لفظ (قوم) في القرآن الكريم

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • شمس
    مشرفة
    • Dec 2014
    • 9079

    #1

    لفظ (قوم) في القرآن الكريم

    لفظ (قوم) في القرآن الكريم

    من الألفاظ كثيرة الورود في القرآن الكريم ما عاد أصله إلى الجذر اللغوي (ق.و.م)، وهذا الجذر -كما ذكر أهل اللغة- يدل على أصلين:
    أحدهما: يدل على جماعة ناس، وربما استعير في غيرهم. قالوا: (القوم) وهو جمع امرئ من غير لفظه، ولا يكون ذلك إلا للرجال. والقوم يجمع على أقوام.

    والأصل الآخر: يدل على انتصاب أو عزم، يقال: قام قياماً، والقومة المرة الواحدة، إذا انتصب. ويكون (قام) بمعنى العزيمة، كما يقال: قام بهذا الأمر، إذا اعتنقه. ومن الباب: قومت الشيء تقويماً. ويقال: قام يقوم قياماً، فهو قائم، وجمعه: قيام، وأقامه غيره. وأقام بالمكان إقامة. وتقول العرب: فلان قائم بأمر هذه البلدة، يعنى بذلك: المتولي تدبير أمرها. والقيام والقِوام: اسم لما يقوم به الشيء، أي: يثبت، كالعماد والسناد لما يعمد ويسند به، تقول: هذا قِوام الدين والحق، أي: به يقوم. وأما القَوام فالطول الحسن. وقام فلان مقام فلان: إذا ناب عنه. والإقامة في المكان: الثبات. وإقامة الشيء: توفية حقه. والمـُقام -بضم الميم- يقال للمصدر، والمكان، والزمان، والمفعول، لكن الوارد في القرآن هو المصدر، نحو قوله سبحانه: {إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا} [سورة الفرقان، الآية: 66]، والمـُقامة: الإقامة. ويعبر بالإقامة عن الدوام، قال تعالى: {عَذَابٌ مُّقِيمٌ} [سورة هود، الآية: 39]. والقيامة: عبارة عن قيام الساعة أصلها ما يكون من الإنسان من القيام دفعة واحدة، أدخل فيها الهاء تنبيهاً على وقوعها دفعة.

    وهم يقولون في الأصل الأول: قيام حتم، وفي الأصل الآخر: قيام عزم.

    وقال الراغب الأصفهاني: "القيام على أنواع: قيام بالشخص، إما بتسخير أو اختيار، وقيام للشيء هو المراعاة للشيء والحفظ له، وقيام هو العزم على الشيء؛ فمن القيام بالتسخير قوله تعالى: {مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ} [سورة هود، الآية: 100] الضمير في الآية يعود على (القرى) الوارد في مطلع الآية: {ذَظ°لِكَ مِنْ أَنبَاءِ الْقُرَىظ°}، فبعضها لا يزال قائماً على حاله، وبعضها أهلكها الله بذنوبها، والمراد بالتسخير هنا كون الفعل بتسخيره سبحانه. ومن القيام الذي هو بالاختيار قوله تعالى: {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا} [سورة الزمر، الآية: 9]. ومن المراعاة للشيء قوله سبحانه: {كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّـهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ} [سورة المائدة، الآية: 8] أي: مراعين لما أمركم به ونهاكم عنه. ومن القيام الذي هو العزم قوله تعالى: {كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّـهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ} [سورة المائدة، الآية: 6]، أي: إذا عزمتم على أداء الصلاة، فتطهروا لها بالوضوء.

    والجذر (ق.و.م) مع اشتقاقاته المتعددة ورد في القرآن الكريم في ستة وخمسين وستمائة (656) موضع، جاء في أربعة وتسعين (94) موضعاً بصيغة الفعل، من ذلك قوله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ} [سورة البقرة، الآية: 43]. وورد في اثنين وستين وخمسمائة (562) موضع بصيغة الاسم، من ذلك قوله عز وجل: {اللَّـهُ لَا إِلَـظ°هَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} [سورة البقرة، الآية: 255]، وأكثر اشتقاق لهذا الجذر ورد في القرآن لفظ (القوم)حيث ورد هذا اللفظ في ستة ومائتي (206) موضع.

    وما يهمنا من هذا الجذر اللغوي لفظ (الإقامة) فقد جاء هذا اللفظ في القرآن على ستة معان، هي:

    الأول: بمعنى الإتمام، وهذا كثير في القرآن، منه قوله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ} [سورة البقرة، الآية: 43] أي: أتموها بحقوقها وحدودها. ومثله قوله سبحانه: {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ} [سورة البقرة، الآية: 3]. ولم يأمر تعالى بـ {الصَّلَاةَ} حيثما أمر، ولا مدح بها حيثما مدح إلا بلفظ (الإقامة)؛ تنبيهاً على أن المقصود منها توفية شرائطها، لا الإتيان بهيئاتها، نحو: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ} [سورة البقرة، الآية: 43]، في غير موضع، وقوله سبحانه: {وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ} [سورة النساء، الآية: 162].

