تكاد الدراسات التي تعرضت للفارسي تجمع على أن أبرز سمة تميز أسلوب الفارسي هي سمة النقد النحوي، والتي تتمثل في الاعتراضات والجواب عليها، والذي يطالع كتب الفارسي يجدها زاخرة بعدد هائل من الاعتراضات النحوية، والصـرفية، واللغوية على أغلبية النحاة السابقين والمعاصرين له، تلكم الذخيرة، وذلكم الازدحام في المناقشات والأبحاث قد أذهلني بما امتلكه أبو علي من ملكات الجدال وآلات الاستدلال، وما تربع عليه من سلطان البرهنة، والاحتجاج.
وفي هذه السلسلة سوف أحاول بحول الله أن أظهر قدرًا كبيرًا من ملامح النقد النحوي عند أبي علي من خلال عرض مسائل جرت بينه وبين النحاة السابقين عليه والمعاصرين له يتجلى فيها أبرز سمات النقد لديه بإذن الله تعالى:
بين الفارسي وعمرو بن عبيد البصري:
تناول الفارسي نحو ابن عبيد بالنقد في قضية (لغةُ الهَمْزِ في ألف المدِّ اللازم)، حيث قرأ عمرو بن عبيد قوله تعالى : (فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَأَنٌّ)بهمز (جانٍّ) هكذا (جَأَنٌّ)، حيث حرَّك الألف لالتقاء الساكنين ، فصارت همزة، وهذا الوجه حكاه أبو زيد عن عمرو بن عبيد.
قال ابن جني : «وحكى أبو العباس محمد بن يزيد، عن أبي عثمان ، عن أبي زيد، قال : سمعت عمرو بن عبيد يقرأ : (فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَأَنٌّ) قال أبو زيد: فظننته قد لحن إلى أن سمعت العرب تقول : دَأَبَّةً ومأَدَّةً وشَأَبَّةً» .
وقد اعتبر الفارسي هذا الوجه المحكي عن عمرو بن عبيد وجهًا مرفوضًا شاذًّا قليلًا ، غير مقيس، ونقل قول المبرد للمازني : «قلت أنا لأبي عثمان : أتقيسُ هذا؟ فقال : لا ، ولا أقبله».
ثم قال أبو علي: «والقول فيه ما قال أبو عثمان».
وقد اعتمد مسلكُ أبي علي في الاعتراض هنا على أصول قياسية تردُّ هذا الذي حكاه أبو زيد عن عمرو بن عبيد ؛ لأنه يؤدي إلى ما هو مرفوض، وما كان كذلك مؤديًا إلى مرفوض متروك من كلام العرب علم أنه ليس بالقوي .
أما الأصل الأول؛ فمرده إلى أن قياس هذا الذي حكاه أبو زيد من قراءة (جَأَنٍّ) بالهمز، أن تُحرَّك (ياء) التحقير في (أصَيْمٍّ) ، وهي لا تتحرك أبدًا، وإذا حُركت الألف مع زيادة المدة التي فيها، وكونها عوضًا عن الحركة فتحريك الياء أجدر؛ لأنها أقل مدًّا، فإذا أدَّى قياسه إلى هذا دلَّ على خلاف ما عليه مذاهبهم.
وأما الأصل الثاني: فمرده إلى أن قياس ما حكاه أبو زيد – معضدًا قراءة عمرو بن عبيد – من أنه سمع العرب تقول: (دَأَبَّة) و (شَأَبَّة) ونحو ذلك ، فيهمزون، أن تقول : (تُمُوْدَّ الثوبُ) بالضم على حرف اللين، وهي لا تتحرك أبدًا، بدليل قولهم: مخْبُوٌّ ومَقرُوٌّ، فيجرون هذا النحو مجرى (مغْزُوٍّ)، ولا يجعلونه مثل (يَغْزُوَ بَاك)، بتخفيف (أباك)، وهذا القياس يرفضه أبو علي؛ لأنه لو ساغ لساغ أن تُلقي عليه حركة الهمزة في التخفيف، وهو ما لم يقل به أحد، على حد قوله: «وهذا ما لا نعلم أحدًا حكاه».
ويناقش الرضى الاستراباذي التقاء الساكنين في (دَابَّةٍ) و (تُمُودَّ) فيقول : «فإن قيل: فالتقاء الساكنين في نحو (دابة) أسهل من نحو (تُمُودَّ الثوب)؛ لأن الألف أقعد في المد من أخويه، فلِمَ لم يفر من الساكنين في تُمُودَّ؟
فالجواب : أنه وإن كان أثقل إلا أنه أقل في كلامهم من نحو : (دابَّة وشابَّة)، وإنما قلبت الألف همزة دون الواو والياء؛ لاستثقالهما متحركين مفتوحًا ما قبلهما» .
