لغتنا وحضارتنا في لجة العولمة
د. رشيد لحلو
د. رشيد لحلو
أخطر ما يمكن أن يصيب أمّة من الأمم، هو أن تتهاون في هويتها وتفرط في رصيدها الحضاري. فالهويّة واللغة هما الدرع الواقي الذي يمتلكه كل مجتمع. وقد تصاب الشعوب بالعديد من أنواع الأزمات الّتي تقضّ مضجعها و تنغص طمأنينتها وتجلب ازدراء الغير بها، ولكن المجتمع المدرِك لهويته دينا و لغة وخلفية حضاريّة، يستطيع أن يواجه كل التحديات الّتي تستفزُّه وتدعوه إلى المواجهة ما دامت الهوية الّتي يتميز بها تمتلك من المقوِّمات والعقيدة الراسخة ما يكفي لمجابهة التحديات بشتّى أشكالها.وأول هذه التحديات تتجلى في ضروب الانشقاق و ضياع الوحدة والانسجام في كيان المجتمع.
عايشنا في تاريخنا الحديث غيوما من الأزمات أو سمعنا عنها و خبرنا أن مجتمعنا في أحقاب من تاريخه كان غافلا عن ذاته وهوّيته وشخصيّته ومقوِّمات وجوده، و معرضا للتهميش في ساحة الحضارات البشريّة ثم أدرك أنه يمر بمراحل من الانفصام المهين نتيجة تفكك مجتمعي فانتفض بعد كلّ كبوة، لمواجهة ما ألمّ به من هوان
إن المناخ المتقلب في العلاقات الدولية خلال العقود الأخيرة ،والتعقد المتنامي للقضايا الإنسانية، أضف إلى ذلك عامل الثورة المعلوماتية، كل هذا أتى بنظام حضاري جديد يتحتم معه ،من أجل تجنب الانزلاق في أرضية ملغومة بالإفك والبهتان، الاقتناع بركن الهوية ، وارتباطها بصون الرسالة الحضارية من الضياع و اجتناب الرضوخ لخصوم حضارتنا مواظبين على تحقيق مآرب موسومة بالغطرسة و الرغبة في الاستخفاف بالقيم الموروثة من الأجداد. فإذا انطلقنا بروح من الثقة والتماس اقتناعا بانتمائنا إلى هوية غالبها الزمان و المناوئون فغلبتهم فستظل حضارتنا جاهزة و متألقة و قمينة بمواجهة تحديات مختلفة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها .
باستقراء الماضي نلمس أن اختلالا أفرز طبيعة غاشمة للظواهر المدرجة في العلاقات الدولية نتيجة حروب استعمارية منذ القرن التاسع عشر وإلى منتصف القرن العشرين و ترك هذا الاختلال تأثيرا عميقا على المخططات التي تحكم اليوم موازين التعامل الاجتماعي بيننا مما يضعنا في أشد الحاجة إلى تفعيل دور النخبة و المؤسسات لتقويم الوضع وفقا لهندسة تتداخل فيها خطوط عمودية متصلة بالتسلسل المحلي لقضايا الثقافة بمشاربها المختلفة والأطراف الفاعلة بشأنها، وخطوط أفقية تأخذ في الاعتبار موقعنا الحضاري الجيوستراتيجي على أساس التشاور وتحديد الاستراتيجيات و تقييم النماذج و استيعاب الممارسات والمقاييس التي تجمع بين الأدوار الإقليمية والعالمية ثم نتقاسم فيما بيننا أدوار المسؤولية الحضارية وصون اللغة و الهوية و نطرد من ذهننا جدلية سلبية لتحديد نطاق كنه هذه المسؤولية والمساحة المتاحة لكل فاعل من صلب مجتمعنا و يظل سعينا الحثيث من أجل أن نتوفر على موطئ قدم في ساحة الحضارة الدولية.
