يدل الفعل (دام يدوم/ يدام) على دلالات متباينة فهو يدل على الحركة الدائرية ويدل على السكون وعلى الاستمرار، وتدخل عليه (ما) فيختلف نوعها حسب استعمالها.
ما النافية:
تقول: دام المطر ليلة، وتنفي قائلًا: ما دام المطر ليلة، قال ابن الوراق “وَأما (مَا دَامَ) فقد تسْتَعْمل بِغَيْر (مَا)، وَإِذا لم ترد الْمصدر وَالدّلَالَة على الْوَقْت، كَقَوْلِك: دَامَ زيد على الشّرْب يَدُوم”(1)، والفعل (دام) هنا تام يكتفي بمرفوعة دلالة، ومن أمثلته في الشعر قول كثير عزة(105ه):
وقول الوأواء الدمشقي(370ه):
ما المصدرية:
ومثاله قول حاتم الطائي:
والفعل (دام) هنا ناقص لا يكتفي بمرفوعه؛ لأن المرفوع في أصله مبتدأ لا تتم الفائدة إلا بخبره، قال ابن يعيش “أمّا (ما دام) من قولك: (ما دام زيدٌ جالسًا)، فليست (ما) في أوّلها حرف نفي على حدّها في (ما زال)، و(ما برح)، إنّما (ما) ها هنا مع الفعل بتأويل المصدر، والمراد به: الزمان. فإذا قلت: (لا أُكَلمُك ما دام زيد قاعدًا)، فالمراد: دوامَ قعوده، أي: زمنَ دوامه، كما يُقال: (خفوقَ النجم)، و(مقدمَ الحاجّ). والمراد: زمنَ خفوق النجم، وزمنَ مقدم الحاجّ. وممّا يدلّ على أن (ما) مع ما بعدها زمانٌ، أنها لا تقع أوّلًا، فلا يُقال: (ما دام زيد قائمًا)، ويكون كلامًا تامًّا، ولا بد أن يتقدّمه ما يكون مظروفًا”(2). فلا يقال: ما دام زيد قائمًا أقومُ.
ما الشرطية:
عدّ منها ابن هشام نوعين (غير زمانية، وزمانية)، ومثال غير الزمانية قوله تعالى ﴿وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللّهُ﴾[197-البقرة]، و﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾[106-البقرة]، ومثال الشرطية الزمانية قوله تعالى ﴿فَمَا اسْتَقَامُواْ لَكُمْ فَاسْتَقِيمُواْ لَهُمْ﴾[7-التوبة]، أي استقيموا لهم مدة استقامتهم لكم(3). وما داخلة على جملة فعلية.
ومثال الشرطية مع (دام) قولك: ما دام الربيع فتمتع به. و(دام) هنا فعل تام مكتف بمرفوعه، ولا يعرف استعماله ناقصًا عند القدماء، أما عند المتأخرين فنجد قول أبي تمام(231ه):
وقول ابن شهاب(394هـ):
وقول القيسراني(478هـ):
وبيت ابن مالك(672هـ):
قال ابن هشام “و(ما) هذه شرطية منصوبة المحل بـ(دام)، وهي واقعة على الزمان، وهو قليل، أعني مجيء ما الشرطية ظرفًا. والناظم [ابن مالك] ممن أثبته، ولا تكون هنا مفعولًا مطلقًا بمعنى أي دوام، لأن شرط إعمال (دام) أن تقع بعد ما الظرفية، ولا أن تكون مصدرية ظرفية مثلها في {مَا دُمْتُ حَيًّا} إذ ليس لها حينئذ ما ينصبها، لأن ما بعدها حينئذ صلة، أو معمول الصلة، وأما على تقديرها شرطية فلا صلة ولا موصول، فيصح لدام أن تعمل فيها”(4).
وقول صفي الدين الحلي(752ه):
وعلى هذا أرجع عن تخطئة المعاصرين في استعمالهم هذا التركيب في قولي “نجد من ذلك ما جاء في (طوق الطهارة، ص 264) “وما دام الوقت بات لا يؤمن جانبه فعليّ أن أضيعه”، والصواب: عليّ أن أضيع الوقت ما دام لا يؤمن جانبه؛ لأن (ما دام) ظرف لما قبلها”(5).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ابن الوراق، علل النحو، ص 250.
(2)ابن يعيش، شرح المفصل، تحقيق إميل يعقوب، 4: 364.
(3) ابن هشام، مغني اللبيب، تحقيق عبداللطيف الخطيب، 4: 38.
(4) ابن هشام، تلخيص الشواهد وتلخيص الفوائد، ص 240.
(5) أبوأوس إبراهيم الشمسان، أخطاء في لغة الرواية السعودية: نماذج مختارة، أبحاث مهرجان جواثى الرابع، 2015م، ص43.