ويسلك أبو علي في اعتراضه مسلك الاحتجاج الفَرضي، ومفاده أنه إن قيل: إن سيبويه نقل عن بعض العرب قولهم: (رأيت رَجُلأْ) فيهمز الألف التي هي بدل من التنوين، فهلا دلَّ ذلك على قوة ما حكاه أبو زيد وذهب إليه؟
ويجيب : بأن هذه اللغة التي حكاها سيبويه أقوى في الاستعمال والقياس من قولهم (دَأَبَّةً) ونحوها؛ لأنه موضع وقف، والحرف الموقوف عليه تلحقه ضروب من التغيير لا تلحق في الإدراج، وليس حرف اللين في (دَابَّة) ونحوها في موضع وقف فيستجاز فيه هذا التغيير بالبدل.
وقد جمع أبو علي في جوابه هذا بين التعليل والاحتجاج على وَهَنِ هذا النوع من الهمز، إضافة إلى ضعفه من جهة القياس وشذوذه من جهة الاستعمال .
وقد مال أبو الفتح بن جني إلى عَدِّ هذا الذي سمعه عمرو بن عبيد من العرب لغةً ؛حيث أورد في خصائصه – في معرض الكلام على شواذ الهمز – نوعًا من الهمز جاء من غير أصل له ، ولا إبدال دعا قياسٌ إليه؛ قال فيه ابن جني : «وهو كثير» ، ثم أخذ يورد شواهد كثيرة من هذا الباب مردفًا ذلك بقوله: «وأنا أرى ما ورد عنهم من همز الألف الساكنة في (بأز، وسأق، وتأبل) ونحو ذلك إنما هو عن تطرق وصنعة و ليس اعتباطًا هكذا من غير مُسكة؛ وذلك أنه قد ثبت عندنا من عدة أوجه أن الحركة إذا جاورت الحرف الساكن فكثيرًا ما تجريها العرب مجراها فيه، فيصير لجواره إياها كأنه محرك بها، فإذا كان كذلك فكأن فتحة باء( بَأَزَ) إنما هي في نفس الألف ،فالألف لذلك وعلى هذا التنزيل كأنها محركة، وإذا تحركت الألف انقلبت همزة».
ثم أورد على أثر نقلهِ حكايةَ أبي زيد بعضَ الشواهد التي جاء فيها همزُ الألف ، وكأنه يدلل بذلك على أن ما قرأ به ابن عبيد لغة قياسية، وفي ذلك قال :
«وقال كُثَيِّرٌ:
*إذا ما العَوَالي بالعَبِيطِ احْمَأَرَّتِ*
يريد : احْمَارَّتِ، وقال أيضًا :
وللأرض أما سُودُها فتَجَلَّلتْ بياضًا وأما بِيْضُها فاسْوَأَدَّتِ»
ولعل ما أورده ابن جني من شواهد كثيرة معضدًا بها هذه اللغة هو ما جعل الزمخشـريَّ يقول: «وهذه لغة من جَدَّ في الهرب من التقاء الساكنين» ،وجعل أبا حيان يقول: «وعلى ما قال أبو الفتح أنها لغة ينبغي أن ينقاس ذلك» ، وهو ما ذهب إليه ابن الحاجب كما عزاه إليه الرضي.
وجعل الزمخشري في "المفصل" هذا النوع من الهمز غير مطرد؛ حيث قال:
«وغير المطرد إبدالها من الألف نحو: دَأبَّة وشَأبَّة وابيأضَّ».
قال ابن يعيش: «قالوا: دَأَبَّة وشَأَبَّة في دابَّة وشابَّة ، فهمزوا الألف، كأنهم كرهوا اجتماع الساكنين، فحركت الألف لالتقاء الساكنين فانقلبت همزة؛ لأن الألف حرف ضعيف واسع المخرج لا يحتمل الحركة ، فإذا اضطروا إلى تحريكه قلبوه إلى أقرب الحروف إليه وهو الهمزة».
وقال السمين الحلبي : «والظاهر أنها لغة مطردة».