ظروف عالمنا المعاصر أبرزت بجلاء أن التنافس المعرفي أصبح يستبيح المقومات الحضارية ، فنحن نواجه اليوم مسيرة العولمة، وهذه العولمة هي سيل جارف تشق طريقها بدون إرادتنا، و هي تحت شعار توحيد الثقافات و ما قد ينتج عنه من بروز لغات محورية إنما يستهدف ضربا من الاستقطاب الحضاري لكي يفرض علينا ،عكس ما أسست من أجله العولمة من تواصل ثقافي ، تبعية لا يمكن تأويلها إلا بالتخلف و الاستكانة. لقد زاغت العولمة عن غايتها الاقتصادية و الاجتماعية لتصب في مغبة دفينة آفاقها في نهاية المطاف فُرض نموذج حضاري عابر للحدود إقليمي في البداية ثم كوني يهيمن فيه القوي فلا يبقي مجال لوجود من هو أقل قوة بشخصية متميزة كمجتمع و كأفراد بل سيخضع الجميع لخصوصيات هوية و لغة و حضارة أخرى . هذا من شأنه أن يصرفنا عن موروث أبائنا بلغتنا و يقتلعنا من جذورنا الأصيلة و يستخف بإسهاماتنا الحضارية فلا ها أنا ذا و لا كان أبي
قد نلوم من بيننا فريقين يعينان الآخرين ، بوعي أو بدون وعي ، على تهميشنا حضاريا: فريق منبهر بحضارة الغرب و نمط معيشته مؤمن بعدم إمكان تحقيق تقدم إلاّ عن طريق تقبّل كل ما يرد منه تقبلاً تاماً، لنقترب، في اعتقاده، من ركب العصر. و فريق آخر سدّ الطريق أمام أي تغيير أو تطوير مستورد من باب دفع الأذى واعتبر نفسه مستغنيا عن معطيات التطور العالمي و الغربي منه خاصة ما دام يتمثل في سوس ينخر في دعائمنا الاجتماعية ويستهتر بقيمنا اللغوية و العقائدية.
الفريقان يضعان مجتمعنا إذن أمام فرضية اختيار أحد منهجين أحلاهما مر فإما نسلك سبيل من يدعو إلى انفتاح منفلت و إما نطاوع من يصر على تزمت وانغلاق.
كلاهما له نظرية و اقتناع و حجة . و ليس من الأمانة التحليلية أن نغفل ذكر الوازع الإنسانِي والمقوِّم العملي الذي يفترض أن يكنه كل فريق ما دامت ضالة هذا و ذاك ،مخلصا، السعي من أجل الرقى بحضارتنا و ترسيخ الاطمئنان في القلوب و العقول.
الفريق الأول يورد بعض النماذج التي أثبتت أنَّ الطريقة المُثلى لمُحاربة الغَرب أو التَصدِّي لعمليَّاتِ اغتصابه واستغلاله الشعوب هي تبنِّي نفس أيديولوجيَّـته التـقـنيَّة ونفس أسلحته؛ ويُقدِّم أمثلة على ذلك مثلما فعلت دول أسيوية مثل اليابان و كوريا و سنغافورة و كذلك دول أمريكا اللاتينية .ولكن يثار في هذا الاختيار سؤال جوهري: هل تحقق نمو هذه البلاد بلغة غير لغتها ؟ الرد الأكيد جاء من المهدي المنجرة رحمه الله قال : لا توجد أمة واحدة حققت تطورها العلمي بلغة غير لغتها.
و الفريق الثاني يستدل بالتاريخ حيث غزو البلاد الإسلامية من طرف الاستعمار الغربي كان بذريعة رسالة حضارية يحملونها لأمم متخلفة. وباطلاعنا على مفهوم الحضارة في المدونة الفرنسية الكبرى التي أعدت أواسط القرن التاسع عشر الجزء العاشر ص 513 نجد ما يفيد أن الحضارة هي سيطرة الإنسان الغربي على الطبيعة و ما دونه فالإنسان غير المتحضر هو الذي تسيطر عليه الطبيعة و بإخضاع الفكرة للمعادلة في علم المنطق نلغي الوسيط و هو الطبيعة لتصبح النتيجة أن الحضارة هي سيطرة الإنسان الغربي على غيره.
