منشأ اللغة العربية في كتاب (ينابيع اللغة الأولى) للناقد سعيد الغانمي

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • شمس
    مشرفة
    • Dec 2014
    • 9082

    #1

    منشأ اللغة العربية في كتاب (ينابيع اللغة الأولى) للناقد سعيد الغانمي

    منشأ اللغة العربية في كتاب (ينابيع اللغة الأولى) للناقد سعيد الغانمي













    د. نادية هناوي - العراق






    للناقدِ سعيد الغانميّ نتاجٌ بحثيٌّ غيرُ قليلٍ، يجمع بين النقد والترجمة والأدب. ويعدُّ كتابه (ينابيع اللغة الأولى مقدمة إلى الأدب العربي منذ أقدم عصوره حتى حقبة الحيرة التأسيسية) متميزًا بخطه البحثيّ الذي جمعَ اللغةَ بالتاريخِ، محاولًا الوقوفَ على قاعدةٍ معرفيةٍ بإزاء منابع اللغة العربية وعصور الأدب العربي في مراحله المجهولة التي تتصل بما قبل الجاهلية.

    ويقوم منهج تأليف الكتاب ـ بصفحاته الأربع مئة ـ على منزع اركيولوجي أساسه الحفر والتنقيب في مختلف المصنفات القديمة والحديثة المهتمة باللغة العربية وأصلها وانحدارها وما يتطلبه ذلك من قدرة موسوعية تلاحق مختلف فروع المعرفة كالتاريخ والحضارة والفلسفة والانثربولوجيا والدين واللغة والنقد وغيرها.

    وهنا يظهر التحدي البحثي الذي من سماته التعددية القرائية بسبب المنهجية العلمية المتبعة وطبيعة التعاطي النوعي تنظيريا والتعامل العملي إجرائيا وتطبيقيا جامعا بين الإبداعية والموضوعية هادفا إلى إعادة إنتاج ما أتم إنتاجه من رؤى معرفية بخصوص اللغة العربية ونشأتها ونظريات تطورها وتصورات تاريخها أدبيا ونقديا.

    وإذا كان عنوان الكتاب(ينابيع اللغة الأولى) دالا على اللغة في عمومها إلا إن القصدية البحثية انصبت على اللغة العربية تحديدا في تتبع نشوئها ومسارب تطورها التاريخي من خلال التركيز على طبيعة الادب المنتج في تلك الحقب سواء في النقوش والكتابات الواصلة إلينا أو المدونات الشفاهية القديمة السومرية والأشورية. وقد تتبع الكتاب دورات اللغات الأدبية متبنيا منهج الدحض والنقض مبددا مسلمة أن اللغة العربية حافظت على مزاياها عبر العصور مفترضا» أن العربية الفصحى هي آخر لهجة عربية معروفة وليست أقدم اللهجات على الإطلاق» ص15

    ولكي يدعم هذا الطرح انتهج الناقد الغانمي الحفر الاركيولوجي في تاريخية الأقوام التي سكنت جزيرة العرب بادئا بالسلالات الجنوبية ثم السلالات الشمالية موجها جهوده وجهتين اكاديمتين إحداهما تهتم بالجانب اللغوي الشفاهي والأخرى تهتم بالجانب الكتابي للنقوش المكتشفة.
    وإذا كان التاريخ ميدان بحثه، إلا إنه لم يكن مجاريا لطروحات التاريخيين كما لم يكن مطمئنا لأغلبها متمنهجا بالرؤى الثقافية التي تحفر في كل ما هو ثابت أو سكوني.

    فاجترح ما سماه الحقبة التأسيسية كمحصلة تاريخية لتأسيس الثقافة الجديدة التي كانت العصبية في بعديها الداخلي والخارجي أساس تشكيلها وفضّل استعمال مصطلح( دويلات العصبية) بديلا عن دويلات المدن.

