"حِجْرًا" معانيها وإعراباتها واستعمالاتها في لغة العرب
د.مصطفى شعبان
د.مصطفى شعبان
يرد في الأساليب العالية الفُصحى كثيرًا لفظ: (حِجْرًا)، فما هي مواقعه الدلالية المعنوية، وموارده الاستعمالية، وهل هو دائم النصب إعرابيًّا أم يأتي مرفوعًا؟ هذا ما سنحاول تجليته في هذه الأبحوثة:
قال الزجَّاج : ((وأصل الحَجْر في اللغة: ما حَجَرْتَ عليه ، أي : ما منعت من أن يوصل إليه ، وكل ما منعت منه فقد حجرت عليه ، وكذلك حَجْر القضاة على الأيتام إنما هو منعهم إيَّاهم عن التصرف في أموالهم))(1).
والحُجْر؛ بكسر الحاء وضمها: الحرام ، والكسر أفصحُ(2).
قال مجاهد وابن جريج: ((كانت العرب إذا كرهت شيئًا قالوا حِجْرًا ، وقال أبو عبيدة: هاتان اللفظتان عُوْذَةٌ للعرب يقولهما من خاف آخر في الحرم أو في شهر حرام إذا لقيه وبينهما ترة)) (3).
وقيل: ((هذه كلمة كانوا يتكلمون بها عند لقاء عدو وهجوم نازلة يضعونها موضع الاستعاذة ، يقال للرجل : أتفعل كذا ؟ فيقول حِجْرًا محجورًا ؛ أي حرامًا محرمًا عليك التعرض لي)) (5), ومنه (المحْجَر): وهو المحرَّم(6).
وألحق سيبويه ((حِجْرًا)) بالمصادر التي لا تتصرف – أي التي تلازم النصب على المصدرية .
قال : ((ومثل ذلك – أي مثل سبحان وغيره من المصادر الملازمة للنصب -:
((يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا ))[الفرقان:22]، أي: حرامًا محرمًا ، يريد البراءة من الأمر، ويبعِّدُ عن نفسه أمرًا، فكأنه قال: أُحَرِّم ذلك حرامًا محرَّمًا، ومثل ذلك أن يقول الرجلُ للرجل: أتفعل كذا وكذا، فيقول: حِجْرًا، أي سترًا وبراءة من هذا، فهذا ينتصب على إضمار الفعل، ولم يُردْ أن يجعله مبتدأ لخبر بعده ، ولا مبنيًّا على اسم مضمر)) (7).
وكذلك جعله الزمخشريُّ، والبيضاويُّ من المصادر التي تلازم النصب على المصدرية(8).
ولكنَّ الشهاب الخفاجي يورد على القائلين بلزوم هذه الكلمة للنصب على المصدرية وعدم تصرفها اعتراضًا بأنها قد وردت مرفوعة(9) بدليل ما أنشده الزمخشري(10):
قالت وفيها حيْدةٌ وذُعْر *** عَوْذٌ بربِّي منكم وحِجْر
والحق أنه لا تعارض بين مقالة الذاهبين إلى عدم تصرف هذه الكلمة ومقالة من ذهب إلى سماع وقوعها متصرفة .
وتحرير ذلك : أن مادة ((الحِجْر)) وردت في اللغة على موردين :
المورد الأول : هو المشوب بمعنى المبارأة والتعوذ .
قال الزمخشري : ((وهذه – أي حجرًا – كلمة كانوا يتكلمون بها عند لقاء عدو موتور ، أو هجوم نازلة ، أو نحو ذلك يضعونها موضع الاستعاذة ..
فيقولون: حِجْرًا وهي من حَجَرَهُ إذا منعه؛ لأن المستفيد طالب من الله أن يمنع المكروه فلا يلحقه ، فكان المعنى : أسأل الله أن يمنع ذلك منعًا ويحجره حجرًا)) (11).
المورد الثاني : إذا كان على أصله من المنع أو الستر من غير أن يشاب بهذا المعنى أي معنى البراءة والتعوذ .
أما المورد الأول، فالأفصح فيه عدم التصرف – كما ذكر النحاة – أي أن يلازم النصب على المصدرية وناصبها فعل مضمر لازم الإضمار ، لجريانه مجرى الدعاء ولكونه بدلًا من اللفظ بالفعل(12)، ولمجيئه مشوبًا بمعنى الاستبراء والتعوُّذ.
أما الثاني : وهو ما إذا أتى على أصله من المنع من غير أن يشاب بهذا المعنى فإنه متصرف(13)، ومنه قول الله تعالى: ((هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ))[الفجر: 5]، وقوله: ((وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ )) [الأنعام: 138] أي: ممنوع .
وعليه يُحمل ما جاء مرفوعًا على أصل المنع الذي لم يشبه تبرؤ أو استعاذة.
