فن الحكي والقص
من قديمٍ والحكي والقصُّ وسيلتان لتفريغ دواخل النفس، والتعبير عن مكنون الصدور، وما يَخْتلِجُ بها من آلام ومسرَّات، وساعات عسر، ولحظات نشوى، وذهب لذلك أناسٌ وكُتَّاب كثيرون رغمَ طغيانِ الشعر، وفرضه فرضًا لما كانت عليه طبقةُ الشعراء من مكانة؛ إذ منهم جلساءُ وندماء للملوكِ والسَّاسَة، وتأتي بمدائحهم المنافعُ، وتُيسَّر الأمور.
ولقد أنكر البعض ثبوتَ بدر القصة والحكي بأنواعه في البيئة العربية قديمًا؛ مُعلِّلاً أن الشعرَ أسبقُ وأبقى.
لكن من مقالة لها أدلة ومراجع للدكتور/ إبراهيم عوض بعنوان "متى عرف العرب فن القصة؟" يؤكد فيه أن فنَّ الحكي قديمٌ جدًّا، ودلَّل بأمثلة كثيرة، وهي على سبيل الذكر لا الحصر:
"إن بعض الدارسين يَميلون إلى القول بأن القصة أحدُ الفنون الأدبية الطارئة على الأدب العربي، استمدَّها من الآداب الغربية في هذا العصر، والحقُّ - وخصوصًا بعد أن قرأنا ما قرأناه في المواد الثلاث الماضيات - أن هذا الرأي رأي فطير مُتسرِّع، ففي التراث الأدبي الذي خلَّفه لنا أسلافُنا قَصص كثير؛ منه الدينيُّ، ومنه السياسيُّ، ومنه الاجتماعيُّ، ومنه الفلسفيُّ، ومنه الوعظيُّ، ومنه الأدبيُّ، ومنه ما وضع للتسلية ليس إلا، ومنه الواقعي، ومنه الرمزيُّ، ومنه المسجوعُ المُجنَّس، ومنه المسترسلُ، ومنه المُحتفَى بلغته، والبسيطُ المنساب، ومنه الطويلُ؛ مثل: "رسالة النمر والثعلب"؛ لسهل بن هارون (ت 215هـ)، و"رسالة التوابع والزوابع"؛ لابن شهيد (382 - 426هـ)، و"رسالة الغفران"، و"رسالة الصاهل والشاحج"؛ للمعري (363 - 449هـ)، و"سلامان وأبسال" و"رسالة الطير"؛ لابن سينا (370 - 427هـ)، و"رسالة حي بن يقظان"؛ لكلٍّ من ابن سينا وابن الطفيل (ت 581هـ)، والسهروردي (549 - 587هـ)، وقصص "ألف ليلة وليلة"، و"سيرة عنترة"، و"سيرة سيف بن ذي يزن"، ومنه القصيرُ؛ كالحكايات التي تغصُّ بها كتب الأدب والتاريخ المختلفة، وجمع طائفة كبيرة منها: محمد أبو الفضل إبراهيم، وعلي محمد البجاوي، ومحمد أحمد جاد المولى في أربعةِ مُجلَّدات كبارٍ، و"كليلة ودمنة"؛ لابن المقفَّع (ت146هـ)، و"البخلاء"؛ للجاحظ (163 - 255هـ)، و"الفرج بعد الشدة"، و"نشوار المحاضرة"؛ للقاضي التنوخي (327 - 384هـ)، و"المقامات"، و"عرائس المجالس"؛ للثَّعَالبي (350 - 429هـ)، و"مصارع العشاق"؛ للسراج القاري (417 - 500هـ)، و"سلوان المطاع في عدوان الأتباع"؛ لابن ظفر الصقلي (ت 565هـ)، و"المكافأة"؛ لابن الداية (ت 340هـ)، و"غرر الخصائص الواضحة وعرر النقائص الفاضحة"؛ للوطواط (632 - 719هـ)، و"المستطرف من كل فن مستظرف"؛ للأبشيهي (790 - 852هـ)، و"عجائب المقدور في أخبار تيمور"، و"فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء"؛ لابن عربشاه (791 - 854هـ)، وبعض قصصِ "ألف ليلة وليلة" أيضًا، وما ذكره ابن النَّديم في "الفهرست" من كتب الأسمار الخرافية التي تُرجمت عن الفارسية والهندية واليونانية، أو رُوِيت عن ملوك بابل، أو أُلِّفت بالعربية، فكانت حوالي مائة وأربعين كتابًا، المؤلف منها بلسان العرب فقط نحو ثمانين كتابًا، كلها في أخبار العُشاق في الجاهلية والإسلام، ودعنا مما أُلِّف بعد ذلك...، ومنه النثري كالأمثلة السابقة، والشعري كشعر الشَّنْفَرَى عن لقائه بالغول، وقصيدة الحُطَيْئة: "وطاوي ثلاث عاصب البطن مرمل"، وكثير من قصائد عمر بن أبي ربيعة، وأبيات الفرزدق عن الذئب، ورائية بشار، ومغامرات أبي نواس الخمرية، وقصيدة المتنبي عن مصارعة بدر بن عمار للأسد...، وهَلُمَّ جرًّا.
