توجيهُ حركةِ واو الجماعةِ في الفِعْلِ المحذوفِ الياءِ
قرأ جمهور القُراء قوله تعالى : (اشترَو الضلالة)( 1) بضم الواو( 2) ، وأصل (اشْتَرَوُا): اشْتَرَيُوا، تحركت الياء لام الكلمة وانفتح ما قبلها ، فقلبت ألفًا ، ثم حذفت لالتقاء الساكنين ، وبقيت الفتحة دالة عليها، وقيل: بل حذفت الضمة من الياء فسكنت ، فالتقى ساكنان ، فحذفت الياء لالتقائهما .
واتفق جمهور المعربين على أن حركة الواو فيها لتجنب التقاء الساكنين ؛ إذ الواو في (اشتروا) ساكنة في الأصل، فإذا سقطت همزة الوصل التي بعدها للدرج التقت الواو مع الساكن المبدل من لام المعرفة، فالتقى ساكنان، فحركتَ الأول منهما(3 ).
ومع اتفاق جمهور المعربين على أن حركة الواو هنا لالتقاء الساكنين اختلفوا في علة تحريكها بالضم دون غيره مع أن الأصل في التحريك لالتقاء الساكنين أن يكون بالكسـر،وكذلك قرأ بعضهم(4 )بكسـر الواو هكذا: (اشْتَرَوِا)، وبعضهم(5 ) بفتحها لأنه أخف ، فذهب بعضهم إلى أنها حركت بالضم ليفرق بين واو الجمع والواو الأصلية مثل : (أو) و (لو) في نحو قوله :
(أو ادفعوا) و(لو استطعنا) ( 6) وهو قول سيبويه والخليل والجمهور(7 ) .
وبعضهم ذهب إلى أن الضمة في الواو أخف من الكسرة ؛ فلذلك اختيرت إذ هي من جنسها وهو قول ابن كيسان(8 ) .
وبعضهم قال : اختير لها الضم ؛ إذ هي واو جمع ، فضُمَّت كما ضُمت النون في (نحنُ) وهو قول الزجاج(9 ) .
وقيل: حُرِّكت بحركة الياء المحذوفة ، فإن الأصل : اشتَرَيُوا كما تبين ، وهو قول الفراء(10 ).
وقيل: حُرِّكت بالضم ؛ لأنها ضمير فاعل ، فهي مثل التاء في (قمتُ) ( 11) .
ويتابع الفارسي مذهب الخليل وسيبويه في أن ضمة الواو اجتلبت فرقًا بينها وبين الواو الأصلية كنحو (أو) و (لو) ، من أجل ذلك كان التحريك بالضم هنا أولى وأقوى من التحريك بالكسر الذي هو أصل التحريك لالتقاء الساكنين( 12)، ولكنه لا يتفق مع الفراء في العلة التي علل بها اجتلاب الضم للواو، إذ رأى الفراء أن الواو حركت بحركة الياء المحذوفة من الأصل : (اشَتَريُوا) ، وليست لالتقاء الساكنين كما ذهب إليه سيبويه وأصحابه(13 ) ، ويعقب الفارسي على قول الفراء قائلًا : «وهذا الذي ذهب إليه الفراء لا يستقيم من غير جهة»( 14).
ثم يذكر الجهات التي لا يستقيم مذهب الفراء فيها ، وهي ثلاث جهات :
الجهة الأولى : أن حركة الحرف لا يجوز نقلها إلى موضع وهي في حكم الثبات في الحرف المتحرك بها، ومن ثم لم ينقلوا حركة العين في : قال ، وباع ، وهاب ، وخاف إلى الفاء كما قالوا في : قلتُ ، وطلتُ ، وبعتُ ، وخضتُ، وهبتُ؛ لأنها في تقدير الثبات مع الألف ، فكذا (اشترى) ونحوه إنما انقلبت اللام فيه ألفًا لتقدير الحركة فيها ، ولولا تقديرها لم تنقلب، كما لم تنقلب في (لو) و (كي)، فإذا انقلبا لذلك لم يستقم أن يقدر نقل الحركة عنها(15 ) .
والجهة الثانية : أن الحركات إنما تنقل إلى الحرف الذي قبل الحرف المنقول منه الحركة لا إلى الحرف الذي بعدها، كما في : بعتُ ، وقلتُ ، وخفتُ ، ونحوها فيمن نقل حركة عينها ، وكذلك نقل حركات الهمز في التخفيف نحو : جَيَل (تخفيف: جَيْئَل:وهو الضَّبُعُ)،والمَرَة (مخفف: المرأة) ، وكذلك قولهم: قاضون ، وغازون، ومشترون، ونحو ذلك( 16).
