#شيء من اللغة: أسماء الملائكة في القرآن
د. هادي حسن حمودي
تفضلت الروائية العراقية (بدور محمد) فعقبت على ما جاء في الحلقات الأخيرة من السلسلة عن الأسماء في القرآن، بقولها:
* تحياتي استاذنا الجليل، لطالما انشغلت بفكرة أن القرآن يضمّ ألفاظاً غيرعربية، وما فكرت بأن ذلك يتعارض مع الآية التي تؤكد على عربيته بالمطلق، وكنت أظن أن بعض أسماء الأنبياء عبرية، لكني اهتديت للرأي الصحيح بعد قراءة شرحكم الوافي، غير أن أسماء الملائكة تبدو غير عربية مثل جبرائيل وإسرافيل، فلو تفضلتم بالإشارة إليها. ولكم الفضل في التنبيه إلى الخطأ الشائع والمعروف ب "اللغات السامية"، وقد جاء سؤالكم : ما هي لغة نوح؟ ليحفز الباحثين والقراء على التفكير. لكم جزيل الشكر
** وأجبتها هناك. وهنا بعض إضافة:
أديبتنا وروائيتنا الجليلة شكرا لك. ونبدأ الحوار:
إن من جملة أساطير علماء العبريات أننا لو أخذنا وليدا حديث الولادة، ووضعناه في غرفة لا يسمع فيها أي صوت، وأوصلنا له طعامه بلا كلام. فإنه يبدأ الكلام باللغة العبرية. وروّج لهذه الخرافة من روّج في التراث والعصر الحديث (أيضا).
وبما أن فكرة العزل اللغوي، هذه، خرافة، نتركها وشأنها لننتقل إلى القول: لقد زعموا أن اللغة العبرية ساميّة، أي إنها نشأت في أيام سام بن نوح. ولكن الأديان الإبراهيمية جميعا تقول إن الملائكة وجدوا قبل سام وقبل أبيه نوح، بل قبل آدم نفسه. فكيف تكون أسماؤهم عبرية، والملائكة خلقوا من قبل ظهور لغتهم المنسوبة لسام بن نوح بما لا يُعرف عدده من آلاف السنين ومئات آلاف آلافها؟
أما الذي نراه فإن هذه الكلمات قديمة قدم اللغة الأولى التي لدينا براهين كافية للقول بأنها اللغة العربية القديمة. وذكر القرآن منها جبريل، وميكال، وهاروت، وماروت. ولم يذكر جبرائيل ولا ميكائيل.
أما جبريل فاسم معروف تسمى به عربٌ منذ القديم. ونراه الأصل في جبرائيل، تماما كما أن ميكال هو الأصل في ميكائيل. ويمكن القول إنّ (جبريل) متكوّن من قسمين: (جَبْر) و(إل). أما (جَبْر) فدالّ على القوة في الخير والشر. فمن الخير: جبرت العظم الكسير: عالجته وأعدته إلى وضعه الطبيعي. ومنه: يا جابر عثرات الكرام. ويأتي الجبر في عكس ذلك، كما في: (وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُن جَبَّارًا عَصِيًّا). أما (إل) فهو اسمٌ دالّ على الله. ولكن هذه الدلالة ليست مطلقة، بل هي في ألفاظ منحوتة من لفظين، ثانيهما لفظ (الله) حيث اكتفينا بأخذ حرفين منه (إل).
والنحث أن توشج كلمتين بحيث تفقد إحداهما أو كلاهما بعض الحروف. ففي التسمية لك أن تسمي ابنك: هبة الله أو عبد الله أو عطية الله. هذا علم مركب وليس فيه حذف حروف. أما تسمية جبْر الله، فغير معهودة، بسبب سعة دلالات الجذر (ج ب ر) فهو، كما ذكرنا دالّ على القوة سواء كانت في الخير أم في الشر. فلا تليق التسمية بـ(جبر الله). لئلا توحي بالتكبر والتجبّر في الباطل والشر، وهل من اللائق أن يسمّي أحدٌ ابنته لعنة الله، أو يسمي ابنه غضب الله؟ لذا أخذ القرآن معنى القوة من الجذر ( ج ب ر) والحرفين الأولين من لفظ الجلالة (إل)، فصاغ جبرئل، واتخذت معنى جديدا يخلو من معنى (جبر الله).
ومعلوم أن الهمزة يمكن أن تحول إلى ياء، أو تحذف، لأسباب صوتية، كما تقول مائة، وماية. وهنيًّا مريًّا، وهنيئا مريئا. فتحولت الهمزة، لهذا السبب الصوتي إلى ياء (جبريل). وفي غير القرآن ورد جبرئيل وجبرائيل وجبرائين.. وغيرها.
ولا يبعد ميكال عن هذا الاشتقاق، فهو من مكل الدالّ على القوة أيضا، وإن بدلالة أخرى، ومنها قولهم: مَكَلَتِ البئرُ: إذا اجتمع الماء في وسطها وكَثُرَ. والكثرة نوع من القوة. وكذلك ما قيل عن معنى مضادّ آخر لها، فالمُكْلُ: العُطْل. والعطل قوة، يحتاج إلى قوة لإصلاحه.
أما هاروت وماروت، فيلحقان بالأسماء المنتهية بالواو والتاء مما ذكرناه في حلقة سابقة.
