الشعر والتاريخ
عثمان حسن
ـــــــــــــــــــــــــ
منذ زمن بعيد، والشعر يقوم بتسجيل الملاحم والبطولات، وتوثيق مجريات المجتمع وأحداثه الاجتماعية، وما يتخلله من تفاصيل، وبهذا المعنى فإن علاقة الشعر مع التاريخ هي علاقة وثيقة، كما كان الشعر منذ العصور القديمة واقفاً أو شاهداً على العصر، محاكياً الأسطورة ومحتفلا بالبشر وما يطرأ على واقعهم من تحولات في المكان الذي يعيشون فيه.
غير أن من المهم في تفسير هذه العلاقة، الوقوف عند كثير من الملاحظات المهمة، التي تؤدي في نهاية المطاف إلى توضيح فاعلية الشعر، أو لنقل دور الشعر في محاكاة أحداث التاريخ، الذي بات من المؤكد، بحسب بنية الشعر، وما يحمله من صور وتراكيب لغوية، ناهيك عن ذلك الفضاء الاستعاري أو المجازي لخطاب الشعر، أن تلك العلاقة أصبحت تؤول شيئاً فشيئاً لمصلحة الشعر، أو لمصلحة ما يود الشعر أن يعبر عنه، فعلاقة الشعر مع التاريخ هنا، أصبحت علاقة مواربة - إذا جاز التعبير- وليست تسجيلية، هي علاقة تفاعلية إذا شئنا الدقة، وعلاقة تقوم بدور مناقض أو مخالف لما يقوم به التاريخ، التاريخ هنا، هو تاريخ صارم، حدّي، موجع، مستعبد، طاغ، منفر، وقل ما شئت من أشكال العلاقة الفوقية، التي تنتصر للحادثة التاريخية، ولا تعبأ بالإنسان، من هنا، فإن الدور المهم الذي لعبه الشعر في علاقته مع التاريخ، هو التخفيف ما أمكن من آثار هذا العسف، ولنقل آثار هذا الطغيان، وتبديد آثار اللؤم، والعبث والاستبداد، فالتاريخ بحسب طبيعته وقوانينه وحوادثه واشتراطاته، كان على الدوام مادة صماء، منفرة، فجاء الشعر بما يحمله من تصوير ومحاكاة، لتصويب هذه العلاقة وجعلها علاقة أقرب إلى مصلحة الشعر وأقرب إلى فضائه واشتغالاته، جاء الشعر بما يقدمه من اقتراحات جمالية، ومن فضاء تخييلي خصب، أهله للعب دور استثنائي، في هذه العلاقة الجدلية، لينزع من التاريخ بعض أدواره، في تلك المفاصل التي كان التاريخ فيها منتصراً دائماً، وكان الإنسان فيها هو الضحية دائماً، نائياً عن الفعل، محكوماً بالإقصاء، تحت قسوة تاريخ لا يرحم، تاريخ كان على الدوام، لا يمنح ولو -مجرد- فرصة ضئيلة، لكي يتصالح الإنسان مع التاريخ وحوادثه واشتراطات هذا التاريخ وقسوته.
عن علاقة الشعر بالتاريخ يترجم عبد القادر الجنابي ما سبق وكتبه أوكتافيو باث عن هذا الموضوع بقوله :«إن كل قصيدة هي محاولة للمصالحة بين الشعر والتاريخ لصالح الشعر، ذلك أنّ الشاعر، حتّى عندما يندمج في المجتمع الذي يعيش فيه وعندما يشارك فيما يسمّى «مجرى العصر» ينشد، دوماً، التملّص من طغيان التاريخ، إنّ جلّ المحاولات الشعرية الكبرى من القول السحري والقصيدة الملحمية إلى القصيدة الآلية تدعو إلى جعل القصيدة بوتقة ينصهر فيها التاريخ بالشعر».