    ولما كانت الدول تتعاقب بحسب التنافس العصبي لذلك يكون لكل عصبية جديدة أدبها الجديد وأن تاريخ الادب بعد الإسلام تطور من دون ان تتغير لغة الادب بل بقيت هي العربية الفصحى.
    وقسَّم سعيد الغانمي فضاءات الادب الشفاهي في إطار جماعي إلى شعر الولائم وشعر الأدعية وشعر القبوريات، متبنيا نظرية فراي التي تقسم أطوار العلاقة بين اللغة والفكر إلى طور استعاري وطور كنائي وطور وصفي ليبني عليها بدوره نظرية حول مؤلف الادب الشفاهي القديم فهو أما شخصية سرية باطنية أسطورية أو هو مصدر الإسناد والموثوقية أو هو وحده بؤرة الفن ومصدره، مؤكدًا أن أدبنا العربي القديم ينتمي إلى الطور الاستعاري حيث المؤلف شخصية سرية أسطورية.
    ويوصله البحث عن شعرية النقوش الثمودية إلى كشوفات إبداعية لا تتعلق بالخط الكتابي وحده بل تشمل أيضا اللهجات معتمدا على مصدرين هما مدونة النقوش الثمودية لفان دن براندن وكتاب لانكستر هاردنغ، ودلل على الكيفية التي كانت بها صورة ثمود في المخيال الجاهلي صورة أسطورية بالكامل، ممثِلا بأبيات من شعر امرئ القيس وعبد الله بن رواحة وعلقمة الفحل، مبيّنا أن هذه الأسطورية انتعشت في الحقبة الجاهلية الأخيرة التي صار فيها ناقل الأدب يسمى الراوية، واجدًا تناصا تحريميا بين ناقة صالح والناقة التي سببت حرب البسوس.

    وإذا كان هذا التوجه قد انحاز بالكتاب عن بغيته في قراءة النقوش الثمودية؛ فإن المؤلف سوّغ الأمر بالقراءة الأدبية، وذهب إلى أن الكتابة لها علاقة بالتحريم لوجود إله الكتابة( نبو) الذي يرمز له بأفعى تحرس الكتابات، كما تتبع السمات الشفوية لشعر ثمود الشفوي، قارئا النقوش والكتابات قراءات متعددة. واستعان في حفرياته عن(شعرية سبأ) بكشوفات المستشرقين لشعر حمير واتسع في بناء خلفية لغوية وثقافية عن الخصائص اللهجية مثل هاء التعدية وكاف المتكلم والمخاطب وربط ذلك بقضايا مثل الخط المسند الجنوبي وعدم وجود مسافة بين الدال والمدلول والاسم والمسمى وعبادة الملوك والبغاء المقدس.

    وأوصله بحثه عن الأنباط واللغة والأدب إلى مقارنة عربيتهم بالعاميات العربية المتأخرة عنها لا بمقارنتها بالعربية الفصحى التي يقترح تسميتها بالعربية النزارية.

    وانطلق الغانمي في دراسته تاريخية اللغة العربية من حقيقة أن كل لغة يمكن أن تستعير مفردات من لغات أخرى أجنبية مبينا أن هناك ثلاث خصائص رئيسة ميزت اللغة العربية من سواها من الساميات وهي الإعراب والصيغ الفعلية وأل التعريف . ومن توصلاته المهمة في هذا المجال أشارته إلى» أن اللغة العربية ليست الوحيدة التي تتصف بالإعراب لان البابلية سبقتها ثم فقدتها «الكتاب/ص202، كما أهتم بحقبة عدَّها تأسيسية تمثلها مدينة الحيرة والسبب هو نفوذها العسكري الذي منحها هذه السيادة ولقد وقف عند أهم شعرائها وهو عدي بن زيد العبادي الذي عرف بشعر الاعتذاريات التي كان قد يطلقها في السجن. وحدّد صنفا أدبيا عرفه العراق القديم هو أدب رثاء المد وإذا كان الغانمي قد أرجع أصل الرثاء إلى أدب القبوريات وأن الهجاء هو تطوير لأدب الدعاء؛ فإنه شكك في أن يكون الوقوف على الأطلال هو التطوير لشعر رثاء المدن عادا ما بينهما من تشابه إنما هو تشابه خادع.