حقبة من الزمان ولت كان مجتمعنا أثناءها منغلقا ومركونا في زاوية التزمت فأحرى بنا أن نلوم أنفسنا و ليس الضمير الغربي الذي يصحو أو ينام على وثيرة المصلحة فيضع مبادئ مفكريه من عصر النهضة على الرفوف و يخطط للغزو و يتناسى في غريزته الاستعمارية أن انطلاقته في عصر النهضة أخذت كثيراً من علوم المسلمين ، بل إن النهضة الأوروبية في القرن الرابع عشر وما بعده لم تبدأ إلاّ و كان قد اكتمل نقل وترجمة سائر العلوم والمراجع العربية والإسلامية إلى اللغات الأوروبية , مؤلفات لعلماء عرب و مسلمين وآخرين في الرياضيات و الكيمياء والطب وغيرها و بنظريات أسست للعلوم الحديثة كما أوحى علماؤنا بتوجهات لتخليق المجتمع وهو ما بنى عليه (روسو) و جوث في كتابتهما عن إرادة الأمة وسلطة المجتمع .
لقد استيقظ المسلمون من ثلاثة قرون خلت على كابوس رهيب، وهو أن حضارتهم، التي سيطرت خمسة قرون على العالم، أصبحت لا تغني عنهم شيئا، ولاسيما بعد أن تلوثت مقوماتها الثقافية والدينية بتأويلات وآراء غريبة انحرفت عن الصواب و طمست ثراتنا في الترهات.
إن تراث أمة ،إن كان بلغتها، فهو بذرة بقائها ودعامة وجودها الحضاري ، و اعتزازها بالذات وتطلعها للمستقبل ، وان أية امة لن تستطيع أن تسير قدماً إلى الأمام بخطى ثابتة إلا إذا استقامت على جذور تراثها وما تركه الأجداد من مراجع وربطت خيوط ماضيها بحاضرها بمستقبلها
ولاشك أن حضارتنا ذات السليقة الإسلامية و البيان العربي هي جزء حي في كتلة الحضارة العالمية التي أثرت فيها وتأثرت بها. و ملامح حضارتنا ليست غريبة عن الحضارات المختلفة التي توليناها بالرعاية والبحث والتصحيح والتهذيب ، و لا يقلل من أهمية حضارتنا اليوم أمر تأثرها واستفادتها من الحضارات والثقافات التي سبقتها أو عاصرتها، بل على العكس فهو عامل قوة لها ، وهو أمر طبيعي أن تقتبس كل امة من معارف وعلوم الأمم الأخرى التي سبقتها أو ارتبطت معها ، ولكن يظل فخرنا أننا فيما مضى لم نكن أبدا محاكين أو تابعين ، بل لنا رجال بحثوا واجتهدوا وابتكروا ، متخذين ركائز دينهم الذي يدعو إلى طلب العلم بما فيه الدنيوي متحلين بعقيدتهم و تفاعلوا مع جذورهم الفكرية الأصيلة و أضافوا واوجدوا عناصر متجددة دفعت بعجلة التطور الحضاري إلى الأمـــــام.
مرت بنا فترة ركود تلتها صحوة نهض بها هؤلاء الرجال الذين حملوا الرسالة الإصلاحية كجمال الدين الأفغاني و محمد عبده شرقا و أبو شعيب الدكالي و علال الفاسي في غرب العالم الإسلامي وغيرهم في الشمال و الجنوب رجال جاهدوا بين قومهم فيما هو بمثابة ثورة عارمة لتخليص المجتمع من الضلالة و البهتان و التذكير بأننا أصحاب حضارة متجددة.
و على كل حال لن آتي بجديد إدا قلت أن الحضارة بكل عناصرها الثقافية و العمرانية و غيرذلك ليست من صنع امة واحدة ولا شعب معين ، وكذلك ليست وليدة عصر واحد ، وان الازدهار الناتج عن الحضارة و الذي نجده في مختلف الميادين إنما هو نتاج حضارات متعاقبة على مر العصور وأعمال أمم تناوبت في البحث عن حقائق الأمور ووضعت الصيغ المناسبة للازدهار جيلاً بعد جيل ، وغلاف الحضارة هو لغة أهلها و ليس لغة غيرها وكل امة تدعي أنها صاحبة الحضارة بمفردها وبلغتها وتجرد غيرها منها تكون قد جانبت الحقيقة والنزاهة.
نحن لا نحجب الشمس بالغربال حتى ننكر أن الغرب حقق في العصر الحديث كثيرا من منجزات أثرت في مسيرة المجتمعات بل علينا أن نأخذ بهذه المنجزات محبذين أو مرغمين ولكن من حقنا و واجبنا أن نفصل جانبها المادي عن غرضها في التأثير على إنسانيتنا والاستهتار بهويتنا.
