جرت عادة الباحثين أن يقدموا المعاني اللغوية التي يتضمنها عنوان بحثهم ويقوموا بربطها فيما هم يرغبون في بحثه وبيانه، والحق أني بعد أن انتهيت من البحث كله أعدت النظر في العنوان فوجدت أن لا ضير من بيان المعنى اللغوي للفظة “الشهر ” الوارد جمعُها في العنوان لقد أشار الفيومي إلى الخلاف حول أصله قال : الشهر: قيل :مُعرَّب، وقيل: عربي مأخوذ من الشهرة وهي الانتشار، وقيل: الشهر الهلال سُمّيَ به لشهرته ووضوحه ثم سميت الأيام به [1] ولست أدري لماذا قال من قال: إنه معرَّبٌ، ففي معاجمنا اللغوية – كما رأينا- أقوال مستفيضة تفيد أن اللفظةَ عربية أصيلة، فالعرب لم يتركوا استعمالًا لهذا المعنى المتمثل بهذه اللفظة إلا استعملوه، فالشهرة تعني وضوحَ الأمر، يقال : شَهَرَه يَشهَرُه شَهْرًا وشُهرةً فاشتهَرَ، َويقال: شهَّره تشهيرًا واشتَهَرَه فاشتَهرَ، وامتد استعمالهم لهذه اللفظة فربطوها بالقمر لما له من ظهور ووضوح، في حياتهم العامة، فأطلقوا لفظة الشهرعلى القمر، قال صاحب اللسان: والشهرُ القمرُ، سُمِّي بذلك لشهرته وظهوره، وأضاف موضحًا العلاقةَ بين ظهور القمر وحقيقة الشهر الدالة على ابتدائه وانتهائه، قال: لأن الناسَ يَشهَرون دخولَه وخروجَه”[2].
والظاهر أن الملازمة بين دلالة الشهر والقمر لا تنفك في ذهن العربي فمتى أطلق الشهر أرادوا به القمر، قال ابن منظور نقلًا عن ابن الأثير: وتقول العرب: رأيت الشهرَ أي رأيت هلاله، “ونقل عن ابن الأعرابي قوله :يسمَّى القمرُ شهراً، لأنه يُشهَرُ به، والجمع أشهر وشهور “وذكر ابن منظور أحاديثَ نبويةً تدل على ارتباط الشهر بإهلاله وإسراره، من ذلك قوله -صلى الله عليه وسلم-: “صوموا الشهر وسِرَّه”، قال ابن الأثير: أراد صوموا أول الشهر وآخره، وثمة حديث آخر يظهر منه أن الشهر صار له عدد حسابي عند العرب، فهو تسع وعشرون، وذلك بناء على ظهور القمر وخفائه وحالاته ومنازله، يؤكد ذلك الحديثُ الشريفُ: الشهرُ تسع وعشرون ليلة، وفي رواية أخرى الشهر يكون تسعاً وعشرين ويكون ثلاثين [3]، فالحديثان الشريفان ينصان على أن لفظة الشهر- أي القمري – عند العرب صارت دالة على عدد حسابي، وهو المفهوم الشائع عندنا حتى الآن.
نخلص من ذلك كله إلى أنه لاداعي للقول بعُجمة كلمة “شهر” فالتصريف يبعدها عن العجمة، وليس فيها حروف قد تدفع إلى القول بعجمتها، وسيرورتها اللغوية التاريخية واضحة لم يعتر حروفها أو تراكيبها ما يدعو للقول بعجمتها.!
وعرض العلماء خلافًا آخر يتصل باستعمال العرب للشهر تمثلَ في قوله –تعالى-: “الحج أشهر معلومات”، فلفظة (أشهُر) على وزن (أفعُل)، فهو من جموع القلة وأقل الجمع ثلاثة، في حين أن أشهر الحج أقلُّ من ثلاثة، فهي شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة، فكيف جعلت جمعًا في الآية الكريمة؟ لقد أجاب الفراء عن ذلك قائلًا بعد إيراده الآية الكريمة”: الأشهر المعلومات من الحج شوال وذو القعدة وعَشر من ذي الحجة، وإنما جاز أن يقال: أشهر ـ وإنما هما شهران وعشر من ثالث، وذلك جائز في الأوقات، “وأورد ما يؤكد ذلك فقال: قال الله تعالى: “واذكروا الله في أيام معلومات فمن تعجّل في يومين”، وإنما يتعجل في يوم ونصف، وتقول العرب: له اليوم يومان لم أره، وإنما هو يوم وبعضُ آخر، قال: ليس هذا بجائز في غير المواقيت، لأن العرب قد تفعل الفعل في أقلَّ من الساعة ثم يوقعون على اليوم، ويقولون: زرته العامَ، وإنما زاره في يوم منه”[4]، وبهذا نتبين أن قولنا: “أشهر الحج” جائز مع كونها شهرين وعشرًا من ذي الحجة، هكذا طريق العرب في ذلك كما حدّثنا الفراء. (يتبع )
________
[1] – المصباح المنير ، شهر.
[2] – اللسان ، شهر.
[3] – الحديث عن ابن عمر “تتمته :الشهر تسع وعشرون ليلة لاتصوموا حتى تروه ولا تفطروا حتى تروه ، صحيح مسلم -كتاب الصيام –رقمه 1877وفي رواية أخرى : الشهر يكون تسعة وعشرين ويكون ثلاثين :انظر موقع الدرر السنية – الموسوعة الحديثية – صحيح البخاري 1909وكلا الحديثين نلحظ ارتباط الشهر بعدد حسابي قائم على ملاحظة القمر . حتى صرنا نطلق الآن عبارة “الشهور القمرية “.
[4] – اللسان، شهر.