الجهة الثالثة: السبر والتقسيم؛ فإن الحركة في (اشتروا الضلالة) لا تخلو من أن تكون منقولة من اللام كما قال الفراء ، أو حركة لالتقاء الساكنين كما قال غيره ، فلو كانت منقولة لوجب أن يتحرك الحرف الذي نقلت إليه بها سواءٌ التقى مع الساكن أو لم يلتق ، وكون الواو في (اشتروا) ، وكذا في (مصطفَوُ القوم) لا تتحرك حتى تلتقي مع ساكن منفصل منها يدل على أن حركتها إنما اجتلبت لالتقاء الساكنين ، شأنها في ذلك شأن الحروف الساكنة التي تحركت حيث التقت مع سواكن أخر منفصلة منها ، نحو : (بعذابٍ اُرْكُض)( 17)،و(أَحَدُنِ الله)(18 )،و(أوُ انقُصْ)(19 ) ، وما أشبه ذلك مما تحرك لالتقاء الساكنين( 20).
ثم ختم الفارسي هذا التوجيه وهذه المناقشة بقوله : «فإذا كان الأمر في ذلك على ما وصفنا ، ولم نجد في هذه الأصول شيئًا على ما ادعاه ثبت فساد ما ذهب إليه لدفع الأصول له وتعرِّيه من دلالة تدل عليه»( 21).
والحق مع أبي علي فإنه استند إلى جهات قوية في الاستدلال والقياس، وعليه فتوجيه الفراء حركة الضم في الواو على أنها حُرِّكت بحركة الياء المحذوفة كما نقل عنه،أو على أنه كان يجب أن يكون قبلها واو مضمومة ؛ لأنها واو جمع فلما حذفت الواو التي قبلها واحتاجوا إلى حركتها حركوها بحركة التي حذفت(22 ) توجيه لا تسعفه الأصول والأقيسة .
____________________
( 1) [سورة البقرة: 16].
(2 ) الحجة 1/368 ، الكشف لمكي 1/275 ، البحر 1/204 ، الدر المصون 1/151 .
( 3) الحجة 1/369 ، معاني الزجاج 1/91 ، إعراب النحاس 1/192 ، سر الصناعة 2/777 ، مشكل إعراب القرآن 1/25 ، الإنصاف 2/682 ، التبيان 1/31 ، البحر 1/204 ، الدر 1/151 .
( 4) مختصر في شواذ القرآن لابن خالويه ،تحقيق الأستاذ برجستراسر-مكتبة المتنبي-القاهرة- 11 ، إعراب النحاس 1/192 ، المحتسب 1/54 ، الخصائص 2/337 ، التبيان 1/32 ، البحر 1/204 ، الدر 1/151 ، المزهر في علوم اللغة للسيوطي،تحقيق الأساتذة:محمد أحمد جاد المولى،ومحمد أبو الفضل إبراهيم،وعلي محمد البجاوي-مكتبة دار التراث-القاهرة- 1/255 ، وهي قراءة ابن أبي إسحاق ويحيى بن يعمر.
(5 ) مختصر ابن خالويه 11 ، إعراب النحاس 1/192 ، المحتسب 1/54 ، الخصائص 2/337 ، التبيان 1/32 ، البحر 1/204 ، وهي قراءة قعنب أبي السَّمال العدوي.
(6 ) [سورة آل عمران: 167].
(7 ) [سورة التوبة : 42].
(8 ) الكتاب 2/276 بولاق،4/153 هارون .
(9 ) إعراب النحاس 1/192 ، مشكل إعراب القرآن 1/26 .
(10 ) معاني الزجاج 1/91-92 .
(11 ) إعراب النحاس 1/192 ، الحجة 1/372 ، مشكل إعراب القرآن 1/26 ، التبيان 1/32 ، الدر 1/151 .
( 12) التبيان 1/32 .
( 13) الحجة 1/369 .
(14 ) السابق 1/372 .
( 15) السابق 1/372.
( 16) السابق 1/372-373 .
(17 ) المصدر السابق 1/372-373 .
(18 ) [سورة ص: 41-42].
(19 ) [سورة الصمد: 1-2].
( 20) [سورة المزمل: 3] .
( 21) الحجة 1/374 .
( 22) الحجة 1/373 .