    أمّا بحثه عن(الملحمة الضائعة) فكان متأتياً من تحليل مبنى ملحمة جلجامش، وكيف أنّها في الأصل كانت عبارة عن حكايات منصبة حول جلجامش موجودة في الادب السومري بصيغة متفرقة وإن» الملحمة العظيمة لم تتشكل دفعة واحدة بل مرت بأطوار من الرواية الشفوية في الادب السومري ثم تمكن الشاعر أو الشعراء البابليون من ضم هذه الوحدات المنفصلة في تأليف واحد منسجم ومترابط الحلقات» ص322

    ووقف وقفة مطولة عند ملاحم اليونان وتقصى التشابه بين ملحمتي الأوديسة والإلياذة وملحمة جلجامش كوجود الثور والحصان والفردوس المفقود والغصن الذهني، ورصد بعض الحكايات التي تتعلق بهذه الملاحم كحكاية خطف الحسناء وتشابه بصيرة زرقاء اليمامة بما في التراث اليوناني من حكاية كاساندرا الطروادية ، وتساءل لماذا ضاعت الملحمة العربية ؟!

    وأرجع السبب إلى أن الادب العربي في الجزء الأكبر منه أدب شفوي وقد نجت بعض الوحدات السردية من الإلغاء لتظهر بمسميات وصيغ أخرى وقد اجتمعت في حقبة الحيرة كملحمة شفوية ولم يشكك الغانمي في أن يكون عرب العراق قبل الإسلام على دراية بوقائع ملحمة جلجامش مستندا إلى مصادر لباحثين عرب ومستشرقين مهتمين بأصل اللغات.

    وفيما يتعلق بمرجعياته البحثية فإنها تنوعت تنوعا دالا فقد جمعت بين مؤلفات النقاد العرب القدماء ومؤلفات الباحثين المحدثين والمعاصرين مثل الأستاذ جرجي زيدان والعلامة جواد علي والأستاذ طه باقر الذي احتفى الغانمي كثيرا بمؤلفاته ومنها مقدمة في تاريخ العراق القديم ومقدمة في تاريخ الحضارات القديمة وملحمة جلجامش.

    أما المرجعيات الغربية فكانت هي الأخرى غنية نوعيا وكميا. وأغلبها قام بترجمتها هو إلى اللغة العربية. ولعل اقتصاره على ما ترجمه بنفسه ناجم من أطلاعه على مضامينها بلغتها الأصلية وهذا ما جعله يرى عن كثب ذهن مؤلفيها في البحث والتقصي مثل ستيكيتيش وكاسيرر وارمستونغ ونوثرب فراي وجون روجر سيرل وساكز ودانيال وغيرهم.

    ولقد أسهمت هذه المؤلفات في تمكينه من رصد القضايا رصدا دقيقا. وأصدق دليل على ذلك تصديراته التي قدّم بها لترجمات هذه المؤلفات وبما ينم عن إدراك عميق للفحوى الفكرية والقيمة المعرفية.

    وبذلك يتضح بجلاء الاتساع المعرفي الذي تتمتع به فعالية نقد النقد عند سعيد الغانمي والمساحة التي تتحرك فيها نظراته النقدية ومنظوراته الفكرية. وهذا التوجه لا يقتصر على بعض المؤلفات دون بعض؛ بل يشمل مجموع ما انجزه سعيد الغانمي من دراسات وكتب، ليكون مغامرا مخلصا للتجدد والتعدد والتنوع، وباحثًا شغوفًا بالحفر محبًا للتنقيب، ممتلكًا جدارة نقدية هي لصق به وممهورة ببصمته.





    الدستور

يعمل...