقول: إنه سيتعرض لها، فتصدمه أو تتلبّسه، فيتفاعل معها تحليلا ومناقشة. أما إذا اعتبر (نتعرض لها) بمعنى (نعرضها) فقد أخطأ وجه الصواب.
    فإن كان المتكلم يعتقد أن التحليل والمناقشة سيؤديان إلى رفض المسألة موضوع الدراسة، فسيقول لكم: وسنعترض عليها. وهي من (عرض) أيضا.
    والجذر واسع واستعمالاته كثيرة ربما لولع العرب بالمعارضة، خاصة في زمن العثرات الحالي.
    ونكتفي بهذا.

    المصدر
يعمل...