الفعل (أَنْبَتَ) بينَ التَّعدِّي واللزُومِ
في قراءة فتح التاء في قوله تعالى : (تنبت بالدهن)( 1) وهي قراءة الجماعة (2 ) وجَّه المعربون الفتح بأنه جعله فعلًا ثلاثيًّا من (نَبَتَ) فتكون الباء في (بالدُّهن) للتعدية؛ لأن الفعل غير متعد إذا كان ثلاثيًّا ( 3)،والفعل (نَبَتَ) ثلاثي فلا يتعدى إلا بواسطة فوصلوه بالباء ليتعدى،و(أَنْبَتَ) فعل يتعدى بغير واسطة فغنوا عن الباء فيه، والعرب إذا أثبتوا الألف في الماضي حذفوا الباء، وإذا حذفوا الألف أثبتوا الباء لأجل هذه العلة ( 4).
وقيل: يجوز أن يكون (الباء) في موضع الحال ولا يكون للتعدي حينئذ، والتقدير: تَنْبُتُ وفيها دهن.(5 )
وعلى أساس ذلك يَكون (أنْبت) بمعنى (نَبَتَ) أي يكون (أنْبت) لازمًا، وعلى قراءة من ضم التاء في (تُنْبِتُ)، فالفعل رباعي من (أَنْبَتَ) وتكون الباء حينئذ زائدة؛ لأن الفعل الرباعي يتعدى بغير حرف(6 ) .
وأنكر الأصمعي أن يكون (أنْبَتَ) بمعنى (نَبَتَ)، وفي ذلك يقول تقرير أبي علي:
« ومن قرأ (تَنْبُتُ) جاز أن يكون الجارُّ فيه للتعدي: أنبته ونبت به، ويجوز أن يكون الباء في موضع حالٍ كما كان في الوجه الأول، ولا يكون للتعدي ولكن: تنبت وفيها الدهن، وقد قالوا: أنبتَ في معنى نَبَتَ، فكأن الهمزة في (أنبت) مرة للتعدي ومرة لغيره، يكون من باب: أحال،وأجرب،وأقطف،أي: صار ذا حيالٍ وجربٍ، والأصمعي ينكر: (أنبت) ويزعم أن قصيدة زهير التى فيها: ( 7)
......................... حَتَّى إذَا أَنْبَتَ البَقْلُ
متهمةٌ، وإذا جاء الشيء مجيئًا كان للقياس فيه مسلك، فروته الرواة لم يكن بعد ذلك موضع مطعن».( 8)
يُفهم مما سلف أن (نَبَتَ أَنْبَتَ) من باب (فَعَل أَفْعَلَ)،فيأتى (أَنْبَتَ) لازمًا ويكون بمعنى (نَبَت) وعلى ذلك فهمزته ليست للتعدية ، ويأتى متعديًا.
وقد ذهب الفراء إلى أن (نبت وأنبت) لغتان صحيحتان،واستدل بقول زهير السابق. ( 9)
وذكر ابن دريد استنكار الأصمعي وزاد: « ويقول – أي الأصمعي - : لا يقول عربي: أَنْبَتَ في معنى نبت» (10 )،ثم عقبه بما يوحي رفضه لهذا الاستنكار قائلًا: « وأنْبَتَ الغلامُ : إذا راهق واستبان شعر عانته» حيث جاء فيه أنبت بمعنى نبت لازمًا.
وقال ابن فارس: « وطَرَّ النَّبْتُ إذا أنْبَتَ، وهو من طَرَّ شَارِبُه». (11 )
وممن ذهب إلى جواز مجيء (أنبت) بمعنى (نبت) أيضًا: أبو عبيدة(12 )، والزجاج(13 )، وابن خالويه(14 )، والنحاس( 15)، والجوهري( 16)، والأزهري(17 )، ومكي(18 )، وابن سيده (19 )، والزمخشـري(20 )،وكثير من اللغويين والنحاة .(21 )
ومما يقوي قولهم جريانه على مقتضى القياس ، وما كان هذا حاله فلا مسلك لرده؛ إذ جاء في اللغة: أحَالَ بمعنى حَالَ، وأجْرَبَ بمعنى جَرَبَ، وأقْطَفَ بمعنى قَطَفَ كما ذكر الفارسي (22 )، وجاء: بَقَل المكانُ و أبْقلَ، إذا أنبت البَقْلَ (23 )، ونُقل عن الأصمعي نفسِهِ أنه قال: بَقَلَتِ الأرضُ: ظهر فيها البَقْلُ، وأَبْقَلَتْ: كَثُر بَقْلُها ( 24)، وهما لغتان فصيحتان كما قال ابن دريد. (25 )
فقياس (أَنْبَتَ) على (أَبْقَلَ) قياس سائِغٌ جارٍ على سنن القياس، ومن ثمَّ فلا وجه للنكير الذي أبداه الأصمعي.
_________________________
(1 ) [سورة المؤمنون: 20].
( 2) انظر: السبعة 445 ، الحجة لابن خالويه 256 ، الحجة لأبي علي 5/291 ، حجة القراءات 484 ، الكشف 2/127 ، البحر 6/371 .
