
ألا من مبلغٌ عني الوجيه رسالةً *** وإن كان لا تجدي إليه الرسائلُ
تمذهبتَ للنعمان بعد ابن حنبل ٍ *** وذلك لمّا أعوزتك المآكل ُ
وما اخترتَ رأي الشافعي ديانة ً *** ولكن لأن تهوى الذي منه حاصلُ
وعما قليلٍ أنت لاشك صائرٌ *** إلى مالكٍ فافطن لما أنا قائلُ
واستنكر السيوطي مقاله التلميذ في شيخه فقال معلقاً: قلت: هكذا تكون التلامذة يتخرّجون بأشياخهم ،ثم يهجونهم ،لا قوة إلا بالله، وكان قد أشار حين ترجم له أنه كان قليل الحظ من التلامذة يخرجون به ،ولا يُنسبون إليه (8) .
ومن هذا الشعر يستفاد أن التحويل إلى أكثر من مذهب كان معروفاً أيضاً، فقد تنبأ التلميذ أن شيخه سيتحول إلى المذهب الثالث وهو المذهب الحنبلي. والحق أن ذلك حاصل أيضاً، فقد ذكر السيوطي في ترجمة الحسن بن المبارك الزَّبيدي البغدادي المتوفى 543هـ، أنه كان حنبلياً ثم تحول شافعياً ثم استقر حنفياً (9) . وتجيبنا كتب التراجم عن السؤال الذي يطرح نفسه وهو هل كان العالم ينسى أحكام المذهب الذي تركه أم يستفيد منه في تنويع معارفه وتوسيع علومه الفقهية؟ فالظاهر أن بعضهم كان يستثمر كل ذلك ليفيد الناس، ذكر السيوطي في ترجمة ضياء الدين القرمي العفيفي أنه كان يقول: أنا حنفي الأصول، شافعي الفروع، فكان يستحضر المذهبين ويفتي فيهما (10). وبعضهم كان يتعصب لمذهبه الجديد، ذكر السيوطي أن عبد الواحد بن علي بن بَرهان الأسدي بعد انتقاله إلى المذهب الحنفي- كما ذكرنا - صار متعصباً لأبي حنيفة (11) ، وأمام صور التحول هذه نلحظ أن هناك من يرفض تغيير مذهبه ولو مُنع من التدريس في المدرسة النظامية التي تعد أكبر جامعة في وقتها، قال السيوطي في ترجمة العكبري صاحب التبيان: إنه كان حنبلياً، وإن جماعة من الشافعية سألوه أن ينتقل إلى المذهب الشافعي ويعطوه تدريس النحو بالنظامية، فقال: لو أقمتموني وصببتم عليَّ الذهب حتى واريتموني ما رجعت عن مذهبي (12)، أما الزجاج فقد قيل: إن آخر ما سمع منه هو قوله: اللهم احشرني على مذهب أحمد بن حنبل رضي الله عنه (13).
ويبدو أن هذه الظاهرة باتت في عصرنا نادرة، إذ لم أسمع عن عالم غير مذهبه الفقهي، ووجدنا علماء التزموا بمذهب واحد لكنهم اطلعوا وفقهوا المذاهب الأخرى فتراهم يفتون الناس على ضوء ذلك تسهيلاً، أو تعليماً، لكن انتشر بين أنصاف المتعلمين، والأغرار منهم من لم يتمذهب أصلاً، وهي طامة كبرى، ليس لها حسنة، وثمة ظاهرة تراها في كتب التراجم تشير إلى تغيير يحصل لبعضهم ضمن دائرة تعد خارجة عن أهل السنة والجماعة، قال أبو الطيب في ترجمة شُبيل بن عَزرة الضبعي: إنه كان راوية نسّاباً عالما بالغريب وكان يتشيع سبعين سنة ثم صار بعد ذلك خارجياً (14)، وفي تراجم أهل اليمن الكثير ممن غير مذهبه من الزيدية إلى أهل السنة، ذكر صاحب نشر العرف أن الأخفش اليمني صاحب كتاب العقد الوسيم في أحكام الظرف والجار والمجرور، كان زيدي المذهب ثم نظر بعد ذلك في كتب السنة فمال إلى الترجيح واطلع على "الهدي النبوي" عند البدر السيد محمد بن إسماعيل الأمير فاشتغل به وعمل بما أداه إليه نظره (15) ، ومثله السيد يحيى بن محمد الحوثي تلميذ الأخفش السابق ذكره، "مال إلى السنة النبوية واعتنى بها كل العناية رواية ودراية وعلماً وعملاً (16) . وانتشر في هذا العصر بين فقراء أهل السنة التحويل إلى المذهب الشيعي، كما حصل في سورية، وإفريقية، وحصل تحويل من المذهب الشيعي إلى السني لانتشار الفضائيات.
وأخيراً ذكر الدكتور مازن المبارك أن بطرس البستاني اعتنق المذهب البروتستانتي، على يد القس الأمريكي سميث (17)، وهذا يعني أن ظاهرة تغيير المذهب عامة في كل زمان ومكان ،وليست مخصوصة بقوم دون قوم .
نسأل الله أن يهدينا سواء السبيل.
_______________________________________
[1]- ذكر صاحب شذرات الذهب 2/396أن الإمام الترمذي كان من كبار فقهاء الشافعية بالعراق ،كان حنفياً فرأى ما يقتضي انتقاله لمذهب الشافعي
[2] - البغية 2/115
[3] - البغية 1/498تحقيق علي عمر
[4] - البغية 2/197،قيل :إن أبا حيان كان ظاهرياً ثم انتمى إلى الشافعي ،وقيل بقي ظاهرياً ،البدر الطالع 2/290
[5] - البغية ،2/65
[6] - العقد الثمين 2/318
[7] -البغية ،2/265
[8] -البغية ،2/265
[9] - البغية 1/498تحقيق علي عمر
[10] - البغية 2/23
[11] - البغية 2/116
[12] - البغية2/35بتصرف
[13] - البغية 1/413
[14] - المراتب،46
[15] - نشر العرف 1/793-794وانظر العقد الوسيم (المقدمة)
[16] - ملحق البدر الطالع ،234
[17] - نحو وعي لغوي 150
المصادر والمراجع:
1- روح المعاني للآلوسي , دار الفكر , 1398هـ ـ 1987 م
2- بغية الوعاة للسيوطي , تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم – المكتبة العصرية ـ صيدا – لبنان وطبعة أخرى بتحقيق علي محمد عمر – مكتبة الخانجي – الطبعة الأولى – 1426هـ- 2005.
3-شذرات الذهب لابن العماد , تحقيق مصطفى عبد القادر العطا , التوزيع دار الباز بمكة المكرمة
4-العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين , للفاسي , منشورات البحث العلمي جامعة أم القرى
5- العقد الوسيم للأخفش اليمني , تحقيق الدكتور رياض الخوام , المكتبة العصرية , لبنان
6- مراتب النحويين لأبي الطيب اللغوي , تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم , دار نهضة مصر , القاهرة
7- نحو وعي لغوي , الدكتور مازن مبارك , مؤسسة الرسالة , ط2 1406هـ
8- نشر العرف لنبلاء اليمن بعد الألف تأليف , محمد بن محمد زبارة , مركز الدراسات والبحوث اليمني , صنعاء , دار الآداب , بيروت 1405 هـ7
