ومن هنا يتبين أن الاستشهاد أمر يختلف عن التقعيد، إذ يكون الاستشهاد للمطرد وللشاذ؛ وأما التقعيد فعلى ما جرى استعماله جمهرة العرب. فالاستشهاد لا يعدو إثبات استعمال كان في فترة الاحتجاج بالمسموع والمروي عنهم، وما تجاوز تلك الفترة فهو تمثيل يوافق ما استشهد به، وأما ما خالفه فهو لحن، ولذلك اختلف الموقف من مخالفات الشعراء فما كان في عصر الاحتجاج التمس تأويله أو حمل على الضرورة أو الشذوذ، وما كان في غير عصر الاحتجاج عدّ من اللحن.
ومن هنا يتبين أنه لا يقعد بكل قراءة وإن كانت سبعيّة، وقد يقعد بالقراءة الشاذة لموافقتها جمهرة الاستعمال، ولعل هذا ما يفهم من قول ابن جني في بيان غرضه من تأليف (المحتسب) "وضربًا [من القراءة] تعدى ذلك، فسماه أهل زماننا شاذًّا؛ أي: خارجًا عن قراءة القراء السبعة المقدم ذكرها، إلا أنه مع خروجه عنها نازع بالثقة إلى قرائه، محفوف بالروايات من أمامه وورائه، ولعله -أو كثيرًا منه- مساوٍ في الفصاحة للمجتمع عليه. نعم، وربما كان فيه ما تلطف صنعته، وتعنُف بغيره فصاحته، وتمطوه قوى أسبابه، وترسو به قَدَمُ إعرابه؛ ولذلك قرأ بكثير منه مَن جاذب ابن مجاهد عِنَان القول فيه، وماكَنَه عليه، ورادَّه إليه؛ كأبي الحسن أحمد بن محمد بن شَنَبوذ، وأبي بكر محمد بن الحسن بن مِقْسم، وغيرهما ممن أدى إلى رواية استقواها، وأنحى على صناعة من الإعراب رضيها واستعلاها. ولسنا نقول ذلك فسحًا بخلاف القراء المجتمع في أهل الأمصار على قراءاتهم، أو تسويغًا للعدول عما أقرته الثقات عنهم؛ لكن غرضنا منه أن نُرِي وجه قوة ما يسمى الآن شاذًّا، وأنه ضارب في صحة الرواية بِجِرانه، آخذ من سمت العربية مهلة ميدانه؛ لئلا يُرَى مرًى أن العدول عنه إنما هو غض منه، أو تهمة له"(7).
والذي يُنتهى إليه أن نصوص العربية في عصر الاستشهاد منها ما يستشهد به على ثبوت الاستعمال ولا يقاس عليه لمخالفته جمهرة الاستعمال، ومنها ما يستشهد به على ثبوت الاستعمال ويقاس عليه لموافقته جمهرة الاستعمال ويكون به التقعيد. فالاستشهاد عام والتقعيد خاص، وأما النصوص بعدُ فما وافق المقعد فهو مثال، وما خالفه فهو لحن.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــ
(1) ابن خالويه، الحجة في القراءات السبع، تحقيق: عبدالعال مكرم، ص242.
(2) السيوطي، الاقتراح، تحقيق: محمود فجال، ص 68.
(3) من لغات العرب لغة القصر وهي التزام الألف رفعًا ونصبًا وجرًّا.
(4) أي (أنْ) وهي عنعنة تميم، تنطق الهمزة عينًا.
(5) هي لغة الوكم، كسر الكاف من ضمير المخاطبين.
(6) الجواليقي، تكملة إصلاح ما تغلط به العامة، تحقيق:حاتم صالح الضامن، ص 46.
(7) ابن جني، المحتسب، 1: 32.