(3 ) الكشف عن وجوه القراءات لمكي 2/127 ، مشكل إعراب القرآن 2/105-106.
( 4) الحجة لابن خالويه 256 ، إعراب القراءات السبع 2/87-88 .
(5 ) الحجة لأبي علي 5/292 ، الكشاف 4/223-224 ، كشف المشكلات 2/922 ، البيان لابن الأنباري 2/182 ، التبيان للعكبري 2/952 .
( 6) الكشف 2/127 ، مشكل إعراب 2/106 ، البيان 2/182 ، التبيان 2/952 .
(7 ) البيت لزهير بن أبي سلمى من قصيدة يمدح فيها هرم بن سنان وقومه، وتمامه:
رأيت ذوي الحاجات حول بيوتهم قطينًا بها حتى إذا أنبت البقلُ
وهو في ديوانه(ص 22- بشرح الأعلم الشنتمري-المطبعة الحميدية المصرية-1323هـ )،وفيه: (نَبَتَ) بدل (أَنْبَتَ)، وفي معاني الفراء 2/233 ، ومعاني الزجاج 4/10 ، والجمهرة 1/198 ، والصحاح 1/268 ، والتهذيب 14/304 ،و الكشاف 4/224 ، وكشف المشكلات 2/921 ، والمحرر الوجيز 4/140 ، والبحر 6/371 ، والدر المصون 8/328 .
( 8) الحجة 5/292 .
( 9) معاني القرآن 2/232 .
(10 ) جمهرة اللغة 1/198 .
(11 ) معجم مقاييس اللغة 3/409 .
( 12) مجاز القرآن 2/56 ، تاج العروس 5/110 .
(13 ) معاني الزجاج 4/10 .
( 14) الحجة 256 ، إعراب القراءات السبع 2/87-88 .
(15 ) إعراب القرآن 1/371 .
( 16) الصحاح 1/268 .
( 17) تهذيب اللغة 14/304 .
( 18) الكشف 2/127 ، مشكل إعراب القرآن 2/106 .
(19 ) المخصص 14/251.
( 20) الكشاف 4/223-224 .
( 21 ) انظر: المحرر الوجيز 4/140 ، البحر المحيط 6/371 ، الدر المصون 8/328 ، حاشية الخفاجي على البيضاوي 6/326 ، لسان العرب 4317 .
( 22) الحجة 5/292 .
( 23) الأفعال لابن القطاع 1/70 .
( 24) المصدر السابق.
(25 ) جمهرة اللغة 1/320 ، تاج العروس 28/98 .
في قراءة فتح التاء في قوله تعالى : (تنبت بالدهن)( 1) وهي قراءة الجماعة (2 ) وجَّه المعربون الفتح بأنه جعله فعلًا ثلاثيًّا من (نَبَتَ) فتكون الباء في (بالدُّهن) للتعدية؛ لأن الفعل غير متعد إذا كان ثلاثيًّا ( 3)،والفعل (نَبَتَ) ثلاثي فلا يتعدى إلا بواسطة فوصلوه بالباء ليتعدى،و(أَنْبَتَ) فعل يتعدى بغير واسطة فغنوا عن الباء فيه، والعرب إذا أثبتوا الألف في الماضي حذفوا الباء، وإذا حذفوا الألف أثبتوا الباء لأجل هذه العلة ( 4).
وقيل: يجوز أن يكون (الباء) في موضع الحال ولا يكون للتعدي حينئذ، والتقدير: تَنْبُتُ وفيها دهن.(5 )
وعلى أساس ذلك يَكون (أنْبت) بمعنى (نَبَتَ) أي يكون (أنْبت) لازمًا، وعلى قراءة من ضم التاء في (تُنْبِتُ)، فالفعل رباعي من (أَنْبَتَ) وتكون الباء حينئذ زائدة؛ لأن الفعل الرباعي يتعدى بغير حرف(6 ) .
وأنكر الأصمعي أن يكون (أنْبَتَ) بمعنى (نَبَتَ)، وفي ذلك يقول تقرير أبي علي:
« ومن قرأ (تَنْبُتُ) جاز أن يكون الجارُّ فيه للتعدي: أنبته ونبت به، ويجوز أن يكون الباء في موضع حالٍ كما كان في الوجه الأول، ولا يكون للتعدي ولكن: تنبت وفيها الدهن، وقد قالوا: أنبتَ في معنى نَبَتَ، فكأن الهمزة في (أنبت) مرة للتعدي ومرة لغيره، يكون من باب: أحال،وأجرب،وأقطف،أي: صار ذا حيالٍ وجربٍ، والأصمعي ينكر: (أنبت) ويزعم أن قصيدة زهير التى فيها: ( 7)
......................... حَتَّى إذَا أَنْبَتَ البَقْلُ
متهمةٌ، وإذا جاء الشيء مجيئًا كان للقياس فيه مسلك، فروته الرواة لم يكن بعد ذلك موضع مطعن».( 8)
يُفهم مما سلف أن (نَبَتَ أَنْبَتَ) من باب (فَعَل أَفْعَلَ)،فيأتى (أَنْبَتَ) لازمًا ويكون بمعنى (نَبَت) وعلى ذلك فهمزته ليست للتعدية ، ويأتى متعديًا.