فقد عادت ألسنة و أقلام تلوك العبارات المستفزة و تدعونا للتخلص من قيمنا الحضارية و إهمال أصالتنا و لغتنا و اعتبارنا من الطائفة المهزومة فكرا و حضارة.من هذه الأقلام ما ورد من تحليل للأوضاع الدولية في مقاربة بسيطة ومعقدة تستجيب للدعوة إلى وضع القواعد لنظام دولي جديد قائم على الصراع.
ففي كتابه عن صدام الحضارات، يرى المفكر الأمريكي صموئيل هنتنغتون أنه بعد فترة الحرب الباردة (1947-1990) التي قامت على المواجهات الأيديولوجية بين الكتلة الشيوعية و ما يسمى ب "العالم الحر"،دخلنا في عهد العولمة و أصبحت المواجهة حضارية بين الغرب و ثمان حضارات أخطرها الحضارة الإسلامية. ووفقا لنظرية هنتنغتون، يجب أن يهيمن الغرب من الآن على السياسة العالمية حيث أن "الخطوط الأمامية" في المستقبل ستكون خطوط الصدع بين الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية. في هذه النظرية، يرى المفكر الأمريكي أن العالم صار أصغر مما مضى، و أن التغيرات الاقتصادية والاجتماعية تلغي الهويات و الخصائص الثقافية واللغوية لأنها في مرتبة أقل وزنا من المصالح الاقتصادية والتوجهات السياسية.ثم يختزل صامويل الصراع الحضاري بين الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية، حيث أورد أمثلة مقتطفة من الصراع بين الحضارتين. وفي اعتقاده أن هنالك أسبابا كثيرة تدعو لذلك فالإسلام كديانة يدعو حسب زعمه لصهر الآخر وتذويبه، و لا يقبل الحداثة التي ينبني عليها المشروع الغربي، ثم إن معظم الصراعات في العالم هي صراعات بين المسلمين وغيرهم أو صراعات بين المسلمين أنفسهم.فمثلا من بين تسعة وخمسين صداما في العالم هنالك 28 صداما يخص المسلمين.
و عاد الدكتور المهدي المنجرة رحمه الله فتصدى لهذه الغطرسة في أكثر من مناسبة بأن ما اعترى العولمة من تشويه يعود إلى هيكلة منحرفة عن المفهوم الأخلاقي والإنساني وأن "العولمة" الزائفة بنيت ليس على أسس أخلاقية و إنما عسكرية و موسومة بالهيمنة ولم تعد الحروب اليوم تقتصر على المعطيات السياسية أو الاقتصادية وإنما ترمي إلى نسف الأسس "القيمية" و تحول استعمال العولمة إلى وسيلة لتسويق حروب المعاني.
وهكذا خرج بنا البروفيسور المنجرة من منطق الصدام إلى منطق الحوار....
فماذا كان دور الدبلوماسية في المجال
قال يومها الأمين العام السابق للأمم المتحدة كوفي عنان أن فكرة الحوار بين الحضارات ليست جديدة في الأمم المتحدة ، بل هي ركن في هيكلتها الأساسية، ثم إن إنشاء الأمم المتحدة قام على فكرة أن الحوار يمكن أن ينتصر ، وأن التنوع الحضاري و اللغوي هو فضيلة عالمية وأن شعوب العالم تؤمن بالمصير المشترك
و لاشك أن لنا رغبة في الانسجام الإنساني مع ترسيخ قيمنا و لا نريد الوقوع في حيرة الضلالة بل نبحث عن المسلك المنهجي للتآزر و استفادة البشر من حصيلة التقدم. و يروم الفكر من بيننا في البحث عن المنهجية الشاملة التي تمكّننا من امتلاك آليات الانطلاق الحضاري و يبدو أن نظرة العرب والمسلمين إلى مسألة الحوار الحضاري كانعكاس حتمي للتغيرات والتحولات الكبيرة التي شهدها العالم في الآونة الأخيرة أضحت أقرب إلى الإيجابية منها إلى العزوف. فشهدت الساحة الفكرية العربية والإسلامية، تزايد وتيرة الاهتمام بالتقارب تنظيراً وتأسيساً باللغات الست للأمم المتحدة و من بينها اللغة العربية ومن خلال جهود فردية أو مؤسساتية تأخذ على عاتقها دعم مشروع انسجام الحضارات.
