من نظائر تعارض الأصل الاستعمالي والقياسي في النحو

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • مصطفى شعبان
    عضو نشيط
    • Feb 2016
    • 12782

    #1

    من نظائر تعارض الأصل الاستعمالي والقياسي في النحو

    من نظائر تعارض الأصل الاستعمالي والقياسي في النحو
    الأصل في التمييز الجمع وضعًا والإفراد استعمالاً

    د.مصطفى شعبان

    وقد نوقش هذا الأصل في دائرة توجيه قوله تعالى : ((وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ..))[الكهف: 25] ناقش شهاب الدين الخفاجي فيه كلًّا من الزمخشري وتلميذه البيضاويِّ ، ولم تك هذه المناقشة في قراءة الجمهور الذي قرأ بتنوين (ثلاثمئةٍ)؛ لأن على قراءة التنوين يجب أن يكون (سنين) بدلاً من ثلاثمئة أو عطف بيان له(1)، ولا يجوز جعله تمييزًا؛ لأنك لو جعلته تمييزًا لاقتضى أن يكون كل واحد من الثلاثمئة سنينَ، فتكون مدة لبثهم تسعمائة سنة على الأقل – لأن أقل السنين ثلاثة – وذلك ليس مرادًا قطعًا(2).
    وإنما كانت المناقشة في قراءة حمزة والكسائي(3) بإضافة (مائة) إلى (سنين) هكذا : ((ولبثوا في كهفهم ثلاثَ مِائَةِ سنين)) أوقعوا الجمع في سنين موقع المفرد ، و (مائة) واحد وقع موقع الجمع وجمع بينهما تنبيهًا على الأصل، أما الباقون كما سبق فقرءوا بالتنوين؛ لأنه لما عدل عن قياسه عدل عن إضافته فيكون (سنين) بدلًا من (ثلاثمائة) أو عطف بيان.
    قال الزمخشري : ((وقرئ ثلاثمائةِ سنين بالإضافة على وضع الجمع موضع الواحد في التمييز)) (4).
    يعني أنه لما قُرئ بإضافة الـ (ثلاثمائة) إلى المعدود كان القياس أن يأتي المعدود (التمييز) بعدها مفردًا على الأصل أي : ثلاثمائة سنةٍ، ولكن عُدل عن المفرد ووضع الجمعُ موضعه .
    ويعقب الشهاب على البيضاوي الذي نقل توجيه شيخه الزمخشري قائلًا – أي الشهاب - :
    ((وقد تبع فيه الزمخشري وهو مخالف لقول ابن الحاجب أن الأصل في التمييز مطلقًا هو الجمع، لكنه يعدل عنه لغرض)) (5).
    قال الرضي : ((والأصل في التمييز الجمع ، وإنما عدل إلى المفرد لعلة كما تقدم، فإذا استعمل المميز جمعًا استعمل على الأصل)) (6).
    ولعل مراده بكون الأصل في تمييز الأعداد الجمع أنه لما كان أصل الأعداد كلها قبل التركيب أو الإضافة أن يكون مميزها جمعًا نحو : ((ثلاثة رجال – أربعة رجال – خمسة رجال - ... إلى عشرة)) كان أصل التمييز إذًا (الجمع) ، أما بعد التركيب نحو: ((ثلاثة عشر رجلًا)) ، والإضافة نحو: ((ثلاثة وعشرون رجلًا))، وألفاظ العقود نحو: ((ثلاثون رجلًا)) (ثلاثمائة رجلًا) ، فالمميِّز في كل ذلك على الإفراد ، لوروده في كل هذه الاستعمالات مفردًا ، وعلى قول الرضي إذا استعمل التمييز في شيء من هذه المواضع جمعًا فهو على الأصل .
    ويجمع الشهاب بين الوجهتين بأن ((الجمع أصل بحسب الوضع الأصلي والقياسي، والإفراد أصل بحسب الاستعمال لغلبته فيه بلا شبهة)) (7).
    ومن المعلوم في اصطلاح أهل هذا الفن أنه إذا تعارض أصلان أحدهما قياسي والآخر استعمالي ، قدم الأصل الاستعمالي .
    وقد سبق الزمخشريَّ في جعل الأصل في مميِّز الأعداد هو المفرد، مكيُّ بن أبي طالب – في معرض ذكره لحجة من قرأ الآية السابقة بدون إضافة – إذ يقول: ((إن هذا العدد إنما يُبَيَّن بواحد يضاف إليه ، وليس المستعمل فيه أن يضاف إلى جمع، إلا أن يكون فيما دون العشرة ، فيضاف إلى جمع للمشاكلة في أن كل واحد من الجمعين لأقل العدد ، فإذا علا العدد في الكثرة لم يضف إلى أقل العدد لاختلاف معنييهما فيضاف إلى واحد يُبَيِّن جنسه..)) (8).
    ويتأيد رأي ابن الحاجب في أن الأصل في تمييز العدد هو الجمع مطلقًا، وأنه هو القياس بكلام عبد القاهر الجرجاني في ((المقتصد)) الذي ذهب فيه إلى أن الجمع هو القياس ، وعلل ذلك بأنه ((إنما جُعل الجمع القياس، لأن الباب الذي هو العشرة فما دونها إلى الثلاثة مبنيٌّ على التبيين بالجمع ، ومعلوم أن الأقيس أن يطرد الباب على سَنَن واحد .. وأما (مائة) فإنها تضاف إلى ما يبينها كما تضاف عشرة، إلا أن المبيِّن مفردٌ ، نحو: مائة درهم ، وذلك أن مائة يتجاذبها شبهان:
    أحدهما : مع عشرة ، وهو أن (مائة) عشرُ عشراتٍ ، كما أن عشرةً عشرُ مراتٍ واحدًا .
    والشبه الثاني : مع تسعين، من حيث إنها جمع كثرة ، ولأنها تليه أيضًا، فلما كان كذلك أعطيت المائة من حكم كل واحد من القبيلين شطرًا، فجعل ما يبينها مجرورًا ليكون كعشرة ، ولم يجمع فيقال : ما ئةُ دراهم ، ومائةُ رجالٍ ، ليكون كالتسعين في التبيين بالمفرد؛ إذ لا يقال : تسعون دراهم ، ولا تسعون رجالًا)) (9).
    وتوجيه الشهاب يجمع بين الفريقين في أن ((الجمع أصل بحسب الوضع والقياس، والإفراد أصل بحسب الاستعمال لغلبته فيه بلا شبهة)) ، فلو استعمل في التمييز الجمعُ استعمل على الأصل ، وإن عُدل عنه إلى المفرد لِعلَّةٍ استعمل فيه أصل الاستعمال لمستند الغلبة .
      