وردًّا له عن اتهام ثانٍ للعرب بأنهم تَنقُصُهم العاطفةُ والخيال العميق في سرد قصة، وصف ذلك على أنه سخفٌ واستخفاف.
وسوف أتولى الردَّ من باب الغيرة على عربيَّتي، ولغتي السامية العالية، التي خطَّ المولى بها أعظمَ الكتب السماوية على الإطلاق، وصدر لنا خير القصص؛ إن العرب لديهم من الحسِّ المُرْهَفِ الذي يُؤهِّلهم ككُتَّاب وصنَّاع قصةٍ ورواية، أو أي جنس أدبي يُسايرُ فنَّ القصِّ أن يُبدعوا، ويتألَّقُوا، وتكونَ لهم الغَلَبة في فنِّهم هذا؛ الذي ادَّعى كُتَّاب الغرب أنهم مَن صدَّروه إلينا.
وتعزيزًا لما أكتب أذكر قولاً من نفس المقال؛ للأستاذ الدكتور إبراهيم عوض:
" فللأدب العربي قصص ذو صبغة خاصة به وإطار مرسوم له، وهو يصور نفسية المجتمع العربي وخلاله، فلا يقصر في التصوير، وإننا لنشهدُ فيه ملامحنا وسِماتنا وضَّاحة، وكأننا لم نفقد في مجتمعنا العربي حتى اليوم ما يكشف عنه ذلك القصص من ملامح وسمات، على الرغم من تعاقُب العصور وتطاول الآماد، وهو في جوهره وثيق الصلة بالوشائجِ الإنسانيَّة التي هي جوهر القصص الفني، وإن تبايَنت الصياغةُ واختلف الإطار".
وأنا لا أثبتُ ذلك لنفي تهمةٍ، ولكن لإثبات كَذِبة من كذبات بعض كتَّاب الأدب الغربي؛ إذ يرون أن كلَّ فن مَردُّه إليهم، والحقيقةُ أن العرب صُنَّاع البيان؛ ولو لم يكونوا كذلك لَمَا أنزل الله معجزةَ الدهر الخالدة في أمة تُبدِعُ في العربية والبيان!
وخروجًا من تلك الجزئية المنصفة، حتى ولو تَقوَّلُوا علينا بعضَ الأقاويل، سوف أرجع إلى ما جعلني أكتب مقالي بعون الله تعالى وتوفيقه:
فلو تطرقنا لجنسَيْنِ أدبيَّيْنِ من أجناس فنِّ القصة، وهما: (القصة القصيرة، والرواية) لوجدنا أن كلا الجنسَيْنِ أبدَع فيهما الكُتَّاب العرب، وعلا بكتاباتهم البيانُ، وزَخَرت المكتباتُ العربية بأمَّهات القصص والروايات، التي تَشهَدُ بمواكبة العرب لكلِّ فنٍّ وكلِّ جنس مُستحدَثٍ في سماء الفكر الإنساني.