و يعني هذا أنّنا لا نساوم في قيمنا ولغتنا و تراثنا المتميّز. إنّنا نستطيع أن نفخر بما كنا، ويجب علينا أن نتوسم الخير بما سيأتي. لكنّ الفكرة القائلة بأن ما لدينا يعاكس بالضرورة مع ما لدى غيرنا هي فكرة غير جيدة.
عايشنا في تاريخنا الحديث غيوما من الأزمات أو سمعنا عنها و خبرنا أن مجتمعنا في أحقاب من تاريخه كان غافلا عن ذاته وهوّيته وشخصيّته ومقوِّمات وجوده، و معرضا للتهميش في ساحة الحضارات البشريّة ثم أدرك أنه يمر بمراحل من الانفصام المهين نتيجة تفكك مجتمعي فانتفض بعد كلّ كبوة، لمواجهة ما ألمّ به من هوان
إن المناخ المتقلب في العلاقات الدولية خلال العقود الأخيرة ،والتعقد المتنامي للقضايا الإنسانية، أضف إلى ذلك عامل الثورة المعلوماتية، كل هذا أتى بنظام حضاري جديد يتحتم معه ،من أجل تجنب الانزلاق في أرضية ملغومة بالإفك والبهتان، الاقتناع بركن الهوية ، وارتباطها بصون الرسالة الحضارية من الضياع و اجتناب الرضوخ لخصوم حضارتنا مواظبين على تحقيق مآرب موسومة بالغطرسة و الرغبة في الاستخفاف بالقيم الموروثة من الأجداد. فإذا انطلقنا بروح من الثقة والتماس اقتناعا بانتمائنا إلى هوية غالبها الزمان و المناوئون فغلبتهم فستظل حضارتنا جاهزة و متألقة و قمينة بمواجهة تحديات مختلفة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها .
باستقراء الماضي نلمس أن اختلالا أفرز طبيعة غاشمة للظواهر المدرجة في العلاقات الدولية نتيجة حروب استعمارية منذ القرن التاسع عشر وإلى منتصف القرن العشرين و ترك هذا الاختلال تأثيرا عميقا على المخططات التي تحكم اليوم موازين التعامل الاجتماعي بيننا مما يضعنا في أشد الحاجة إلى تفعيل دور النخبة و المؤسسات لتقويم الوضع وفقا لهندسة تتداخل فيها خطوط عمودية متصلة بالتسلسل المحلي لقضايا الثقافة بمشاربها المختلفة والأطراف الفاعلة بشأنها، وخطوط أفقية تأخذ في الاعتبار موقعنا الحضاري الجيوستراتيجي على أساس التشاور وتحديد الاستراتيجيات و تقييم النماذج و استيعاب الممارسات والمقاييس التي تجمع بين الأدوار الإقليمية والعالمية ثم نتقاسم فيما بيننا أدوار المسؤولية الحضارية وصون اللغة و الهوية و نطرد من ذهننا جدلية سلبية لتحديد نطاق كنه هذه المسؤولية والمساحة المتاحة لكل فاعل من صلب مجتمعنا و يظل سعينا الحثيث من أجل أن نتوفر على موطئ قدم في ساحة الحضارة الدولية.