ما قدمه الشعر في هذه المعادلة الصعبة وهذه العلاقة الجدلية على مر زمان الذي كان فيه هذا التاريخ هو المصدر الوحيد للحادثة والمصدر الوحيد لاستمرار مفعولها في زمان ومكان آخر غير المكان الذي وقعت فيه، أنه -أي الشعر- قام بتوظيف أقصى ما يستطيع من آليات ومن خلال لغته الرشيقة، وقدرته العالية على الرمز والإيحاء، وما قدمه من صور أنيقة، وما استطاعه من توظيف للأسطورة والاشتغال من جديد على الحادثة، ليكون هو البطل، ولكي يكون التاريخ ليس أكثر من مادة خام، ازدهرت في زمان ومكان ما، مكان سادت فيه تعابير منسجمة مع فضاء التاريخ الذي صاغها، وبلور حكايتها على هواه.
ما قام به الشعر في لعبة اللغة التي يتقنها، هو أنه لم يستسلم لقوانين التاريخ في سرد الحادثة، فمنطق التاريخ وبلاغة التاريخ، هو غير المنطق الذي يشتغل عليه الشعر، وربما يكون ذلك من جملة ما أتقنه الشعر في عصب اللغة وبنيتها المتحركة، وإشاراتها العديدة، فالمنطق هنا، هو منطق شعري بامتياز، يسمح بتفسير آخر واشتقاق آخر، بما يولده من حركة في فضاء القول الشعري.
هل كان الشعر في لعبته الأثيرة تلك، يقف موقفاً ضدياً من التاريخ؟ هل كانت اللغة، وهل كان الرمز، بل هل كانت الأسطورة في فضائها الشعري الجديد، تطمح إلى نبذ التاريخ وإقصائه؟ في الحقيقة، لم يكن هذا هو هدف الشعر على الإطلاق. كان الشعر معنياً بالدرجة الأولى، في استدراج التاريخ إلى لعبة الشعر، وتقديم تفسير آخر للحقائق التي كان من الصعب تحويلها أو تفكيكها، وأن ينزعها ببراعة عالية من سطوة التاريخ وأحكامه وقوانينه.
http://www.alkhaleej.ae/alkhaleej/pa...4-85e96df30073
عثمان حسن
ـــــــــــــــــــــــــ
منذ زمن بعيد، والشعر يقوم بتسجيل الملاحم والبطولات، وتوثيق مجريات المجتمع وأحداثه الاجتماعية، وما يتخلله من تفاصيل، وبهذا المعنى فإن علاقة الشعر مع التاريخ هي علاقة وثيقة، كما كان الشعر منذ العصور القديمة واقفاً أو شاهداً على العصر، محاكياً الأسطورة ومحتفلا بالبشر وما يطرأ على واقعهم من تحولات في المكان الذي يعيشون فيه.
غير أن من المهم في تفسير هذه العلاقة، الوقوف عند كثير من الملاحظات المهمة، التي تؤدي في نهاية المطاف إلى توضيح فاعلية الشعر، أو لنقل دور الشعر في محاكاة أحداث التاريخ، الذي بات من المؤكد، بحسب بنية الشعر، وما يحمله من صور وتراكيب لغوية، ناهيك عن ذلك الفضاء الاستعاري أو المجازي لخطاب الشعر، أن تلك العلاقة أصبحت تؤول شيئاً فشيئاً لمصلحة الشعر، أو لمصلحة ما يود الشعر أن يعبر عنه، فعلاقة الشعر مع التاريخ هنا، أصبحت علاقة مواربة - إذا جاز التعبير- وليست تسجيلية، هي علاقة تفاعلية إذا شئنا الدقة، وعلاقة تقوم بدور مناقض أو مخالف لما يقوم به التاريخ، التاريخ هنا، هو تاريخ صارم، حدّي، موجع، مستعبد، طاغ، منفر، وقل ما شئت من أشكال العلاقة الفوقية، التي تنتصر للحادثة التاريخية، ولا تعبأ بالإنسان، من هنا، فإن الدور المهم الذي لعبه الشعر في علاقته مع التاريخ، هو التخفيف ما أمكن من آثار هذا العسف، ولنقل آثار هذا الطغيان، وتبديد آثار اللؤم، والعبث والاستبداد، فالتاريخ بحسب طبيعته وقوانينه وحوادثه واشتراطاته، كان على الدوام مادة صماء، منفرة، فجاء الشعر بما يحمله من تصوير ومحاكاة، لتصويب هذه العلاقة وجعلها علاقة أقرب إلى مصلحة الشعر وأقرب إلى فضائه واشتغالاته، جاء الشعر بما يقدمه من اقتراحات جمالية، ومن فضاء تخييلي خصب، أهله للعب دور استثنائي، في هذه العلاقة الجدلية، لينزع من التاريخ بعض أدواره، في تلك المفاصل التي كان التاريخ فيها منتصراً دائماً، وكان الإنسان فيها هو الضحية دائماً، نائياً عن الفعل، محكوماً بالإقصاء، تحت قسوة تاريخ لا يرحم، تاريخ كان على الدوام، لا يمنح ولو -مجرد- فرصة ضئيلة، لكي يتصالح الإنسان مع التاريخ وحوادثه واشتراطات هذا التاريخ وقسوته.