    الثاني: بمعنى استقبال القبلة، ورد على هذا المعنى قوله عز من قائل: {وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ} [سورة الأعراف، الآية: 29] أي: استقبلوا القبلة بوجوهكم عند الصلاة.

    الثالث: بمعنى الإخلاص في الدين،
    من ذلك قوله عز من قائل: {وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا} [سورة يونس، الآية: 105] أي: أخلص عبادتك وطاعتك لله وحده لا شريك له.

    الرابع: بمعنى أداء الفرائض التي فرضها الله على عباده في كتبه،
    جاء على هذا المعنى قوله تبارك وتعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِم مِّن رَّبِّهِمْ} [سورة المائدة، الآية: 66] أي: عملوا بها. ومنه أيضاً قوله سبحانه: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَىظ° شَيْءٍ حَتَّىظ° تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ} [سورة المائدة، الآية: 68] أي: تعملوا بهما، فتأتمرون بما فيهما من الأوامر، وتنتهون عما فيهما من النواهي.

    الخامس: بمعنى التسوية والعمارة، جاء بحسب هذا المعنى قوله تعالى في قصة موسى مع الخضر عليهما السلام: {فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ} [سورة الكهف، الآية: 77] أي: سواه وعمَّره.

    السادس: بمعنى الاستقرار في الوطن: {يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ} [سورة النحل، الآية: 80] أي: يوم سفركم ويوم استقراركم في أوطانكم.

    ثم ها هنا آيات تضمنت هذا الجذر اللغوي، وردت على معان متعددة، نحاول تالياً الوقوف على معانيها، فمن ذلك:
    قوله سبحانه: {فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ} [سورة المائدة، الآية: 107] أي: ينوبان منابهما، فـ (القيام) بمعنى النيابة، من قام فلان مقام فلان: إذا ناب عنه.

    وقوله عز من قائل: {قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَىظ° صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا} [سورة الأنعام، الآية: 161] أي: ديناً ثابتاً مقوماً لأمور معاشهم ومعادهم. وقال الطبري: ومعناه ديناً مستقيماً لا عوج فيه. ومثل هذا قوله جل جلاله: {ذَظ°لِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ} [سورة يوسف، الآية: 40] أي: الدين المستقيم، الذي لا عوج فيه.

    وقوله سبحانه: {وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجًا} [سورة الكهف، الآية: 1-2] أي: (قيما) معتدلاً مستقيماً. وقيل: عنى به: أنه قيم على سائر الكتب، يصدقها ويحفظها.

    وقوله عز وجل: {وَذَظ°لِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} [سورة البينة، الآية: 5] يعني بـ {الْقَيِّمَةِ}: المستقيمة العادلة، والمراد ملة الإسلام ملة مستقيمة عادلة. فـ {الْقَيِّمَةِ} ها هنا اسم للأمة القائمة بالقسط المشار إليهم بقوله سبحانه: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ} [سورة آل عمران، الآية: 110].

    وقوله تعالى: {فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ} [سورة البينة، الآية: 3] إشارة إلى ما في القرآن من معاني كتب الله تعالى؛ فإن القرآن مجمع ثمرة كتب الله تعالى المتقدمة. وقد قال الطبري هنا: "في الصحف المطهرة كتب من الله، قيمة عادلة مستقيمة، ليس فيها خطأ؛ لأنها من عند الله".

    وقوله سبحانه: {اللَّـهُ لَا إِلَـظ°هَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} [سورة البقرة، الآية: 255] أي: القائم الحافظ لكل شيء، والمعطي له ما به قِوامه، وذلك هو المعنى المذكور في قوله عز وجل: {الَّذِي أَعْطَىظ° كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىظ°} [سورة طه، الآية: 50]، وفي قوله تبارك وتعالى: {أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَىظ° كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ} [سورة الرعد، الآية: 33].

    وقوله سبحانه: {وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَىظ°} [سورة النساء، الآية: 142]، فإن هذا من القيام -الذي هو العزم- لا من الإقامة.

    وقوله عز وجل: {رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ} [سورة إبراهيم، الآية: 40] أي: وفقني لتوفية شرائطها، وقوله: {فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ} [سورة التوبة، الآية: 11] فقد قيل: عني بإقامتها الإقرار بوجوبها، لا بأدائها.

    وقوله تعالى: {لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا} [سورة الأحزاب، الآية: 13]، من قام، أي: لا مستقر لكم، وقد قرئ: {لَا مُقَامَ لَكُمْ} من: أقام.


    منقول

    .
    التعديل الأخير تم بواسطة مصطفى شعبان; الساعة 04-16-2016, 02:45 PM. سبب آخر: تصحيح وترقيم
يعمل...