السائل (أسئلة أهل التفسير):
سؤالٌ ورد من الزائر (ابن الطالب الأعجمي) هذا نصه:
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خير المرسلين
أما سؤالي, فأبدأ بمثال لكي يوضّح سؤالي إن شاء الله. إذا قلت هذه الجملة:
اكتب الرسالةَ واقرأ من الكتابِ والمقالةَ
نفهم منها أن القائل أراد:
اكتب الرسالةَ واقرأ (بعضَ) الكتاب و(اقرأ) المقالةَ فإن “المقالة” هنا ترجع إلى الفعل الأنى قبله, كما هو العادة في اللغة.
فإذا قلت أن القائل أراد:
اكتب الرسالةَ واقرأ (بعضَ) الكتاب و(اكتب) المقالةَ (عطفاً على اكتب)
ليقالُ أن هذا بعيداً, أليس كذلك؟
فها سؤالي: في قوله تعالى:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ
قيل أن “أيديكم” هو عطف على اغسلوا ولا امسحوا. أيْ, هو لا يرجع إلى ما هو أدنى منه, بل يرجع إلى ما أبعد من ذلك.
فهل توجد دلائل لغوية (أيْ من القرآن أو الحديث أو الشعر الجاهلي) تثبت هذا القول؟ أنه يرجع إلى ما هو أبعد مما هو أدنى منه؟
ولا أطلب منكم أحاديثَ عن الوضوء, بل دلائل لغوية لهذا القول.
ولله التوفيق.
الإجابة:
و عليكم السلامُ ورحمة الله وبَركاتُه
أكتُبُ الرِّسالةَ و أقرأُ مِن الكِتابِ والمَقالَةَ
1- يجوزُ ههنا أن نقولَ : والمَقالَةَ ، بدليل: العَطفِ على نيّةِ تَكْرارِ العامل، والتّقديرُ : أكتبُ الرّسالَةَ
و أقرأ من الكتابِ [وأكتبُ المَقالَةَ]
2- الوجه الثّاني: يَجوزُ في كلام العَرب العطفُ على الأوّل، وإن سبَقَتْه كلماتٌ معطوفٌ بعضُها على بعضٍ
ونقرأ هكذا: أكتبُ الرّسالَةَ و أقرأ من الكتابِ، والمَقالَةَ.
ودليلُ الوجه الثّاني قولُه تعالى : «فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ. وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ
و الْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ» [الروم/17]، فقولُه [حين تُظهِرونَ] معطوف على [حين تُصبحونَ] وبين المعطوف
والمعطوف عليْه فاصلٌ، والتقديرُ والله أعلَمُ: فسبحان الله حينَ تُمسونَ وحين تُصبحونَ وحينَ تُظهِرونَ
و مثلُ ذلك ما وَرَدَ في قَوله تَعالى: [هُوَ الذي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا
ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ» [غافر/67]
ألا تَرى أنّ: [يُخرجُكُم] معطوفةٌ على [خَلَقكُم] وليسَت معطوفةً على المُجاورِ لها قَبلَها [العلَقَة أو النطفَة]
فأنتَ ترى كيفَ أنّ هذا العطفَ على البَعيد، جائزٌ في كلامِ الله تَعالى ، ثمّ في كَلامِ العربِ. و فائدتُه تحصيلُ
مُشاركَةِ الثاني للأوّل في الإعراب ليُعلَمَ أنّه مثلُ الأوّل في الحُكم الإعرابيّ ، أي مثلُه في الفاعليّةِ أو المفعوليّةِ
وإن تَباعَدا في التّركيبِ ، وذلكَ ليتصلَ الكَلامُ بَعضُه ببعضٍ
والله أعلَمُ
أ.د. عبد الرحمن بودرع
نائب رئيس المجمع