د. هادي حسن حمودي
تفضلت الروائية العراقية (بدور محمد) فعقبت على ما جاء في الحلقات الأخيرة من السلسلة عن الأسماء في القرآن، بقولها:
* تحياتي استاذنا الجليل، لطالما انشغلت بفكرة أن القرآن يضمّ ألفاظاً غيرعربية، وما فكرت بأن ذلك يتعارض مع الآية التي تؤكد على عربيته بالمطلق، وكنت أظن أن بعض أسماء الأنبياء عبرية، لكني اهتديت للرأي الصحيح بعد قراءة شرحكم الوافي، غير أن أسماء الملائكة تبدو غير عربية مثل جبرائيل وإسرافيل، فلو تفضلتم بالإشارة إليها. ولكم الفضل في التنبيه إلى الخطأ الشائع والمعروف ب "اللغات السامية"، وقد جاء سؤالكم : ما هي لغة نوح؟ ليحفز الباحثين والقراء على التفكير. لكم جزيل الشكر
** وأجبتها هناك. وهنا بعض إضافة:
أديبتنا وروائيتنا الجليلة شكرا لك. ونبدأ الحوار:
إن من جملة أساطير علماء العبريات أننا لو أخذنا وليدا حديث الولادة، ووضعناه في غرفة لا يسمع فيها أي صوت، وأوصلنا له طعامه بلا كلام. فإنه يبدأ الكلام باللغة العبرية. وروّج لهذه الخرافة من روّج في التراث والعصر الحديث (أيضا).
وبما أن فكرة العزل اللغوي، هذه، خرافة، نتركها وشأنها لننتقل إلى القول: لقد زعموا أن اللغة العبرية ساميّة، أي إنها نشأت في أيام سام بن نوح. ولكن الأديان الإبراهيمية جميعا تقول إن الملائكة وجدوا قبل سام وقبل أبيه نوح، بل قبل آدم نفسه. فكيف تكون أسماؤهم عبرية، والملائكة خلقوا من قبل ظهور لغتهم المنسوبة لسام بن نوح بما لا يُعرف عدده من آلاف السنين ومئات آلاف آلافها؟
أما الذي نراه فإن هذه الكلمات قديمة قدم اللغة الأولى التي لدينا براهين كافية للقول بأنها اللغة العربية القديمة. وذكر القرآن منها جبريل، وميكال، وهاروت، وماروت. ولم يذكر جبرائيل ولا ميكائيل.
أما جبريل فاسم معروف تسمى به عربٌ منذ القديم. ونراه الأصل في جبرائيل، تماما كما أن ميكال هو الأصل في ميكائيل. ويمكن القول إنّ (جبريل) متكوّن من قسمين: (جَبْر) و(إل). أما (جَبْر) فدالّ على القوة في الخير والشر. فمن الخير: جبرت العظم الكسير: عالجته وأعدته إلى وضعه الطبيعي. ومنه: يا جابر عثرات الكرام. ويأتي الجبر في عكس ذلك، كما في: (وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُن جَبَّارًا عَصِيًّا). أما (إل) فهو اسمٌ دالّ على الله. ولكن هذه الدلالة ليست مطلقة، بل هي في ألفاظ منحوتة من لفظين، ثانيهما لفظ (الله) حيث اكتفينا بأخذ حرفين منه (إل).
والنحث أن توشج كلمتين بحيث تفقد إحداهما أو كلاهما بعض الحروف. ففي التسمية لك أن تسمي ابنك: هبة الله أو عبد الله أو عطية الله. هذا علم مركب وليس فيه حذف حروف. أما تسمية جبْر الله، فغير معهودة، بسبب سعة دلالات الجذر (ج ب ر) فهو، كما ذكرنا دالّ على القوة سواء كانت في الخير أم في الشر. فلا تليق التسمية بـ(جبر الله). لئلا توحي بالتكبر والتجبّر في الباطل والشر، وهل من اللائق أن يسمّي أحدٌ ابنته لعنة الله، أو يسمي ابنه غضب الله؟ لذا أخذ القرآن معنى القوة من الجذر ( ج ب ر) والحرفين الأولين من لفظ الجلالة (إل)، فصاغ جبرئل، واتخذت معنى جديدا يخلو من معنى (جبر الله).
ومعلوم أن الهمزة يمكن أن تحول إلى ياء، أو تحذف، لأسباب صوتية، كما تقول مائة، وماية. وهنيًّا مريًّا، وهنيئا مريئا. فتحولت الهمزة، لهذا السبب الصوتي إلى ياء (جبريل). وفي غير القرآن ورد جبرئيل وجبرائيل وجبرائين.. وغيرها.
ولا يبعد ميكال عن هذا الاشتقاق، فهو من مكل الدالّ على القوة أيضا، وإن بدلالة أخرى، ومنها قولهم: مَكَلَتِ البئرُ: إذا اجتمع الماء في وسطها وكَثُرَ. والكثرة نوع من القوة. وكذلك ما قيل عن معنى مضادّ آخر لها، فالمُكْلُ: العُطْل. والعطل قوة، يحتاج إلى قوة لإصلاحه.
أما هاروت وماروت، فيلحقان بالأسماء المنتهية بالواو والتاء مما ذكرناه في حلقة سابقة.
المصدر
