النقد النحوي عند أبي علي الفارسي(4)

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • مصطفى شعبان
    عضو نشيط
    • Feb 2016
    • 12782

    #1

    النقد النحوي عند أبي علي الفارسي(4)

    بين أبي علي الفارسي والخليل بن أحمد
    (لَنْ) بينَ التَّرْكِيبِ والبَسَاطَةِ
    ذهب الخليل بن أحمد إلى أن الأصل في (لَنْ) أنها مركبة من (لا أَنْ) ، (لا) النافية ، و(أَنِ) الناصبة، ثم حُذِفت الألف من (لا) ، والهمزة من (أَنْ)، وجُعِلا حرفًا واحدًا ، وأنهم حذفوا لكثرة الورود في كلامهم، ومستند الخليل في ذلك هو الحمل على النظير؛ فكما قالوا: (وَيْلُمِّه) يريدون (وَيْ لأُمِه)، وكما قالوا: (يومئذ)، حذفوا في (لا أن) وجعلوها بمنزلة حرف واحد، وكما جعلوا (هل لا) بمنزلة حرف واحد فقالوا: (هَلَّا)، بينما رأي غير الخليل من النحاة أنه ليس في (لنْ) حذف، وأنها ليست مركبة من كلمتين ، ولكنها بمنزلة شيء على حرفين ليست فيه زيادة، وأنها في حروف النصب بمنزلة (لَمْ) في حروف الجزم في أنه ليس واحد من الحرفين زائدًا.
    وقد جاء مذهب الخليل في هذه المسألة مباينًا للاتجاه النحوي العام، ومخالفًا لإجماع اللغويين والنحاة ما خلا الكسائي الذي وافق قول الخليل، مما جعله غرضًا للمؤاخذة والتعقب؛ فقد تعقبه سيبويه بالردِّ والرفض لهذا المذهب، معلِّلًا ذلك بأنه لو كان ما يقوله الخليل صحيحًا لما قُلت: (أمَّا زيدًا فَلنْ أضربَ)؛ لأن هذا اسم والفعل صلة، فكأنه قال: أما زيدًا فلا الضرب له».
    وتفسير ذلك كما يقول أبوالعباس المبرد: «أنك تقول: (زيدًا لن أضربَ)؛ كما تقول: زيدًا سأضربُ، فلو كان هذا كما قال الخليل لفسد هذا الكلام؛ لأن (زيدًا) كان ينتصب بما في صلة (أن)».
    وأما أبو علي فقد اعترض على الخليل في مسلكه في تركيب (لن) ، وتعقب قوله بالإبطال، ورفض اتجاهه فيه معتمدًا على دليلين :
    الأول : مخالفة مذهب الخليل لإجماع النحاة ، ومخالفة الإجماع دليل فساد المذهب، ولاسيما إذا أجمع من روى عنه على فساد قوله ، فقال: «فأما ما ذهب إليه الخليل في (لَنْ) فلم يتبعه في ذلك سيبويه ولا أحد ممن رواه من أصحابه، وذهبوا كلهم إلى فساده..».
    وقد وافق الفارسي في ذلك شيخه الزجاج الذي قال بشذوذ قول الخليل والكسائي ، وأن هذا القول «لم يأخذ به سيبويه ولا أصحابه».
    الثاني: اعتمد فيه على دليل سيبويه الذي استدل به على ضعف مذهب الخليل وفساده، فقال: «لو كان (لَنْ) على ما يقول الخليل إنما هو (لَا أَنْ) لما جاز أن تقول : (زيدًا لَنْ أضربَ) ، فتنصب (زيدًا) بـ (أضربُ)؛ لأنه في صلة (لَنْ) وما يعمل فيه الصلة لا يجوز أن يتقدم عليها ، كما أن نفس الصلة لا يجوز أن تتقدم على الموصول ، وإذا لم يجز أن يتقدم العامل لم يجز أن يتقدم المعمول والعامل نفس الصلة،والمعمول (زيدٌ) .
    وتفسير استدلال أبي علي أنه لو كانت (لن) على قول الخليل مركبة من (لا أن) لورد عليه إشكال من قِبَل أنهم أجازوا (زيدًا لَنْ أضربَ) ، فتجويزهم لهذا دلالة على أنه ليس بمعنى (لا أن)؛ لأن (زيدًا) صلة للفعل، والصلة لا تتقدم على الموصول ، وهذا يدل على أنه ليس معناها (لا أن)؛ لأنه كان سيلزم عن ذلك مذهب مرجوح وهو تقدم الصلة على الموصول ، وعدم قولهم بهذا اللازم دليل على فساد الملزوم وهو أن (لَنْ) مركبة من (لَا أَنْ).
    ويقوي ما ذهب إليه سيبويه والفارسي ما أضافه أبو سعيد السيرفي من احتجاج واستدلال على فساد قول الخليل ؛ أنا إذا قلنا : (لن أضرب زيدًا) كان كلامًا كاملًا تامًّا لا يحتاج إلى إضمار شيء ، وإذا قلنا : (لا أَنْ أضرب زيدًا) لم يتم الكلام ؛ لأنَّ (أنْ) وما بعده من الفعل والمفعول بمنزلة اسم واحد؛ مبتدأ لا خبرَ له، فليس لفظ (لن) وفقًا للفظ (لا أَنْ) ، ولا معناها وفقًا لمعناها ، فما الذي أوجب أنها هي؟
    وتلك حجة أخرى تدل على ضعف قول الخليل ووَهْيِهِ، لإفضائها إلى فساد في المعنى ، وإلى القول بقياس مع الفارق ، وهو قياس فاسد ، فما أدى إليه وهو القول بأن (لَنْ) أصلها (لا أَنْ) مذهب مردود .
    وقد تبع النحاةُ المتأخرون سيبويه والجمهور في إفساد مذهب الخليل كابن يعيش، وابن مالك، والمالقي ، والمرادي وغيرهم؛ لأن التركيب فرع عن البساطة فلا يُدَّعى إلا بدليل قاطع .
    وأيضًا : أنها لو كانت مركبة من (لا أنْ) لكانت (لا) داخلة على مصدر مقدَّر من (أن) والفعل، فيكون المعنى في قولك مثلًا : لن يقومَ زيدٌ : لا قيامَ زيدٍ ، فتدخل (لا) على المعرفة من غير تكرير، ولا بدَُّ لها إذا دخلت على المعارف أو ما في تقديرها من التكرير ، مع أن المبتدأ لا يكون له خبر، والمبتدأ لابد له من الخبر ولم يُسمع هنا ولا في الكلام ما ينوب منابه؛ كخبر مبتدأ (لولا) عند بعضهم فبطل القول بالتركيب.
    واحتج من أيد قول الخليل بأن الشيء قد يحدث له مع التركيب حكم لم يكن له قبل ، شأنها في ذلك شأن (لو) فهي حرف امتناع لامتناع ، وتليها الأفعال ، فإذا ركبت مع (لا) فقيل (لولا) صارت حرف امتناع لوجوب ووليها الأسماء ، ومال إلى هذا الاحتجاج الرضى الاستراباذي.
    والجواب : أن حكم التركيب في (لن) ليس كحكمه في (لولا)؛ لأن (لو) قبل (لا) بقي حكمها من أنها حرف امتناع لامتناع ودخلت (لا) التي للنفي عليها فأزالت الامتناع الوارد وصيرته إيجابًا، فكأن كل واحد منهما باقٍٍ على معناه ، و(لا) فيها عوض من الفعل، وليست (لن) من هذا القبيل؛ لأن (لن) و (لا أن) في المعنى واحد ، وليس فيهما إلا التسهيل خاصة، ولا تدخل إحداهما على الأخرى لتحدث معنى زائدًا فلا يتناظران .
يعمل...