ظروف عالمنا المعاصر أبرزت بجلاء أن التنافس المعرفي أصبح يستبيح المقومات الحضارية ، فنحن نواجه اليوم مسيرة العولمة، وهذه العولمة هي سيل جارف تشق طريقها بدون إرادتنا، و هي تحت شعار توحيد الثقافات و ما قد ينتج عنه من بروز لغات محورية إنما يستهدف ضربا من الاستقطاب الحضاري لكي يفرض علينا ،عكس ما أسست من أجله العولمة من تواصل ثقافي ، تبعية لا يمكن تأويلها إلا بالتخلف و الاستكانة. لقد زاغت العولمة عن غايتها الاقتصادية و الاجتماعية لتصب في مغبة دفينة آفاقها في نهاية المطاف فُرض نموذج حضاري عابر للحدود إقليمي في البداية ثم كوني يهيمن فيه القوي فلا يبقي مجال لوجود من هو أقل قوة بشخصية متميزة كمجتمع و كأفراد بل سيخضع الجميع لخصوصيات هوية و لغة و حضارة أخرى . هذا من شأنه أن يصرفنا عن موروث أبائنا بلغتنا و يقتلعنا من جذورنا الأصيلة و يستخف بإسهاماتنا الحضارية فلا ها أنا ذا و لا كان أبي
قد نلوم من بيننا فريقين يعينان الآخرين ، بوعي أو بدون وعي ، على تهميشنا حضاريا: فريق منبهر بحضارة الغرب و نمط معيشته مؤمن بعدم إمكان تحقيق تقدم إلاّ عن طريق تقبّل كل ما يرد منه تقبلاً تاماً، لنقترب، في اعتقاده، من ركب العصر. و فريق آخر سدّ الطريق أمام أي تغيير أو تطوير مستورد من باب دفع الأذى واعتبر نفسه مستغنيا عن معطيات التطور العالمي و الغربي منه خاصة ما دام يتمثل في سوس ينخر في دعائمنا الاجتماعية ويستهتر بقيمنا اللغوية و العقائدية.
الفريقان يضعان مجتمعنا إذن أمام فرضية اختيار أحد منهجين أحلاهما مر فإما نسلك سبيل من يدعو إلى انفتاح منفلت و إما نطاوع من يصر على تزمت وانغلاق.
كلاهما له نظرية و اقتناع و حجة . و ليس من الأمانة التحليلية أن نغفل ذكر الوازع الإنسانِي والمقوِّم العملي الذي يفترض أن يكنه كل فريق ما دامت ضالة هذا و ذاك ،مخلصا، السعي من أجل الرقى بحضارتنا و ترسيخ الاطمئنان في القلوب و العقول.
الفريق الأول يورد بعض النماذج التي أثبتت أنَّ الطريقة المُثلى لمُحاربة الغَرب أو التَصدِّي لعمليَّاتِ اغتصابه واستغلاله الشعوب هي تبنِّي نفس أيديولوجيَّـته التـقـنيَّة ونفس أسلحته؛ ويُقدِّم أمثلة على ذلك مثلما فعلت دول أسيوية مثل اليابان و كوريا و سنغافورة و كذلك دول أمريكا اللاتينية .ولكن يثار في هذا الاختيار سؤال جوهري: هل تحقق نمو هذه البلاد بلغة غير لغتها ؟ الرد الأكيد جاء من المهدي المنجرة رحمه الله قال : لا توجد أمة واحدة حققت تطورها العلمي بلغة غير لغتها.
و الفريق الثاني يستدل بالتاريخ حيث غزو البلاد الإسلامية من طرف الاستعمار الغربي كان بذريعة رسالة حضارية يحملونها لأمم متخلفة. وباطلاعنا على مفهوم الحضارة في المدونة الفرنسية الكبرى التي أعدت أواسط القرن التاسع عشر الجزء العاشر ص 513 نجد ما يفيد أن الحضارة هي سيطرة الإنسان الغربي على الطبيعة و ما دونه فالإنسان غير المتحضر هو الذي تسيطر عليه الطبيعة و بإخضاع الفكرة للمعادلة في علم المنطق نلغي الوسيط و هو الطبيعة لتصبح النتيجة أن الحضارة هي سيطرة الإنسان الغربي على غيره.
حقبة من الزمان ولت كان مجتمعنا أثناءها منغلقا ومركونا في زاوية التزمت فأحرى بنا أن نلوم أنفسنا و ليس الضمير الغربي الذي يصحو أو ينام على وثيرة المصلحة فيضع مبادئ مفكريه من عصر النهضة على الرفوف و يخطط للغزو و يتناسى في غريزته الاستعمارية أن انطلاقته في عصر النهضة أخذت كثيراً من علوم المسلمين ، بل إن النهضة الأوروبية في القرن الرابع عشر وما بعده لم تبدأ إلاّ و كان قد اكتمل نقل وترجمة سائر العلوم والمراجع العربية والإسلامية إلى اللغات الأوروبية , مؤلفات لعلماء عرب و مسلمين وآخرين في الرياضيات و الكيمياء والطب وغيرها و بنظريات أسست للعلوم الحديثة كما أوحى علماؤنا بتوجهات لتخليق المجتمع وهو ما بنى عليه (روسو) و جوث في كتابتهما عن إرادة الأمة وسلطة المجتمع .