وقد ذهب الفراء إلى أن (نبت وأنبت) لغتان صحيحتان،واستدل بقول زهير السابق. ( 9)
وذكر ابن دريد استنكار الأصمعي وزاد: « ويقول – أي الأصمعي - : لا يقول عربي: أَنْبَتَ في معنى نبت» (10 )،ثم عقبه بما يوحي رفضه لهذا الاستنكار قائلًا: « وأنْبَتَ الغلامُ : إذا راهق واستبان شعر عانته» حيث جاء فيه أنبت بمعنى نبت لازمًا.
وقال ابن فارس: « وطَرَّ النَّبْتُ إذا أنْبَتَ، وهو من طَرَّ شَارِبُه». (11 )
وممن ذهب إلى جواز مجيء (أنبت) بمعنى (نبت) أيضًا: أبو عبيدة(12 )، والزجاج(13 )، وابن خالويه(14 )، والنحاس( 15)، والجوهري( 16)، والأزهري(17 )، ومكي(18 )، وابن سيده (19 )، والزمخشـري(20 )،وكثير من اللغويين والنحاة .(21 )
ومما يقوي قولهم جريانه على مقتضى القياس ، وما كان هذا حاله فلا مسلك لرده؛ إذ جاء في اللغة: أحَالَ بمعنى حَالَ، وأجْرَبَ بمعنى جَرَبَ، وأقْطَفَ بمعنى قَطَفَ كما ذكر الفارسي (22 )، وجاء: بَقَل المكانُ و أبْقلَ، إذا أنبت البَقْلَ (23 )، ونُقل عن الأصمعي نفسِهِ أنه قال: بَقَلَتِ الأرضُ: ظهر فيها البَقْلُ، وأَبْقَلَتْ: كَثُر بَقْلُها ( 24)، وهما لغتان فصيحتان كما قال ابن دريد. (25 )
فقياس (أَنْبَتَ) على (أَبْقَلَ) قياس سائِغٌ جارٍ على سنن القياس، ومن ثمَّ فلا وجه للنكير الذي أبداه الأصمعي.
_________________________
(1 ) [سورة المؤمنون: 20].
( 2) انظر: السبعة 445 ، الحجة لابن خالويه 256 ، الحجة لأبي علي 5/291 ، حجة القراءات 484 ، الكشف 2/127 ، البحر 6/371 .
(3 ) الكشف عن وجوه القراءات لمكي 2/127 ، مشكل إعراب القرآن 2/105-106.
( 4) الحجة لابن خالويه 256 ، إعراب القراءات السبع 2/87-88 .
(5 ) الحجة لأبي علي 5/292 ، الكشاف 4/223-224 ، كشف المشكلات 2/922 ، البيان لابن الأنباري 2/182 ، التبيان للعكبري 2/952 .
( 6) الكشف 2/127 ، مشكل إعراب 2/106 ، البيان 2/182 ، التبيان 2/952 .
(7 ) البيت لزهير بن أبي سلمى من قصيدة يمدح فيها هرم بن سنان وقومه، وتمامه:
رأيت ذوي الحاجات حول بيوتهم قطينًا بها حتى إذا أنبت البقلُ
وهو في ديوانه(ص 22- بشرح الأعلم الشنتمري-المطبعة الحميدية المصرية-1323هـ )،وفيه: (نَبَتَ) بدل (أَنْبَتَ)، وفي معاني الفراء 2/233 ، ومعاني الزجاج 4/10 ، والجمهرة 1/198 ، والصحاح 1/268 ، والتهذيب 14/304 ،و الكشاف 4/224 ، وكشف المشكلات 2/921 ، والمحرر الوجيز 4/140 ، والبحر 6/371 ، والدر المصون 8/328 .
( 8) الحجة 5/292 .
( 9) معاني القرآن 2/232 .
(10 ) جمهرة اللغة 1/198 .
(11 ) معجم مقاييس اللغة 3/409 .
( 12) مجاز القرآن 2/56 ، تاج العروس 5/110 .
(13 ) معاني الزجاج 4/10 .
( 14) الحجة 256 ، إعراب القراءات السبع 2/87-88 .
(15 ) إعراب القرآن 1/371 .
( 16) الصحاح 1/268 .
( 17) تهذيب اللغة 14/304 .
( 18) الكشف 2/127 ، مشكل إعراب القرآن 2/106 .
(19 ) المخصص 14/251.
( 20) الكشاف 4/223-224 .
( 21 ) انظر: المحرر الوجيز 4/140 ، البحر المحيط 6/371 ، الدر المصون 8/328 ، حاشية الخفاجي على البيضاوي 6/326 ، لسان العرب 4317 .
( 22) الحجة 5/292 .
( 23) الأفعال لابن القطاع 1/70 .
( 24) المصدر السابق.
(25 ) جمهرة اللغة 1/320 ، تاج العروس 28/98 .
