السائل (أبوعبدالملك النصري):
أستاذنا المحقق المبارك.
أحسن الله إليكم وزادكم من فضله.
لا يخفاكم أستاذنا المكرم ما دخل على جملة من مسائل علوم الآلة ومنها النحو من إطلاقات قد توهم المخالفة لعقيدة السلف الصالح، أو هي مبنية على أصول عقدية تخالف عقيدتهم.
وقد نبه بعض أهل العلم على إطلاقات في علم النحو والإعراب يحسن بطالب العلم المتبع للسلف التبه لها.
ومما وقفت عليه من ذلك:
– إعراب الاسم من أسماء الله تعالى حالة مجئيه من التوابع نعتاً لا بدلاً لأن النعت لا يكون إلا مشتقاً، وأسماء الله كلها مشتقة وهي أعلام وأوصاف خلافاً للمعتزلة.
– تعريف الكلام (في اللغة) حالة الإطلاق إنما هو: اللفظ المفيد أو اللفظ ذو المعنى، ومنه قول ابن فارس في المقاييس: بأنه يدل على نطق مفهِم، أما حالة التقييد فيتقيد بما قيد به كالكلام إشارة أو كتابة، وأما تعريفه بأنه في اللغة حالة الإطلاق: كل ما تحصل به الفائدة فهو من آثار بدعة الكلام النفسي.
فهلا أتحفتمونا بأمثلة لهذا المسلك، وهل هذان المثالان صحيحان له.
جزاكم الله خير الجزاء.
الإجابة:
أمّا أسماء الله فكلّها مشتقة متضمنة أوصاف الجلال والجمال والكمال، كما قال ابن القيم في (الكافية):
والوصف المشتقّ على نوعين، أحدهما: وصف استعمل استعمال العلميّة، كأبي بكر الصّديق، وعمر الفاروق، وحميد الطويل، وأحمد السّمين، هذه أوصاف غلب عليها الاستعمال حتى صارت أعلامًا، فإذا قلتَ: رضي الله عن الصّديق، لا تعرب (الصّديق) نعتًا لمنعوت محذوف، بل تعربه كما تعرب العلم، فإذا قلتَ: آمن أبو بكر الصّديق أعربته بدلاً أو عطف بيان، ولا يعرب نعتًا. وكذلك أسماء الله تعالى نحو: {هو الله الخالق البارئ المصور له الأسماء الحسنى}، الأسماء الثلاثة بعد لفظ الجلالة لا تثريب على من يعربها بدلاً ناظرًا إلى كونها أسماءً، وفي قوله سبحانه في الآية: {له الأسماء الحسنى} ما يُؤكّد هذا المعنى. وهكذا محمد ومحمود ومحسن أعلامٌ مشتقة منقولة، ومن أجل هذا المعنى، وهو العلمية الغالبة ذُهل ابن معطي رحمه الله في ألفيته فجعل اسم (محمد) علمًا مرتجلاً، وردّ عليه النحاة قوله. ومع هذا فالجزم بأنّ الأعلام كلّها منقولة، أو كلّها مرتجلة، أو منها مرتجل ومنقول هو من باب الظّنون التي لم يأتِ من جزم بواحد منها ببرهان يورث علم اليقين.
والحاصل: أنّ من أعرب أسماء الله فيما مثلنا به بدلاً للمعنى الذي ذكرناه فهو مصيب الصّواب، وهو أولى من إعرابها نعوتًا. وأما من أعربها بدلاً فرارًا من إثبات الصّفات إلى التعطيل فهو مخطئ في الاعتقاد، مصيبٌ لدى النحاة النّقاد. ولا تعارض بينهما لانفكاك الجهة.
والنوع الثاني: هو الوصف المشتقّ الذي لم يلزم منعوته، وهو الذي عناه ابن مالك في (الخلاصة) بقوله:
ولعلّه لو قال: كسهلٍ وذرِب، مكان (صعبٍ) لكان أولى في السلاسَة والفأل.
وأمّا مسألة الكلام، وهي الثانية: فأصل مادّته (الكَلَمْ)، وهو الأثر، وأثره نوعان، أثر يدرك بالبصر، وهو الكَلم والكلام، وهو الجرح. والثاني أثره بالسّمع، وهو الكلام الذي ينطق به.
وآلة الأول السِّنان وما في معناه، وآلة الثاني اللّسان وما يتبعه. وليس في كتب اللّغة المعتمدة حرف واحد يثبت أنّ الكلام يصحّ إطلاقه على ما ليس ملفوظًا به، ومثل ذلك الحديث والقول، فإذا سمّى ما عدا هذا المعنى بواحد من الثلاثة (الكلام، والقول، والحديث) فلا بدّ من قيدٍ يخرجه من معناه عند الإطلاق، ومن ذلك قوله سبحانه: {ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول}، ويقول القائل: حدثتني نفسي، كما قال:
إذا حدَّثتك النفس أنكَ قادِرٌ …….. على ما حوتْ أيدي الرِّجال فكذِّبِ
فقد برئ النحويّون والحمد لله من غائلة المسألتين ..وسأنبِّه في دروسي على (الألفية) على ما تيسَّر ممّا أردت، ومن ذلك تسمية الفعل المبني للمفعول بالفعل المبني للمجهول في نحو: {وخُلِق الإنسان ضعيفًا}، ومن الله نستمد القوّة والعون.