فابن جني يرى أن هذا الذي عده الصرفيون من شواذ الهمز، وأنه مما ارتجلته العرب ولا أصل له من قياس أو سماع ، ليس على هذا النحو الذي رأوه، بل هو مستند إلى صنعة وحِذق، ولم يصدر عن العرب اعتباطًا ، بينما رأى أبو علي أن هذا النوع من الهمز شاذ ضعيف لاستحالته إلى قياس بعيد وإفضائه إلى ما لم تنطق العرب به.
وفي هذه السلسلة سوف أحاول بحول الله أن أظهر قدرًا كبيرًا من ملامح النقد النحوي عند أبي علي من خلال عرض مسائل جرت بينه وبين النحاة السابقين عليه والمعاصرين له يتجلى فيها أبرز سمات النقد لديه بإذن الله تعالى:
بين الفارسي وعمرو بن عبيد البصري:
تناول الفارسي نحو ابن عبيد بالنقد في قضية (لغةُ الهَمْزِ في ألف المدِّ اللازم)، حيث قرأ عمرو بن عبيد قوله تعالى : (فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَأَنٌّ)بهمز (جانٍّ) هكذا (جَأَنٌّ)، حيث حرَّك الألف لالتقاء الساكنين ، فصارت همزة، وهذا الوجه حكاه أبو زيد عن عمرو بن عبيد.
قال ابن جني : «وحكى أبو العباس محمد بن يزيد، عن أبي عثمان ، عن أبي زيد، قال : سمعت عمرو بن عبيد يقرأ : (فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَأَنٌّ) قال أبو زيد: فظننته قد لحن إلى أن سمعت العرب تقول : دَأَبَّةً ومأَدَّةً وشَأَبَّةً» .
وقد اعتبر الفارسي هذا الوجه المحكي عن عمرو بن عبيد وجهًا مرفوضًا شاذًّا قليلًا ، غير مقيس، ونقل قول المبرد للمازني : «قلت أنا لأبي عثمان : أتقيسُ هذا؟ فقال : لا ، ولا أقبله».
ثم قال أبو علي: «والقول فيه ما قال أبو عثمان».
وقد اعتمد مسلكُ أبي علي في الاعتراض هنا على أصول قياسية تردُّ هذا الذي حكاه أبو زيد عن عمرو بن عبيد ؛ لأنه يؤدي إلى ما هو مرفوض، وما كان كذلك مؤديًا إلى مرفوض متروك من كلام العرب علم أنه ليس بالقوي .
أما الأصل الأول؛ فمرده إلى أن قياس هذا الذي حكاه أبو زيد من قراءة (جَأَنٍّ) بالهمز، أن تُحرَّك (ياء) التحقير في (أصَيْمٍّ) ، وهي لا تتحرك أبدًا، وإذا حُركت الألف مع زيادة المدة التي فيها، وكونها عوضًا عن الحركة فتحريك الياء أجدر؛ لأنها أقل مدًّا، فإذا أدَّى قياسه إلى هذا دلَّ على خلاف ما عليه مذاهبهم.
وأما الأصل الثاني: فمرده إلى أن قياس ما حكاه أبو زيد – معضدًا قراءة عمرو بن عبيد – من أنه سمع العرب تقول: (دَأَبَّة) و (شَأَبَّة) ونحو ذلك ، فيهمزون، أن تقول : (تُمُوْدَّ الثوبُ) بالضم على حرف اللين، وهي لا تتحرك أبدًا، بدليل قولهم: مخْبُوٌّ ومَقرُوٌّ، فيجرون هذا النحو مجرى (مغْزُوٍّ)، ولا يجعلونه مثل (يَغْزُوَ بَاك)، بتخفيف (أباك)، وهذا القياس يرفضه أبو علي؛ لأنه لو ساغ لساغ أن تُلقي عليه حركة الهمزة في التخفيف، وهو ما لم يقل به أحد، على حد قوله: «وهذا ما لا نعلم أحدًا حكاه».
ويناقش الرضى الاستراباذي التقاء الساكنين في (دَابَّةٍ) و (تُمُودَّ) فيقول : «فإن قيل: فالتقاء الساكنين في نحو (دابة) أسهل من نحو (تُمُودَّ الثوب)؛ لأن الألف أقعد في المد من أخويه، فلِمَ لم يفر من الساكنين في تُمُودَّ؟
فالجواب : أنه وإن كان أثقل إلا أنه أقل في كلامهم من نحو : (دابَّة وشابَّة)، وإنما قلبت الألف همزة دون الواو والياء؛ لاستثقالهما متحركين مفتوحًا ما قبلهما» .
