ومن مواقف سرعة البداهة عند العرب ماذكره أهل الأدب أن أحد الشعراء دخل على الأمير المهلّبي في العراق ، وكان المهلّبي الوزير مهيبا غضُوبًا عبوسا ، فدخل عليه الشاعر وقت المساء ، وأراد أن يقول : كيف أمسيت أيها الأمير ؟ فغلط الشاعر من الرهبة وخوف الموقف، فقال: كيف أصبحت أيها الأمير ؟ فقال : هذا مساء أو صباح ؟! فأطرق الشاعر قليلا ، ثم رفع رأسه وقال :
صبحته عن المساء فقال لي : ** ماذا الصباح ؟ وظن ذاك مزاحا
فأجبته : إشراق وجهك غرّني ** حتى تبينت المســــاء صباحا ”
ومما يذكر في هذا أن أبا تمام الشاعر العباسي مدح ابن الخليفة العباسي أحمد بن المعتصم بقصيدة يقول في مطلعها:
مافي وقوفك ساعة من باس&&
نقضي ذمام اﻷربع اﻷدراس
فلما بلغ قوله:
إقدام عمرو في سماحة حاتم &&&& في حلم أحنف في ذكاء إياس
قال له الطبيب الكندي بجرأة وثبات : الأمير فوق من وصفت، فما زدت على هذ إلا أن شبهته بأجلاف اﻷعراب، فأطرق قليلا أبو تمام ثم قال :
لاتنكروا ضربي له من دونه&&
مثلا شرودا في الندى والباس
فالله قد ضرب الأقل لنوره&&
مثلا من المشكاة والنبراس
فسكت الكندي، وأعجبت الفئة الحاضرة بفطنة أبي تمام وبأصالة رأيه .
ومن ذلك ما حكي أن الشاعر العباسي أبا نواس خرج يوماً يمشي في أحد أحياء الكوفة قبيل عيد الاضحى، فرأى أعرابياً معه أغنام يسوقها ،فابتدره قائلا :
أيا صاحب الذود اللواتي يسوقها&
بكم ذلك الكبش الذي قد تقدما
فأجابه الأعرابي على الفور ،وشعراً من نفس الوزن والروي ،فقال :
أبيعكه إن كنت تبغي شراءه &&
ولم تكُ مزَّاحا بعشرين درهما &&
فقال أبو نواس :
أجدت رعاك الله رجع جوابنا && فأحسن إلينا إن أردت التكرما &&
فقال الأعرابي :
أحط من العشرين خمساً لأنني&&
أراك ظريفًا فاخرجنها مسلماً
بيد أن أبا نواسٍ انصرف .
ويحكى أن الناس الذين كانوا متجمعين يشهدون هذه المفاصلة في السعر بالشعر، قالوا للأعرابي : أتدري من كنت تكلم ؟
قال :لا
قالوا :إنه أبو نواس
فما كان من الرجل إلا أن حمل الكبش وأسرع ،حتى أدرك أبا نواس، فأقسم له إن لم يأخذه هدية منه خالصة ليتركن كل غنمه في الطريق ،فأخذه أبو نواسٍ ،
وسأل عن الرجل ،
فقالوا : إنه أعرابيٌ من باهلة ،
فقال :
وباهليٍ من الأعرابِ منتخبِ&& جادت يداه بوافي القرن والذنبِ
فإن يكن ُ باهليا عند نسبتهِ&& ففعله قرشيٌ كامل الحسبِ
ولسرعة البداهة عند العرب قصص عجيبة يضيق عنها المقام، ولكن خير ماجعلت فيه هذه النعمة أن تصرف في الخير ، لا لانتقاص الخلق، أو تغليب الباطل على الحق.
صبحته عن المساء فقال لي : ** ماذا الصباح ؟ وظن ذاك مزاحا
فأجبته : إشراق وجهك غرّني ** حتى تبينت المســــاء صباحا ”
ومما يذكر في هذا أن أبا تمام الشاعر العباسي مدح ابن الخليفة العباسي أحمد بن المعتصم بقصيدة يقول في مطلعها:
مافي وقوفك ساعة من باس&&
نقضي ذمام اﻷربع اﻷدراس
فلما بلغ قوله:
إقدام عمرو في سماحة حاتم &&&& في حلم أحنف في ذكاء إياس
قال له الطبيب الكندي بجرأة وثبات : الأمير فوق من وصفت، فما زدت على هذ إلا أن شبهته بأجلاف اﻷعراب، فأطرق قليلا أبو تمام ثم قال :
لاتنكروا ضربي له من دونه&&
مثلا شرودا في الندى والباس
فالله قد ضرب الأقل لنوره&&
مثلا من المشكاة والنبراس
فسكت الكندي، وأعجبت الفئة الحاضرة بفطنة أبي تمام وبأصالة رأيه .
ومن ذلك ما حكي أن الشاعر العباسي أبا نواس خرج يوماً يمشي في أحد أحياء الكوفة قبيل عيد الاضحى، فرأى أعرابياً معه أغنام يسوقها ،فابتدره قائلا :
أيا صاحب الذود اللواتي يسوقها&
بكم ذلك الكبش الذي قد تقدما
فأجابه الأعرابي على الفور ،وشعراً من نفس الوزن والروي ،فقال :
أبيعكه إن كنت تبغي شراءه &&
ولم تكُ مزَّاحا بعشرين درهما &&
فقال أبو نواس :
أجدت رعاك الله رجع جوابنا && فأحسن إلينا إن أردت التكرما &&
فقال الأعرابي :
أحط من العشرين خمساً لأنني&&
أراك ظريفًا فاخرجنها مسلماً
بيد أن أبا نواسٍ انصرف .
ويحكى أن الناس الذين كانوا متجمعين يشهدون هذه المفاصلة في السعر بالشعر، قالوا للأعرابي : أتدري من كنت تكلم ؟
قال :لا
قالوا :إنه أبو نواس
فما كان من الرجل إلا أن حمل الكبش وأسرع ،حتى أدرك أبا نواس، فأقسم له إن لم يأخذه هدية منه خالصة ليتركن كل غنمه في الطريق ،فأخذه أبو نواسٍ ،
وسأل عن الرجل ،
فقالوا : إنه أعرابيٌ من باهلة ،
فقال :
وباهليٍ من الأعرابِ منتخبِ&& جادت يداه بوافي القرن والذنبِ
فإن يكن ُ باهليا عند نسبتهِ&& ففعله قرشيٌ كامل الحسبِ
ولسرعة البداهة عند العرب قصص عجيبة يضيق عنها المقام، ولكن خير ماجعلت فيه هذه النعمة أن تصرف في الخير ، لا لانتقاص الخلق، أو تغليب الباطل على الحق.