لقد استيقظ المسلمون من ثلاثة قرون خلت على كابوس رهيب، وهو أن حضارتهم، التي سيطرت خمسة قرون على العالم، أصبحت لا تغني عنهم شيئا، ولاسيما بعد أن تلوثت مقوماتها الثقافية والدينية بتأويلات وآراء غريبة انحرفت عن الصواب و طمست ثراتنا في الترهات.
إن تراث أمة ،إن كان بلغتها، فهو بذرة بقائها ودعامة وجودها الحضاري ، و اعتزازها بالذات وتطلعها للمستقبل ، وان أية امة لن تستطيع أن تسير قدماً إلى الأمام بخطى ثابتة إلا إذا استقامت على جذور تراثها وما تركه الأجداد من مراجع وربطت خيوط ماضيها بحاضرها بمستقبلها
ولاشك أن حضارتنا ذات السليقة الإسلامية و البيان العربي هي جزء حي في كتلة الحضارة العالمية التي أثرت فيها وتأثرت بها. و ملامح حضارتنا ليست غريبة عن الحضارات المختلفة التي توليناها بالرعاية والبحث والتصحيح والتهذيب ، و لا يقلل من أهمية حضارتنا اليوم أمر تأثرها واستفادتها من الحضارات والثقافات التي سبقتها أو عاصرتها، بل على العكس فهو عامل قوة لها ، وهو أمر طبيعي أن تقتبس كل امة من معارف وعلوم الأمم الأخرى التي سبقتها أو ارتبطت معها ، ولكن يظل فخرنا أننا فيما مضى لم نكن أبدا محاكين أو تابعين ، بل لنا رجال بحثوا واجتهدوا وابتكروا ، متخذين ركائز دينهم الذي يدعو إلى طلب العلم بما فيه الدنيوي متحلين بعقيدتهم و تفاعلوا مع جذورهم الفكرية الأصيلة و أضافوا واوجدوا عناصر متجددة دفعت بعجلة التطور الحضاري إلى الأمـــــام.
مرت بنا فترة ركود تلتها صحوة نهض بها هؤلاء الرجال الذين حملوا الرسالة الإصلاحية كجمال الدين الأفغاني و محمد عبده شرقا و أبو شعيب الدكالي و علال الفاسي في غرب العالم الإسلامي وغيرهم في الشمال و الجنوب رجال جاهدوا بين قومهم فيما هو بمثابة ثورة عارمة لتخليص المجتمع من الضلالة و البهتان و التذكير بأننا أصحاب حضارة متجددة.
و على كل حال لن آتي بجديد إدا قلت أن الحضارة بكل عناصرها الثقافية و العمرانية و غيرذلك ليست من صنع امة واحدة ولا شعب معين ، وكذلك ليست وليدة عصر واحد ، وان الازدهار الناتج عن الحضارة و الذي نجده في مختلف الميادين إنما هو نتاج حضارات متعاقبة على مر العصور وأعمال أمم تناوبت في البحث عن حقائق الأمور ووضعت الصيغ المناسبة للازدهار جيلاً بعد جيل ، وغلاف الحضارة هو لغة أهلها و ليس لغة غيرها وكل امة تدعي أنها صاحبة الحضارة بمفردها وبلغتها وتجرد غيرها منها تكون قد جانبت الحقيقة والنزاهة.
نحن لا نحجب الشمس بالغربال حتى ننكر أن الغرب حقق في العصر الحديث كثيرا من منجزات أثرت في مسيرة المجتمعات بل علينا أن نأخذ بهذه المنجزات محبذين أو مرغمين ولكن من حقنا و واجبنا أن نفصل جانبها المادي عن غرضها في التأثير على إنسانيتنا والاستهتار بهويتنا.
فقد عادت ألسنة و أقلام تلوك العبارات المستفزة و تدعونا للتخلص من قيمنا الحضارية و إهمال أصالتنا و لغتنا و اعتبارنا من الطائفة المهزومة فكرا و حضارة.من هذه الأقلام ما ورد من تحليل للأوضاع الدولية في مقاربة بسيطة ومعقدة تستجيب للدعوة إلى وضع القواعد لنظام دولي جديد قائم على الصراع.