وما قاله كاتبُنا السالفُ ذكره؛ د. إبراهيم عوض، بشأن القصة - عزَّز مكانةَ العرب وحضورَهم حتى في مجال الرواية؛ حيث قال نصًّا: " ينبغي أن نقرأ ما أكَّده فاروق خورشيد في كتابه: "في الرواية العربية"، من أن "العلماء مُجْمعون على أن العرب في الجاهلية كانت لهم قصص كثيرة ومتعددة؛ فقد كانوا مشغوفين بالتاريخ والحكايات التي تدور حول أجدادهم، وملوكهم، وفرسانهم، وشعرائهم، وكتاب "الأغاني"؛ لأبي الفرج الأصفهاني يكاد يكون ذخيرةً كاملةً من القصص الذي تتناقَله الناس عن شعرائهم ومجالسهم وملوكهم...، وليس كتاب "الأغاني" هو المرجع الوحيد في هذا، بل إن المكتبة العربية غنية بأمثال "الأمالي"، و"صُبح الأعشى"، و"العقد الفريد"، و"الشعر والشعراء"، وكتب التراجِم والطبقات، بما لا يدع مجالاً للشك في أن الفن القصصي قد تناول الحياة الجاهلية في كل مظاهرها، إلا أن الدارسين المُحْدَثين رفضوا بكل بساطة أن يَعتبروا هذه القصص فنًّا نثريًّا مميزًا، له أصوله الجاهلية، واعتمدوا في هذا على أن كل هذه الكتب إنما دُوِّنت في العصر العباسي الذي يبعد بعدًا زمنيًّا كبيرًا عن العصر الجاهلي"، ويمضي فاروق خورشيد مبيِّنًا أن الذين قاموا بتدوين أخبار الجاهليِّين في العصر العباسي، قد اعتمدوا - إلى جانب الرواية والحفظ - على ما خلَّفته الجاهلية من كتابات ومُدوَّنات؛ إذ كان التدوين والكتاب معروفين عند الجاهليين، "فقد يكون من المعقول" كما يقول "أن ينقل الراوي قصيدة شعر، أما أحداث تاريخ وحكاية حياة، فهذه تحتاج إلى تدوين في نقلها"، بل إنه ليرى أن "الفن الجاهلي الأول، كان هو القصة والرواية، أما ما عدا هذا من صور؛ كالخطابة والسجع، فلا تعدو أن تكون استجابةً لحاجة مؤقتة من حاجات الحياة، ودرْسها أقرب إلى درس اللغة منه إلى درْس الأدب"، ومن كلام خورشيد هذا نخرج بأن عرب الجاهلية لم يكونوا يعتمدون في حِفظ قَصصهم على الذاكرة فقط، بل على الكتابة في المقام الأول".
من قديمٍ والحكي والقصُّ وسيلتان لتفريغ دواخل النفس، والتعبير عن مكنون الصدور، وما يَخْتلِجُ بها من آلام ومسرَّات، وساعات عسر، ولحظات نشوى، وذهب لذلك أناسٌ وكُتَّاب كثيرون رغمَ طغيانِ الشعر، وفرضه فرضًا لما كانت عليه طبقةُ الشعراء من مكانة؛ إذ منهم جلساءُ وندماء للملوكِ والسَّاسَة، وتأتي بمدائحهم المنافعُ، وتُيسَّر الأمور.
ولقد أنكر البعض ثبوتَ بدر القصة والحكي بأنواعه في البيئة العربية قديمًا؛ مُعلِّلاً أن الشعرَ أسبقُ وأبقى.
لكن من مقالة لها أدلة ومراجع للدكتور/ إبراهيم عوض بعنوان "متى عرف العرب فن القصة؟" يؤكد فيه أن فنَّ الحكي قديمٌ جدًّا، ودلَّل بأمثلة كثيرة، وهي على سبيل الذكر لا الحصر:
"إن بعض الدارسين يَميلون إلى القول بأن القصة أحدُ الفنون الأدبية الطارئة على الأدب العربي، استمدَّها من الآداب الغربية في هذا العصر، والحقُّ - وخصوصًا بعد أن قرأنا ما قرأناه في المواد الثلاث الماضيات - أن هذا الرأي رأي فطير مُتسرِّع، ففي التراث الأدبي الذي خلَّفه لنا أسلافُنا قَصص كثير؛ منه الدينيُّ، ومنه السياسيُّ، ومنه الاجتماعيُّ، ومنه الفلسفيُّ، ومنه الوعظيُّ، ومنه الأدبيُّ، ومنه ما وضع للتسلية ليس إلا، ومنه الواقعي، ومنه الرمزيُّ، ومنه المسجوعُ المُجنَّس، ومنه المسترسلُ، ومنه المُحتفَى بلغته، والبسيطُ المنساب، ومنه الطويلُ؛ مثل: "رسالة النمر والثعلب"؛ لسهل بن هارون (ت 215هـ)، و"رسالة التوابع والزوابع"؛ لابن شهيد (382 - 426هـ)، و"رسالة الغفران"، و"رسالة الصاهل والشاحج"؛ للمعري (363 - 449هـ)، و"سلامان وأبسال" و"رسالة الطير"؛ لابن سينا (370 - 427هـ)، و"رسالة حي بن يقظان"؛ لكلٍّ من ابن سينا وابن الطفيل (ت 581هـ)، والسهروردي (549 - 587هـ)، وقصص "ألف ليلة وليلة"، و"سيرة عنترة"، و"سيرة سيف بن ذي يزن"، ومنه القصيرُ؛ كالحكايات التي تغصُّ بها كتب الأدب والتاريخ المختلفة، وجمع طائفة كبيرة منها: محمد أبو الفضل إبراهيم، وعلي محمد البجاوي، ومحمد أحمد جاد المولى في أربعةِ مُجلَّدات كبارٍ، و"كليلة ودمنة"؛ لابن المقفَّع (ت146هـ)، و"البخلاء"؛ للجاحظ (163 - 255هـ)، و"الفرج بعد الشدة"، و"نشوار المحاضرة"؛ للقاضي التنوخي (327 - 384هـ)، و"المقامات"، و"عرائس المجالس"؛ للثَّعَالبي (350 - 429هـ)، و"مصارع العشاق"؛ للسراج القاري (417 - 500هـ)، و"سلوان المطاع في عدوان الأتباع"؛ لابن ظفر الصقلي (ت 565هـ)، و"المكافأة"؛ لابن الداية (ت 340هـ)، و"غرر الخصائص الواضحة وعرر النقائص الفاضحة"؛ للوطواط (632 - 719هـ)، و"المستطرف من كل فن مستظرف"؛ للأبشيهي (790 - 852هـ)، و"عجائب المقدور في أخبار تيمور"، و"فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء"؛ لابن عربشاه (791 - 854هـ)، وبعض قصصِ "ألف ليلة وليلة" أيضًا، وما ذكره ابن النَّديم في "الفهرست" من كتب الأسمار الخرافية التي تُرجمت عن الفارسية والهندية واليونانية، أو رُوِيت عن ملوك بابل، أو أُلِّفت بالعربية، فكانت حوالي مائة وأربعين كتابًا، المؤلف منها بلسان العرب فقط نحو ثمانين كتابًا، كلها في أخبار العُشاق في الجاهلية والإسلام، ودعنا مما أُلِّف بعد ذلك...، ومنه النثري كالأمثلة السابقة، والشعري كشعر الشَّنْفَرَى عن لقائه بالغول، وقصيدة الحُطَيْئة: "وطاوي ثلاث عاصب البطن مرمل"، وكثير من قصائد عمر بن أبي ربيعة، وأبيات الفرزدق عن الذئب، ورائية بشار، ومغامرات أبي نواس الخمرية، وقصيدة المتنبي عن مصارعة بدر بن عمار للأسد...، وهَلُمَّ جرًّا.
وردًّا له عن اتهام ثانٍ للعرب بأنهم تَنقُصُهم العاطفةُ والخيال العميق في سرد قصة، وصف ذلك على أنه سخفٌ واستخفاف.
وسوف أتولى الردَّ من باب الغيرة على عربيَّتي، ولغتي السامية العالية، التي خطَّ المولى بها أعظمَ الكتب السماوية على الإطلاق، وصدر لنا خير القصص؛ إن العرب لديهم من الحسِّ المُرْهَفِ الذي يُؤهِّلهم ككُتَّاب وصنَّاع قصةٍ ورواية، أو أي جنس أدبي يُسايرُ فنَّ القصِّ أن يُبدعوا، ويتألَّقُوا، وتكونَ لهم الغَلَبة في فنِّهم هذا؛ الذي ادَّعى كُتَّاب الغرب أنهم مَن صدَّروه إلينا.
وتعزيزًا لما أكتب أذكر قولاً من نفس المقال؛ للأستاذ الدكتور إبراهيم عوض:
" فللأدب العربي قصص ذو صبغة خاصة به وإطار مرسوم له، وهو يصور نفسية المجتمع العربي وخلاله، فلا يقصر في التصوير، وإننا لنشهدُ فيه ملامحنا وسِماتنا وضَّاحة، وكأننا لم نفقد في مجتمعنا العربي حتى اليوم ما يكشف عنه ذلك القصص من ملامح وسمات، على الرغم من تعاقُب العصور وتطاول الآماد، وهو في جوهره وثيق الصلة بالوشائجِ الإنسانيَّة التي هي جوهر القصص الفني، وإن تبايَنت الصياغةُ واختلف الإطار".