فيحمل عليه ما أنشده الزمخشري :
................ عـــوذٌ بربِّي منكـــم وحِجْــر
والتقدير: أسأل الله أن يعيذني منكم ويمنعني ، فلو قيل : إن معنى (حجر) في البيت التعوذ والتبرئة : قلنا: أغنى عن ذلك ذكره لفظة (عوذٌ) وإلا لتوارد لفظان على مورود واحدٍ .
ومنه قول القائل (14):
حَنَّتْ إلى النخلة القصوى فقلت لها حِجْرٌ حرام ألا تلك الدهاليس
فـ ((حجر)) هنا أي (ممنوع) لذا جاءت متصرفة غير ملازمة للنصب على المصدرية.
وإلى هذا المسلك في الجمع بين المذهبين يشير كلام المبرد في ((حجر)) ،حيث يقول: ((ومثل ذلك : حِجْرًا ، إنما معناه : حرامًا ، فهو في موضعه لو تكلمت به ، فمن ذلك قول الله عزَّ وجلَّ : ((حِجْرًا مَحْجُورًا)) أي : حرامًا محرمًا .. ولو قلت: حِجْرٌ ، ومرحبٌ – لصلح ، تريد : أمرُكَ هذا)) (15) أي أمرُك هذا حجرٌ، أي: حرام ممنوع.
فكلام المبرد يشعرأن كلمة ((حجر)) لا تلازم النصب على المصدرية إذا كانت على أصلها من المنع والحرمة، فلا منافاة إذًا بين موارد النصب اللازم على المصدرية وموارد التصرف رفعًا ونصبًا وجرًّا ، فموارد النصب اللازم لمعنى الاستبراء والتعوذ ، وموارد التصرف على أصل المعنى من المنع.
والحُجْر؛ بكسر الحاء وضمها: الحرام ، والكسر أفصحُ(2).
قال مجاهد وابن جريج: ((كانت العرب إذا كرهت شيئًا قالوا حِجْرًا ، وقال أبو عبيدة: هاتان اللفظتان عُوْذَةٌ للعرب يقولهما من خاف آخر في الحرم أو في شهر حرام إذا لقيه وبينهما ترة)) (3).
وقيل: ((هذه كلمة كانوا يتكلمون بها عند لقاء عدو وهجوم نازلة يضعونها موضع الاستعاذة ، يقال للرجل : أتفعل كذا ؟ فيقول حِجْرًا محجورًا ؛ أي حرامًا محرمًا عليك التعرض لي)) (5), ومنه (المحْجَر): وهو المحرَّم(6).
وألحق سيبويه ((حِجْرًا)) بالمصادر التي لا تتصرف – أي التي تلازم النصب على المصدرية .
قال : ((ومثل ذلك – أي مثل سبحان وغيره من المصادر الملازمة للنصب -:
((يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا ))[الفرقان:22]، أي: حرامًا محرمًا ، يريد البراءة من الأمر، ويبعِّدُ عن نفسه أمرًا، فكأنه قال: أُحَرِّم ذلك حرامًا محرَّمًا، ومثل ذلك أن يقول الرجلُ للرجل: أتفعل كذا وكذا، فيقول: حِجْرًا، أي سترًا وبراءة من هذا، فهذا ينتصب على إضمار الفعل، ولم يُردْ أن يجعله مبتدأ لخبر بعده ، ولا مبنيًّا على اسم مضمر)) (7).
وكذلك جعله الزمخشريُّ، والبيضاويُّ من المصادر التي تلازم النصب على المصدرية(8).
ولكنَّ الشهاب الخفاجي يورد على القائلين بلزوم هذه الكلمة للنصب على المصدرية وعدم تصرفها اعتراضًا بأنها قد وردت مرفوعة(9) بدليل ما أنشده الزمخشري(10):
قالت وفيها حيْدةٌ وذُعْر *** عَوْذٌ بربِّي منكم وحِجْر
والحق أنه لا تعارض بين مقالة الذاهبين إلى عدم تصرف هذه الكلمة ومقالة من ذهب إلى سماع وقوعها متصرفة .
وتحرير ذلك : أن مادة ((الحِجْر)) وردت في اللغة على موردين :
المورد الأول : هو المشوب بمعنى المبارأة والتعوذ .
قال الزمخشري : ((وهذه – أي حجرًا – كلمة كانوا يتكلمون بها عند لقاء عدو موتور ، أو هجوم نازلة ، أو نحو ذلك يضعونها موضع الاستعاذة ..
فيقولون: حِجْرًا وهي من حَجَرَهُ إذا منعه؛ لأن المستفيد طالب من الله أن يمنع المكروه فلا يلحقه ، فكان المعنى : أسأل الله أن يمنع ذلك منعًا ويحجره حجرًا)) (11).
المورد الثاني : إذا كان على أصله من المنع أو الستر من غير أن يشاب بهذا المعنى أي معنى البراءة والتعوذ .