ففي كتابه عن صدام الحضارات، يرى المفكر الأمريكي صموئيل هنتنغتون أنه بعد فترة الحرب الباردة (1947-1990) التي قامت على المواجهات الأيديولوجية بين الكتلة الشيوعية و ما يسمى ب "العالم الحر"،دخلنا في عهد العولمة و أصبحت المواجهة حضارية بين الغرب و ثمان حضارات أخطرها الحضارة الإسلامية. ووفقا لنظرية هنتنغتون، يجب أن يهيمن الغرب من الآن على السياسة العالمية حيث أن "الخطوط الأمامية" في المستقبل ستكون خطوط الصدع بين الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية. في هذه النظرية، يرى المفكر الأمريكي أن العالم صار أصغر مما مضى، و أن التغيرات الاقتصادية والاجتماعية تلغي الهويات و الخصائص الثقافية واللغوية لأنها في مرتبة أقل وزنا من المصالح الاقتصادية والتوجهات السياسية.ثم يختزل صامويل الصراع الحضاري بين الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية، حيث أورد أمثلة مقتطفة من الصراع بين الحضارتين. وفي اعتقاده أن هنالك أسبابا كثيرة تدعو لذلك فالإسلام كديانة يدعو حسب زعمه لصهر الآخر وتذويبه، و لا يقبل الحداثة التي ينبني عليها المشروع الغربي، ثم إن معظم الصراعات في العالم هي صراعات بين المسلمين وغيرهم أو صراعات بين المسلمين أنفسهم.فمثلا من بين تسعة وخمسين صداما في العالم هنالك 28 صداما يخص المسلمين.
و عاد الدكتور المهدي المنجرة رحمه الله فتصدى لهذه الغطرسة في أكثر من مناسبة بأن ما اعترى العولمة من تشويه يعود إلى هيكلة منحرفة عن المفهوم الأخلاقي والإنساني وأن "العولمة" الزائفة بنيت ليس على أسس أخلاقية و إنما عسكرية و موسومة بالهيمنة ولم تعد الحروب اليوم تقتصر على المعطيات السياسية أو الاقتصادية وإنما ترمي إلى نسف الأسس "القيمية" و تحول استعمال العولمة إلى وسيلة لتسويق حروب المعاني.
وهكذا خرج بنا البروفيسور المنجرة من منطق الصدام إلى منطق الحوار....
فماذا كان دور الدبلوماسية في المجال
قال يومها الأمين العام السابق للأمم المتحدة كوفي عنان أن فكرة الحوار بين الحضارات ليست جديدة في الأمم المتحدة ، بل هي ركن في هيكلتها الأساسية، ثم إن إنشاء الأمم المتحدة قام على فكرة أن الحوار يمكن أن ينتصر ، وأن التنوع الحضاري و اللغوي هو فضيلة عالمية وأن شعوب العالم تؤمن بالمصير المشترك
و لاشك أن لنا رغبة في الانسجام الإنساني مع ترسيخ قيمنا و لا نريد الوقوع في حيرة الضلالة بل نبحث عن المسلك المنهجي للتآزر و استفادة البشر من حصيلة التقدم. و يروم الفكر من بيننا في البحث عن المنهجية الشاملة التي تمكّننا من امتلاك آليات الانطلاق الحضاري و يبدو أن نظرة العرب والمسلمين إلى مسألة الحوار الحضاري كانعكاس حتمي للتغيرات والتحولات الكبيرة التي شهدها العالم في الآونة الأخيرة أضحت أقرب إلى الإيجابية منها إلى العزوف. فشهدت الساحة الفكرية العربية والإسلامية، تزايد وتيرة الاهتمام بالتقارب تنظيراً وتأسيساً باللغات الست للأمم المتحدة و من بينها اللغة العربية ومن خلال جهود فردية أو مؤسساتية تأخذ على عاتقها دعم مشروع انسجام الحضارات.
و يعني هذا أنّنا لا نساوم في قيمنا ولغتنا و تراثنا المتميّز. إنّنا نستطيع أن نفخر بما كنا، ويجب علينا أن نتوسم الخير بما سيأتي. لكنّ الفكرة القائلة بأن ما لدينا يعاكس بالضرورة مع ما لدى غيرنا هي فكرة غير جيدة.
المصدر

تعليق