ذائقة.. ونقد

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • علاء التميمي
    عضو نشيط
    • Oct 2014
    • 725

    #1

    ذائقة.. ونقد

    كتبه: إبراهيم العجلوني
    يختلف الذوق الغفل، عند مواجهة النصوص الأدبية، عن الذوق المحتنك الذي صقلته التجارب. وما يحار له الأول لدى المتلقّي يكون موضع نظر وتحليل وتعليل عند الثاني.
    إن وقوف أحدنا ذاهلاً أمام لوحة معجبة، يلمس أثرها في نفسه ولا يجد سبباً معيناً يشدّه إليها، يختلف اختلافاً نوعياً عن وقوف الناقد الذي سبق له أن واجه أعمالاً فنية كثيرة وإن امتلك «ذائقة» ذات أوزان ومعايير.
    والذوق المتمرس، وأكاد أقول «الصنّاع» الماهر الذي هو عدة الناقد هو نفسه عدة الأديب والفنان. بل إنه شرط لازم في الإبداع؛ لما نعلمه – بالضرورة – من أن في إهاب كل مبدع كبير ناقداً كبيراً، وإن كان عكس ذلك موضع شك ويصعب، إلا في حالات نادرة البرهنة عليه.
    ونحن نذهب - موافقين - مع الذين يرون أن المبدع الحق في أي لون من الآداب والفنون لا بد أن يكون من أكثر الناس قراءة فيها وظهوراً على نماذجها المتفرّدة. وكذلك هو الأمر في الفلسفة، فإن أكثر من يكتبون نصوصاً رفيعة المستوى في الفلسفة هم الذين وقفوا مليّاً أمام نصوص فلسفية عميقة المحتوى متراحبة الأبعاد، يستنطقون دلالاتها بأصالة ذاتية ولا يركنون إلى «الوسطاء» أو «المؤرخين» أو «الأكاديميين» وإذا لم تستطع الفلسفة أن توقظ محبتها مباشرة في قلوب أصحاب «الفطر الفائقة» والعقول الفذة، فإن عشرات المعلمين وملخصي الكتب وشرّاح النصوص لن يستطيعوا شيئاً من ذلك إن لم يحولوا دونه من حيث يعلمون ومن حيث لا يعلمون.
    ولقد تحدّث في الذوق والذائقة كثيرون. وكان من أبرز هؤلاء مصطفى صادق الرافعي، وطه حسين، ومحمود محمد شاكر، ورشاد رشدي. ولو جمع ما قالوه في ذلك لكان سفراُ قيّماً ومرجعاً ثميناً، وعلى ما قد توحيه هذه المادة المتوافرة في المسألة من أنه لا زيادة لمستزيد، وأن الأوائل ما تركوا للأواخر شيئاً يقولونه، إلا أن في وسعنا القول إن من يحصّل – بالجهد والمثابرة وأصالة الفعل المعرفي – ذائقة في مجال من المجالات، مؤهل لتحصيل ذائقة مقاربة لها في أكثر من مجال؛ إذ الآداب والفنون وضروب التفكير يفضي بعضها إلى بعض، وتكاد تكون كتاباً واحداً أو مضماراً واحداً للمستبصرين.
    ونحن لا نعجب في ضوء ما نتنوّره من هذه الحقيقة حين نقرأ عن بعض الأفذاذ في تاريخنا الثقافي من أنهم كانوا يجمعون إلى الشعر والخطابة فقهاً وأصولاً وكلاماً وفلسفة وفلكاً. وأن أحدهم يكاد يكون موسوعة متحركة أو دائرة معارف ومجتمع أذواق.
    من أجل ذلك كله يمكن القول إن أقصى طموحات الناقد الأدبي أو أستاذ الأدب أن يرشد الموهوبين إلى مصادر تكوين «الذائقة» أو أن يحفز فيهم إرادة الإفادة منها، ذلكم هو قصاراه، ما لم يكن هو مبدعاً ذوّاقة رائداً، فهو حينئذ أنموذج ملهم، وكم يحسن بالمعلم والناقد أن يكون كذلك إن استطاع إليه سبيلا.
    http://www.alrai.com/article/769741....%26service%3D1
يعمل...