عن علاقة الشعر بالتاريخ يترجم عبد القادر الجنابي ما سبق وكتبه أوكتافيو باث عن هذا الموضوع بقوله :«إن كل قصيدة هي محاولة للمصالحة بين الشعر والتاريخ لصالح الشعر، ذلك أنّ الشاعر، حتّى عندما يندمج في المجتمع الذي يعيش فيه وعندما يشارك فيما يسمّى «مجرى العصر» ينشد، دوماً، التملّص من طغيان التاريخ، إنّ جلّ المحاولات الشعرية الكبرى من القول السحري والقصيدة الملحمية إلى القصيدة الآلية تدعو إلى جعل القصيدة بوتقة ينصهر فيها التاريخ بالشعر».
ما قدمه الشعر في هذه المعادلة الصعبة وهذه العلاقة الجدلية على مر زمان الذي كان فيه هذا التاريخ هو المصدر الوحيد للحادثة والمصدر الوحيد لاستمرار مفعولها في زمان ومكان آخر غير المكان الذي وقعت فيه، أنه -أي الشعر- قام بتوظيف أقصى ما يستطيع من آليات ومن خلال لغته الرشيقة، وقدرته العالية على الرمز والإيحاء، وما قدمه من صور أنيقة، وما استطاعه من توظيف للأسطورة والاشتغال من جديد على الحادثة، ليكون هو البطل، ولكي يكون التاريخ ليس أكثر من مادة خام، ازدهرت في زمان ومكان ما، مكان سادت فيه تعابير منسجمة مع فضاء التاريخ الذي صاغها، وبلور حكايتها على هواه.
ما قام به الشعر في لعبة اللغة التي يتقنها، هو أنه لم يستسلم لقوانين التاريخ في سرد الحادثة، فمنطق التاريخ وبلاغة التاريخ، هو غير المنطق الذي يشتغل عليه الشعر، وربما يكون ذلك من جملة ما أتقنه الشعر في عصب اللغة وبنيتها المتحركة، وإشاراتها العديدة، فالمنطق هنا، هو منطق شعري بامتياز، يسمح بتفسير آخر واشتقاق آخر، بما يولده من حركة في فضاء القول الشعري.
هل كان الشعر في لعبته الأثيرة تلك، يقف موقفاً ضدياً من التاريخ؟ هل كانت اللغة، وهل كان الرمز، بل هل كانت الأسطورة في فضائها الشعري الجديد، تطمح إلى نبذ التاريخ وإقصائه؟ في الحقيقة، لم يكن هذا هو هدف الشعر على الإطلاق. كان الشعر معنياً بالدرجة الأولى، في استدراج التاريخ إلى لعبة الشعر، وتقديم تفسير آخر للحقائق التي كان من الصعب تحويلها أو تفكيكها، وأن ينزعها ببراعة عالية من سطوة التاريخ وأحكامه وقوانينه.
http://www.alkhaleej.ae/alkhaleej/pa...4-85e96df30073