( 23) إعراب النحاس 1/192 .
قرأ جمهور القُراء قوله تعالى : (اشترَو الضلالة)( 1) بضم الواو( 2) ، وأصل (اشْتَرَوُا): اشْتَرَيُوا، تحركت الياء لام الكلمة وانفتح ما قبلها ، فقلبت ألفًا ، ثم حذفت لالتقاء الساكنين ، وبقيت الفتحة دالة عليها، وقيل: بل حذفت الضمة من الياء فسكنت ، فالتقى ساكنان ، فحذفت الياء لالتقائهما .
واتفق جمهور المعربين على أن حركة الواو فيها لتجنب التقاء الساكنين ؛ إذ الواو في (اشتروا) ساكنة في الأصل، فإذا سقطت همزة الوصل التي بعدها للدرج التقت الواو مع الساكن المبدل من لام المعرفة، فالتقى ساكنان، فحركتَ الأول منهما(3 ).
ومع اتفاق جمهور المعربين على أن حركة الواو هنا لالتقاء الساكنين اختلفوا في علة تحريكها بالضم دون غيره مع أن الأصل في التحريك لالتقاء الساكنين أن يكون بالكسـر،وكذلك قرأ بعضهم(4 )بكسـر الواو هكذا: (اشْتَرَوِا)، وبعضهم(5 ) بفتحها لأنه أخف ، فذهب بعضهم إلى أنها حركت بالضم ليفرق بين واو الجمع والواو الأصلية مثل : (أو) و (لو) في نحو قوله :
(أو ادفعوا) و(لو استطعنا) ( 6) وهو قول سيبويه والخليل والجمهور(7 ) .
وبعضهم ذهب إلى أن الضمة في الواو أخف من الكسرة ؛ فلذلك اختيرت إذ هي من جنسها وهو قول ابن كيسان(8 ) .
وبعضهم قال : اختير لها الضم ؛ إذ هي واو جمع ، فضُمَّت كما ضُمت النون في (نحنُ) وهو قول الزجاج(9 ) .
وقيل: حُرِّكت بحركة الياء المحذوفة ، فإن الأصل : اشتَرَيُوا كما تبين ، وهو قول الفراء(10 ).
وقيل: حُرِّكت بالضم ؛ لأنها ضمير فاعل ، فهي مثل التاء في (قمتُ) ( 11) .
ويتابع الفارسي مذهب الخليل وسيبويه في أن ضمة الواو اجتلبت فرقًا بينها وبين الواو الأصلية كنحو (أو) و (لو) ، من أجل ذلك كان التحريك بالضم هنا أولى وأقوى من التحريك بالكسر الذي هو أصل التحريك لالتقاء الساكنين( 12)، ولكنه لا يتفق مع الفراء في العلة التي علل بها اجتلاب الضم للواو، إذ رأى الفراء أن الواو حركت بحركة الياء المحذوفة من الأصل : (اشَتَريُوا) ، وليست لالتقاء الساكنين كما ذهب إليه سيبويه وأصحابه(13 ) ، ويعقب الفارسي على قول الفراء قائلًا : «وهذا الذي ذهب إليه الفراء لا يستقيم من غير جهة»( 14).
ثم يذكر الجهات التي لا يستقيم مذهب الفراء فيها ، وهي ثلاث جهات :
الجهة الأولى : أن حركة الحرف لا يجوز نقلها إلى موضع وهي في حكم الثبات في الحرف المتحرك بها، ومن ثم لم ينقلوا حركة العين في : قال ، وباع ، وهاب ، وخاف إلى الفاء كما قالوا في : قلتُ ، وطلتُ ، وبعتُ ، وخضتُ، وهبتُ؛ لأنها في تقدير الثبات مع الألف ، فكذا (اشترى) ونحوه إنما انقلبت اللام فيه ألفًا لتقدير الحركة فيها ، ولولا تقديرها لم تنقلب، كما لم تنقلب في (لو) و (كي)، فإذا انقلبا لذلك لم يستقم أن يقدر نقل الحركة عنها(15 ) .
والجهة الثانية : أن الحركات إنما تنقل إلى الحرف الذي قبل الحرف المنقول منه الحركة لا إلى الحرف الذي بعدها، كما في : بعتُ ، وقلتُ ، وخفتُ ، ونحوها فيمن نقل حركة عينها ، وكذلك نقل حركات الهمز في التخفيف نحو : جَيَل (تخفيف: جَيْئَل:وهو الضَّبُعُ)،والمَرَة (مخفف: المرأة) ، وكذلك قولهم: قاضون ، وغازون، ومشترون، ونحو ذلك( 16).