    ( 1) ((معاني الأخفش)) (2/436) ، ((معاني الزجاج)) (3/278) ، ((إعراب النحاس)) (2/399).
    (2 ) ((معاني القرآن وإعرابه للزجاج)) (3/278) ، وانظر: ((شرح كافية ابن الحاجب)) (2/155) ، ((شرح التصريح)) (2/273) ، ((حاشية الصبان)) (4/94-95) .
    (3 ) وهي قراءة طلحة والأعمش , والحسن، وابن أبي ليلى ، وخلف ، وابن سعدان ، وابن عيسى الأصبهاني، وابن جبير الأنطاكي ، انظر: ((الكشف)) (2/58) ، ((إعراب النحاس)) ، ((الإقناع)) (2/689) ، ((النشر)) (2/310) ، ((الإتحاف)) (2/212) ، ((معاني الفراء)) (1/138) ، ((المقتضب)) (2/169) ، ((شرح التسهيل)) (2/394) ، ((ارتشاف الضرب)) (2/744) ، ((البحر المحيط)) (7/164) ، ((همع الهوامع)) (2/348) .
    ( 4) ((الكشاف)) (3/60)، وانظر: ((أنوار التنزيل)) (3/278) .
    (5 ) ((عناية القاضي)) (6/93) .
    (6 ) ((شرح كافية ابن الحاجب)) للرضي (2/155) .
    (7 ) ((عناية القاضي)) (6/93) .
    (8 ) ((الكشف عن وجوه القراءات)) (2/58) .
    (9 ) ((المقتصد في شرح الإيضاح)) (2/732-733) .

يعمل...