وأنا لا أثبتُ ذلك لنفي تهمةٍ، ولكن لإثبات كَذِبة من كذبات بعض كتَّاب الأدب الغربي؛ إذ يرون أن كلَّ فن مَردُّه إليهم، والحقيقةُ أن العرب صُنَّاع البيان؛ ولو لم يكونوا كذلك لَمَا أنزل الله معجزةَ الدهر الخالدة في أمة تُبدِعُ في العربية والبيان!
وخروجًا من تلك الجزئية المنصفة، حتى ولو تَقوَّلُوا علينا بعضَ الأقاويل، سوف أرجع إلى ما جعلني أكتب مقالي بعون الله تعالى وتوفيقه:
فلو تطرقنا لجنسَيْنِ أدبيَّيْنِ من أجناس فنِّ القصة، وهما: (القصة القصيرة، والرواية) لوجدنا أن كلا الجنسَيْنِ أبدَع فيهما الكُتَّاب العرب، وعلا بكتاباتهم البيانُ، وزَخَرت المكتباتُ العربية بأمَّهات القصص والروايات، التي تَشهَدُ بمواكبة العرب لكلِّ فنٍّ وكلِّ جنس مُستحدَثٍ في سماء الفكر الإنساني.
وما قاله كاتبُنا السالفُ ذكره؛ د. إبراهيم عوض، بشأن القصة - عزَّز مكانةَ العرب وحضورَهم حتى في مجال الرواية؛ حيث قال نصًّا: " ينبغي أن نقرأ ما أكَّده فاروق خورشيد في كتابه: "في الرواية العربية"، من أن "العلماء مُجْمعون على أن العرب في الجاهلية كانت لهم قصص كثيرة ومتعددة؛ فقد كانوا مشغوفين بالتاريخ والحكايات التي تدور حول أجدادهم، وملوكهم، وفرسانهم، وشعرائهم، وكتاب "الأغاني"؛ لأبي الفرج الأصفهاني يكاد يكون ذخيرةً كاملةً من القصص الذي تتناقَله الناس عن شعرائهم ومجالسهم وملوكهم...، وليس كتاب "الأغاني" هو المرجع الوحيد في هذا، بل إن المكتبة العربية غنية بأمثال "الأمالي"، و"صُبح الأعشى"، و"العقد الفريد"، و"الشعر والشعراء"، وكتب التراجِم والطبقات، بما لا يدع مجالاً للشك في أن الفن القصصي قد تناول الحياة الجاهلية في كل مظاهرها، إلا أن الدارسين المُحْدَثين رفضوا بكل بساطة أن يَعتبروا هذه القصص فنًّا نثريًّا مميزًا، له أصوله الجاهلية، واعتمدوا في هذا على أن كل هذه الكتب إنما دُوِّنت في العصر العباسي الذي يبعد بعدًا زمنيًّا كبيرًا عن العصر الجاهلي"، ويمضي فاروق خورشيد مبيِّنًا أن الذين قاموا بتدوين أخبار الجاهليِّين في العصر العباسي، قد اعتمدوا - إلى جانب الرواية والحفظ - على ما خلَّفته الجاهلية من كتابات ومُدوَّنات؛ إذ كان التدوين والكتاب معروفين عند الجاهليين، "فقد يكون من المعقول" كما يقول "أن ينقل الراوي قصيدة شعر، أما أحداث تاريخ وحكاية حياة، فهذه تحتاج إلى تدوين في نقلها"، بل إنه ليرى أن "الفن الجاهلي الأول، كان هو القصة والرواية، أما ما عدا هذا من صور؛ كالخطابة والسجع، فلا تعدو أن تكون استجابةً لحاجة مؤقتة من حاجات الحياة، ودرْسها أقرب إلى درس اللغة منه إلى درْس الأدب"، ومن كلام خورشيد هذا نخرج بأن عرب الجاهلية لم يكونوا يعتمدون في حِفظ قَصصهم على الذاكرة فقط، بل على الكتابة في المقام الأول".
محمد صادق عبد العال
.
