نظر في شبَكَة الضمائر في بعض آيات سورة "المنافقون"
أ.د عبد الرحمن بودرع
أ.د عبد الرحمن بودرع
"هُم الذين يَقولونَ لا تُنفقوا عَلى مَن عندَ رسولِ الله حتّى ينفضّوا"
الضّمير المنفصل "هُم" يعمُّ المنافقين وإن كانَ خاصاً بعبد الله بن أبيّ بن سلول، ولكنّ التعميمَ مُعلَّلٌ بإفادةِ الإخبارِ بالعلم بدخائلهِم.
فالضمير "هُم" يعود على المنافقين بزعامة ابن أُبيّ، و"الذينَ" اسم موصولٌ يعود على المنافقين، وهو إخبار عن الضمير المنفصلِ المبتدأ، وجملة يقولون صلة الموصول، وضمير الفاعلية يرجعُ إلى اسم الموصول,
"لا تنفقوا" المتكلّمُ المنافقونَ، والمُخاطَبُ إخوانُهُم، وكأنهم يُخاطبونَ أنفُسَهم بالنهي، أو يتناهَوْنَ، وهؤلاءِ المُخاطَبونَ بالنهي فريقٌ من المتظاهِرين بالإنفاقِ على فُقَراءِ المُسلمين. أمّا زمان الخطابِ ومكانُه فليسَ المكانَ أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا الزّمانُ زَمانَ الإنفاقِ، ولكنّ الخطابَ في نواديهم ومَجامٍعهم، فهم ينهونهم عن الإنفاق وينصحونَهم بالتَّظاهُرِ بالإسلام من غيرِ إنفاق. أما القائلُ فهو عبد بن أُبيّ بنُ سَلول، والإسنادُ إلى جماعةِ المنافقينَ لأنهم يتقبلون منه، ثُم فَشا قولُه بين المنافقينَ فتَناقَلوه.
فالآيةُ افتتحَت بالضّميرِ الظّاهرِ البارز المنفصلِ "هم" مُبْتَدَأً به الكلامُ، ولم يُكتَفَ بضميرِ الفاعليّةِ "يَقولونَ" وفي ذلكَ دلالة قويةٌ على تعيينهم والإشارةِ إليهم وفَضح سرائرهم، وفي الجُملةِ الاسميّةِ "هم الذين" ثباتُ اخبَر واستمرارُه.
أمّا اسم الموصول "مَنْ" فهم فُقَراء المَدينة من أهل الصّفّةِ وبعض الأعرابِ الذين كانوا يُنفقُ عليهم الرسولُ صلى الله عليه وسلمَ في غَزوةِ بَني المُصطَلق
والضَّمير في "ينفضّوا" يَعودُ على اسم الموصول "مَنْ" وفي الكلامِ وَجْهانِ؛ ودلالةٌ على المَكرِ؛ لأنّ ظاهرَه الرفقُ برسول الله صلى الله عليه وسلمَ مِن كُلفةِ الإنفاقِ على أعرابِ غزوةِ بني المُصطَلق، وباطنه الرغبةُ في إبعادِ الأعرابِ حتّى لا يَتَلقَّوْا الهديَ النّبويَّ ولا يَسمعوا؛ لأنّهم إن تَلقّوا وسمعوا اهتَدَوْا واستعانَ بهم وتَقوَّى بهم صفُّ المسلمين، فالأَوْلى صَرفُهُم. فلا تُنفقوا عليهم لكيْ يَنصرفوا، وبيس المرادُ لا تنفقوا عليه إلا إذا انصرَفوا،، فإذا انصرَفوا فأنفقوا،، و"حتّى" تدلُّ على تعليلِ النَّهْيِ عن الإنفاقِ، وهو الانفضاضُ والانصرافُ.
"ولله خَزائنُ للسَّماواتِ والأرضِ ولكنّ المنافقينَ لا يفْقَهونَ يقولون لئنْ رجعْنا إلى المدينةِ ليُخرِجَنّ الأعزُّ منها الأذلَّ ولله العزةُ جميعا ولرسولِه وللمؤمنين ولكنّ المنافقينَ لا يَعلَمونَ"
فيه نقضٌ لكلام المنافقينَ ولمذهبهم في الحَياةِ،
"ولله خَزائنُ السَّماواتِ والأرضِ" فيه قَصرُ قَلبٍ وهو قَلْبُ لازِمِ قولِهم.
تدلُّ الضَّمائر وأسماءُ الموصولِ على قوّةِ حضورِ المنافقينَ ومحاولةِ هيمنتهم على المشهَد، مشهدِ الإنفاق ومَنع الفُقَراءِ والحِرْصِ على صَرفهِم وإضعافِ المسلمينَ. ثُمّ تدلُّ الضمائرُ وأسماء الموصولِ على أنّ نيّاتهم وحَركاتهم مُحاطٌ بها لا تخرجُ عن دائرةِ المراد.
