|
(36)
نور/نهر/نأر إذا رجعنا إلى تعريف النهار في المعجم فسوف نجد أن النهار ضياء، وانتشار الضوء، وهو ضد الليل، وفيه معنى الاتساع، بعكس الظُّلمة، ولذا قيل: استنهر الشيء: اتسع، وقيل في تفسير: “جنات ونَهر”: ضياء وسعة. فالنهار نور، والنار نوع من النور. (37)
إن صلة القرابة شكلاً ومضموناً تبدو واضحة في هذه المواد، ويبدو أنها تعود إلى أصل ثنائي واحد: الزاي والحاء، وزحّ الشيءَ زحّاً جذبه في عجلة، أي زحزحه، وهو ما تعنيه زاح المعتلة، فزاح الشيءُ يزوح تباعد. والزَّوح والزيح ذهاب الشيء وتَفَرُّقُه. وقد قلبت زحزح فقيل: حزحز عن المكان كما تبادلت الحاء والخاء فقيل: زاح و زاخ. ولنأخذ مثلاً آخر بـ زعّ، وزعزع، وزاع، فكلها تدل على الحركة الشديدة، ولعلّ وزع مقلوبة عن زوع، فهذه المواد ذات أصل واحد. وهو أصل وارد في بعض اللغات الساميّة إذ هي في العبريّة وفي السريانيّة زوع، وقد دلت في العبرية والآراميّة على الزلزال وفي السريانية و أي زلزال، وقد سُمّي طائر الصّرّد زاعاً لاهتزازه، وقد وردت هذه التسمية في الأكادية أيضا للطائر نفسه . بسقوط العين من الأكاديّة كتابة لا نطقاً، إذ نظام الكتابة الأكاديّة منقول عن السومريّة التي تفتقر إلى كثير من أصوات الحلق الساميّة. (38)
زعق / صعق / زعج ثمة معان خاصة بكل مادة من هاتين المادتين:زعق وصعق، ومن بين المعاني الكثيرة التي اتجهت إليها كل مادة في سيرتها الخاصة، نجد بعض المعاني المشتركة التي تنبئ باحتمال أن يكون هذا المعنى المشترك معبّراً عن مرحلة قديمة، كانت فيها هاتان المادتان مادة واحدة، ذات معنى واحد. ولذا فإننا نضرب في مادة : زعق، صفحاً عن دلالتها على الماء المُرّ أو المالح، ولدغ العقرب، والفزع، كما نضرب في مادة صعق صفحاً عن بعض معانيها الخاصّة كالموت، والعذاب، فإن هذه المعاني – وإن كانت تُرَدّ بحسن التأتّي والتلطف إلى المعنى الأصلي – إلا أنّها تمثل خصوصيّة من خصوصيات السيرة الذاتية التي اكتسبتها كل مادة بعد انفصالها عن الأخرى، وحياتها حياة لغويّة خاصة. (39)
حوب / خوب / خيب أول ما يطالعك في اللّسان عن مادة حوب، معان تبتعد بالمرء عن الأصل التاريخيّ لدلالة هذه المادة، فالحَوْب والحَوْبة: الأبوان والأخت والبنت، وقيل هم القرابة من قبل الأم. وقيل النساء المحتاجات، والأقرب إلى الأصل التاريخي أن يكون معنى الحوبة سلبياً دالاً على الحاجة والهمّ والغم، والهلاك والإثم، وحَوبُ الأم على ولدها رقتها وتوجعها. (40)
خزر / خنزر وردت مادتا خزر وخنزر في المعجم، وهما على قدر واضح مشترك من المعنى، بل لقد أحال ابن منظور في إحداهما على الأخرى، عادّاً خنزر من أصل خزر، وهذا يعني أن النون في خنزير زائدة، وقد سُميّ هذا الحيوان بهذا الاسم لصفة في عينه كانكسار العين، أو ضيقها، أو لحول فيها. ولا يستبعد أن تكون النون قد أقحمت على الكلمة حال تضعيفها: خزّير، إذ يفك الإدغام بإقحام النون فتصبح خنزير، كما حدث في إجّاص وإنجاص، وقُفّذ وقنفذ وسبُّلة وسنبلة… وقد جاءت كلمة خنزير في الحبشيّة بالنون والخاء كالعربيّة وقد فُكّ الإدغام في الأكاديّة بإقحام الميم فقيل: كما فُكّ الإدغام بالباء في الأكاديّة أيضاً فقيل: . (41)
حلك / كلح / حكل / كحل ليست المعاني المتقاربة لمادة: حَلَك، وحكل، هي ما يلفت الانتباه، وإنما التقاؤها على المعنى نفسه، يقول ابن منظور: “في لسانه حُلْكة كحُكْلَة” فلا شك أن هذا نوع من القلب المكاني. والمعنى هو المعنى القديم للكلمة التي دار معها في شكلها الأصلي والمقلوب. وقد جاءت هذه المادة في كلّ من الأكاديّة والعبريّة من مادة حكل، ففي الأكاديّة eklitu وتعني الظلّمة أو الحُلْكة، كما دلت في كثير من اللغات الساميّة على ظلمة العين وسوادها وعَكَرها، ولعل مادة : كحل، على علاقة بتقلبات هذه المادة، ومن هنا جاءت دلالة كلمة الكُحْل وارتباطها بالعين في كلّ من العربيّة والحبشيّة والعبريّة، وأما حكلة اللسان فهي من باب حكلة العين أو حُلكتها، أي عدم سويتها في الرؤية، ومن باب كُلحة اللون، حين لا يحتفظ بأصله. |
- علة مجيء خبر المبتدأ جملة إنشائية* – أ.د. أبو أوس إبراهيم الشمسان
- هل (نِي) ضمير نصب للمتكلم؟ (1)* – أ.د. أبو أوس إبراهيم الشمسان
- الواو العاطفة والواو الجامعة* – أ.د. أبو أوس إبراهيم الشمسان
- معجم الإنسان وصفاته في المأثورات الشعبية* – أ.د. أبو أوس إبراهيم الشمسان
- هل الفصحى لغة مصطنعة (5)؟ – أ.د. أبو أوس إبراهيم الشمسان
- مفهوم الفصاحة عند فهد عاشور* – أ.د. أبو أوس إبراهيم الشمسان
- هل الفصحى لغة مصطنعة (4)؟ – أ.د. أبو أوس إبراهيم الشمسان
- هل الفصحى لغة مصطنعة؟ (3) – أ.د. أبو أوس إبراهيم الشمسان
- علة مجيء خبر المبتدأ جملة إنشائية* – أ.د. أبو أوس إبراهيم الشمسان
- هل الفصحى لغة مصطنعة؟ (2)* – أ.د. أبو أوس إبراهيم الشمسان
موقع مجمع اللغة العربية > مقالات > تأصيل الجذور اللغوية للمعجم .الحلقات (36)-(41) أ.د إسماعيل العمايرة
نوفمبر 30, 2012 6:37 م
تأصيل الجذور اللغوية للمعجم .الحلقات (36)-(41) أ.د إسماعيل العمايرة
وصلة دائمة لهذا المحتوى : https://www.m-a-arabia.com/site/2046.html