الجهة الثالثة: السبر والتقسيم؛ فإن الحركة في (اشتروا الضلالة) لا تخلو من أن تكون منقولة من اللام كما قال الفراء ، أو حركة لالتقاء الساكنين كما قال غيره ، فلو كانت منقولة لوجب أن يتحرك الحرف الذي نقلت إليه بها سواءٌ التقى مع الساكن أو لم يلتق ، وكون الواو في (اشتروا) ، وكذا في (مصطفَوُ القوم) لا تتحرك حتى تلتقي مع ساكن منفصل منها يدل على أن حركتها إنما اجتلبت لالتقاء الساكنين ، شأنها في ذلك شأن الحروف الساكنة التي تحركت حيث التقت مع سواكن أخر منفصلة منها ، نحو : (بعذابٍ اُرْكُض)( 17)،و(أَحَدُنِ الله)(18 )،و(أوُ انقُصْ)(19 ) ، وما أشبه ذلك مما تحرك لالتقاء الساكنين( 20).
ثم ختم الفارسي هذا التوجيه وهذه المناقشة بقوله : «فإذا كان الأمر في ذلك على ما وصفنا ، ولم نجد في هذه الأصول شيئًا على ما ادعاه ثبت فساد ما ذهب إليه لدفع الأصول له وتعرِّيه من دلالة تدل عليه»( 21).
والحق مع أبي علي فإنه استند إلى جهات قوية في الاستدلال والقياس، وعليه فتوجيه الفراء حركة الضم في الواو على أنها حُرِّكت بحركة الياء المحذوفة كما نقل عنه،أو على أنه كان يجب أن يكون قبلها واو مضمومة ؛ لأنها واو جمع فلما حذفت الواو التي قبلها واحتاجوا إلى حركتها حركوها بحركة التي حذفت(22 ) توجيه لا تسعفه الأصول والأقيسة .
____________________
( 1) [سورة البقرة: 16].
(2 ) الحجة 1/368 ، الكشف لمكي 1/275 ، البحر 1/204 ، الدر المصون 1/151 .
( 3) الحجة 1/369 ، معاني الزجاج 1/91 ، إعراب النحاس 1/192 ، سر الصناعة 2/777 ، مشكل إعراب القرآن 1/25 ، الإنصاف 2/682 ، التبيان 1/31 ، البحر 1/204 ، الدر 1/151 .
( 4) مختصر في شواذ القرآن لابن خالويه ،تحقيق الأستاذ برجستراسر-مكتبة المتنبي-القاهرة- 11 ، إعراب النحاس 1/192 ، المحتسب 1/54 ، الخصائص 2/337 ، التبيان 1/32 ، البحر 1/204 ، الدر 1/151 ، المزهر في علوم اللغة للسيوطي،تحقيق الأساتذة:محمد أحمد جاد المولى،ومحمد أبو الفضل إبراهيم،وعلي محمد البجاوي-مكتبة دار التراث-القاهرة- 1/255 ، وهي قراءة ابن أبي إسحاق ويحيى بن يعمر.
(5 ) مختصر ابن خالويه 11 ، إعراب النحاس 1/192 ، المحتسب 1/54 ، الخصائص 2/337 ، التبيان 1/32 ، البحر 1/204 ، وهي قراءة قعنب أبي السَّمال العدوي.
(6 ) [سورة آل عمران: 167].
(7 ) [سورة التوبة : 42].
(8 ) الكتاب 2/276 بولاق،4/153 هارون .
(9 ) إعراب النحاس 1/192 ، مشكل إعراب القرآن 1/26 .
(10 ) معاني الزجاج 1/91-92 .
(11 ) إعراب النحاس 1/192 ، الحجة 1/372 ، مشكل إعراب القرآن 1/26 ، التبيان 1/32 ، الدر 1/151 .
( 12) التبيان 1/32 .
( 13) الحجة 1/369 .
(14 ) السابق 1/372 .
( 15) السابق 1/372.
( 16) السابق 1/372-373 .
(17 ) المصدر السابق 1/372-373 .
(18 ) [سورة ص: 41-42].
(19 ) [سورة الصمد: 1-2].
( 20) [سورة المزمل: 3] .
( 21) الحجة 1/374 .
( 22) الحجة 1/373 .
( 23) إعراب النحاس 1/192 .