أما المورد الأول، فالأفصح فيه عدم التصرف – كما ذكر النحاة – أي أن يلازم النصب على المصدرية وناصبها فعل مضمر لازم الإضمار ، لجريانه مجرى الدعاء ولكونه بدلًا من اللفظ بالفعل(12)، ولمجيئه مشوبًا بمعنى الاستبراء والتعوُّذ.
أما الثاني : وهو ما إذا أتى على أصله من المنع من غير أن يشاب بهذا المعنى فإنه متصرف(13)، ومنه قول الله تعالى: ((هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ))[الفجر: 5]، وقوله: ((وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ )) [الأنعام: 138] أي: ممنوع .
وعليه يُحمل ما جاء مرفوعًا على أصل المنع الذي لم يشبه تبرؤ أو استعاذة.
فيحمل عليه ما أنشده الزمخشري :
................ عـــوذٌ بربِّي منكـــم وحِجْــر
والتقدير: أسأل الله أن يعيذني منكم ويمنعني ، فلو قيل : إن معنى (حجر) في البيت التعوذ والتبرئة : قلنا: أغنى عن ذلك ذكره لفظة (عوذٌ) وإلا لتوارد لفظان على مورود واحدٍ .
ومنه قول القائل (14):
حَنَّتْ إلى النخلة القصوى فقلت لها حِجْرٌ حرام ألا تلك الدهاليس
فـ ((حجر)) هنا أي (ممنوع) لذا جاءت متصرفة غير ملازمة للنصب على المصدرية.
وإلى هذا المسلك في الجمع بين المذهبين يشير كلام المبرد في ((حجر)) ،حيث يقول: ((ومثل ذلك : حِجْرًا ، إنما معناه : حرامًا ، فهو في موضعه لو تكلمت به ، فمن ذلك قول الله عزَّ وجلَّ : ((حِجْرًا مَحْجُورًا)) أي : حرامًا محرمًا .. ولو قلت: حِجْرٌ ، ومرحبٌ – لصلح ، تريد : أمرُكَ هذا)) (15) أي أمرُك هذا حجرٌ، أي: حرام ممنوع.
فكلام المبرد يشعرأن كلمة ((حجر)) لا تلازم النصب على المصدرية إذا كانت على أصلها من المنع والحرمة، فلا منافاة إذًا بين موارد النصب اللازم على المصدرية وموارد التصرف رفعًا ونصبًا وجرًّا ، فموارد النصب اللازم لمعنى الاستبراء والتعوذ ، وموارد التصرف على أصل المعنى من المنع.
_______________
( 1) ((البحر المحيط)) (3/161-162) .
( 2) ((معاني القرآن وإعرابه)) (4/63-64) .
(3 ) ((مختار الصحاح)) (ص:79) ، ومنه : الحُجْرة التي ينزلها الناس ، والمحْجَرُ المحرَّمُ ، انظر: ((معاني الفراء)) (2/266) ، ((إعراب النحاس)) (3/127) .
(4 ) ((تفسير البحر المحيط)) (8/97-98) .
(5 ) ((تفسير فتح القدير)) للشوكاني (4/69) .
(6 ) ((معاني الفراء)) (2/266-270) .
(7 ) ((الكتاب)) لسيبويه (1/164) .
(8 ) ((الكشاف)) (3/324) ، ((أنوار التنزيل)) (4/122) .
(9 ) ((حاشية الشهاب على البيضاوي)) (6/417-418) .
( 10) ((الكشاف)) (3/324) .
(11 ) السابق (3/324) .
( 12) ((ارتشاف الضرب)) (3/1360) ، ((همع الهوامع)) (2/104) .
(13 ) ((همع الهوامع)) (2/117) .
(14 ) ((البحر المحيط)) (8/98) .
( 15) ((المقتضب)) (3/218) .
( 1) ((البحر المحيط)) (3/161-162) .
( 2) ((معاني القرآن وإعرابه)) (4/63-64) .
(3 ) ((مختار الصحاح)) (ص:79) ، ومنه : الحُجْرة التي ينزلها الناس ، والمحْجَرُ المحرَّمُ ، انظر: ((معاني الفراء)) (2/266) ، ((إعراب النحاس)) (3/127) .
(4 ) ((تفسير البحر المحيط)) (8/97-98) .
(5 ) ((تفسير فتح القدير)) للشوكاني (4/69) .
(6 ) ((معاني الفراء)) (2/266-270) .
(7 ) ((الكتاب)) لسيبويه (1/164) .
(8 ) ((الكشاف)) (3/324) ، ((أنوار التنزيل)) (4/122) .
(9 ) ((حاشية الشهاب على البيضاوي)) (6/417-418) .
( 10) ((الكشاف)) (3/324) .
(11 ) السابق (3/324) .
( 12) ((ارتشاف الضرب)) (3/1360) ، ((همع الهوامع)) (2/104) .
(13 ) ((همع الهوامع)) (2/117) .
(14 ) ((البحر المحيط)) (8/98) .
( 15) ((المقتضب)) (3/218) .