ويسلك أبو علي في اعتراضه مسلك الاحتجاج الفَرضي، ومفاده أنه إن قيل: إن سيبويه نقل عن بعض العرب قولهم: (رأيت رَجُلأْ) فيهمز الألف التي هي بدل من التنوين، فهلا دلَّ ذلك على قوة ما حكاه أبو زيد وذهب إليه؟
ويجيب : بأن هذه اللغة التي حكاها سيبويه أقوى في الاستعمال والقياس من قولهم (دَأَبَّةً) ونحوها؛ لأنه موضع وقف، والحرف الموقوف عليه تلحقه ضروب من التغيير لا تلحق في الإدراج، وليس حرف اللين في (دَابَّة) ونحوها في موضع وقف فيستجاز فيه هذا التغيير بالبدل.
وقد جمع أبو علي في جوابه هذا بين التعليل والاحتجاج على وَهَنِ هذا النوع من الهمز، إضافة إلى ضعفه من جهة القياس وشذوذه من جهة الاستعمال .
وقد مال أبو الفتح بن جني إلى عَدِّ هذا الذي سمعه عمرو بن عبيد من العرب لغةً ؛حيث أورد في خصائصه – في معرض الكلام على شواذ الهمز – نوعًا من الهمز جاء من غير أصل له ، ولا إبدال دعا قياسٌ إليه؛ قال فيه ابن جني : «وهو كثير» ، ثم أخذ يورد شواهد كثيرة من هذا الباب مردفًا ذلك بقوله: «وأنا أرى ما ورد عنهم من همز الألف الساكنة في (بأز، وسأق، وتأبل) ونحو ذلك إنما هو عن تطرق وصنعة و ليس اعتباطًا هكذا من غير مُسكة؛ وذلك أنه قد ثبت عندنا من عدة أوجه أن الحركة إذا جاورت الحرف الساكن فكثيرًا ما تجريها العرب مجراها فيه، فيصير لجواره إياها كأنه محرك بها، فإذا كان كذلك فكأن فتحة باء( بَأَزَ) إنما هي في نفس الألف ،فالألف لذلك وعلى هذا التنزيل كأنها محركة، وإذا تحركت الألف انقلبت همزة».
ثم أورد على أثر نقلهِ حكايةَ أبي زيد بعضَ الشواهد التي جاء فيها همزُ الألف ، وكأنه يدلل بذلك على أن ما قرأ به ابن عبيد لغة قياسية، وفي ذلك قال :
«وقال كُثَيِّرٌ:
*إذا ما العَوَالي بالعَبِيطِ احْمَأَرَّتِ*
يريد : احْمَارَّتِ، وقال أيضًا :
وللأرض أما سُودُها فتَجَلَّلتْ بياضًا وأما بِيْضُها فاسْوَأَدَّتِ»
ولعل ما أورده ابن جني من شواهد كثيرة معضدًا بها هذه اللغة هو ما جعل الزمخشـريَّ يقول: «وهذه لغة من جَدَّ في الهرب من التقاء الساكنين» ،وجعل أبا حيان يقول: «وعلى ما قال أبو الفتح أنها لغة ينبغي أن ينقاس ذلك» ، وهو ما ذهب إليه ابن الحاجب كما عزاه إليه الرضي.
وجعل الزمخشري في "المفصل" هذا النوع من الهمز غير مطرد؛ حيث قال:
«وغير المطرد إبدالها من الألف نحو: دَأبَّة وشَأبَّة وابيأضَّ».
قال ابن يعيش: «قالوا: دَأَبَّة وشَأَبَّة في دابَّة وشابَّة ، فهمزوا الألف، كأنهم كرهوا اجتماع الساكنين، فحركت الألف لالتقاء الساكنين فانقلبت همزة؛ لأن الألف حرف ضعيف واسع المخرج لا يحتمل الحركة ، فإذا اضطروا إلى تحريكه قلبوه إلى أقرب الحروف إليه وهو الهمزة».
وقال السمين الحلبي : «والظاهر أنها لغة مطردة».
فابن جني يرى أن هذا الذي عده الصرفيون من شواذ الهمز، وأنه مما ارتجلته العرب ولا أصل له من قياس أو سماع ، ليس على هذا النحو الذي رأوه، بل هو مستند إلى صنعة وحِذق، ولم يصدر عن العرب اعتباطًا ، بينما رأى أبو علي أن هذا النوع من الهمز شاذ ضعيف لاستحالته إلى قياس بعيد وإفضائه إلى ما لم تنطق العرب به.
