رؤية في تطور ظاهرة الجمع في اللغة العربية

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • مصطفى شعبان
    عضو نشيط
    • Feb 2016
    • 12782

    #1

    رؤية في تطور ظاهرة الجمع في اللغة العربية

    رؤية في تطور ظاهرة الجمع في اللغة العربية.
    الدكتور / مفرح سعفان

    من الثابت الآن في الدرس اللغوي الحديث أن الظاهرة اللغوية في لغة من اللغات لا يمكن أن تتكون في ساعة زمنية واحدة
    أو في يوم وليلة فقط، بل إنها تتكون على مر الزمان وعلى مر العصور حتى تستقر في النهاية على صورة أو عدة صور معينة.ويمكن القول بأن ظاهرة الجمع في اللغة العربية قد مرت بمراحل خمس يمكن إجمالها فيما يأتي:
    المرحلة الأولى: مرحلة تعميم الدلالة.
    وفيها كانت الكلمة الواحدة تستعمل للمفرد والجمع معًا.
    والدليل على أن ظاهرة الجمع قد مرت بهذه المرحلةالسحيقة والمتوغلة في القدم وجود بقايا من ركام هذه المرحلة يتمثل في تلك الكلمات التي لا تزال تستعمل حتى يومنا هذا دالة على المفرد أوعلى الجمع على حسب السياق. ومن ذلك على سبيل المثال :
    - كلمة ( بشر) : فقد تدل على المفرد، كما في قوله سبحانه :
    " قل إنما أنا بشر مثلكم " وقد تدل على الجمع، كما في قوله تعالى: " ثم إذا أنتم بشر تنتشرون ".
    ـ كلمة ( فلك): فقد تدل على المفرد كما في قوله جل شأنه عن سفينة نوح عليه السلام :" ويصنع الفلك...... " وقد تدل على الجمع كما في قوله سبحانه :" وترى الفلك مواخر فيه.... ".
    ولعل ما يسمى بـاسم الجنس في اللغة العربية - وهو اللفظ المفرد الدال على معنى الجنس بصفة عامة - ليس إلا امتدادًا لهذه الطريقة في التعبير عن الجمع. وذلك مثل كلمة (نعمة) في قوله سبحانه :" وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها " أي :جنس النعم. وكلمة ( طفلًا) في قوله تعالى: " ثم نخرجكم طفلا" أي :أطفالاً. وكلمة (إمام) في قوله تعالى :"واجعلنا للمتقين إمامًا "أي: أئمة، وإن كان بعض النحاة والمفسرين قد ذهبوا إلى أن كلمة ( إمام) هنا هي جمع ( آم) بمعنى قاصد مثل: قائم وقيام ونائم ونيام.
    المرحلة الثانية: مرحلة بدء التفريق بين المفرد والجمع.
    فمع تعدد مناحي الحياة بدأ الإنسان يفكر في وسيلة يفرق بها بين القليل والكثير أو بين المفرد والجمع.
    وكانت هذه البداية عن طريق وضع كلمة للمفرد ووضع كلمة أخرى للجمع. والدليل على ذلك وجود بقايا من ركام هذه المرحلة لا تزال تستعمل حتى يومنا هذا ومن ذلك على سبيل المثال ما يأتي :
    - كلمة ( امرأة) فجمعها ( نسوة) أو ( نساء).
    ـ كلمة ( امرؤ) فجمعها ( قوم).
    وكذلك: ضمير المتكلم للمفرد (أنا) والجمع ( نحن).
    وكلمة( ذو) بمعنى صاحب فجمعها ( أولو). والمؤنث (ذات)
    فجمعها ( أولات).
    وهذا مايفسر لنا عدم وجود جمع للمفردات السابقة من نفس اللفظ في المعاجم العربية، وهذا ما يفسر لنا أيضا وجود مايسمى باسم الجمع في العربية، وهو ما يدل على الجمع وليس له مفرد من نفس اللفظ، مثل كلمة: ( إبل) فمفردها المذكر ( جمل) ومفردها المؤنث ناقة.
    وكلمة (غنم) فمفردها المذكر (كبش) ومفردها المؤنث (نعجة) وغيرهما.
    المرحلة الثالثة :مرحلة التكسير العشوائي
    بالطبع اتسمت المرحلة السابقة بقدر كبير من الصعوبة، لأنها كانت تحتاج إلى خلق عدد كبير من الألفاظ لكي تكفي لوضع كلمة للمفرد ووضع كلمة أخرى للجمع.
    ولما كان الإنسان بطبعه ينفر من المستثقل ويميل إلى المستخف فلذلك أعرض عن الطريقة السابقة في الجمع، وابتكر طريقة أخرى تقوم على أساس فكرة محددة ، وهي أن يتم الجمع بإحداث أي تغيير في شكل المفرد، فيكون هذا التغيير دالًّا على معنى الجمع، مكونًا ما يعرف في علم النحو العربي بجمع التكسير، أي الجمع الذي يحدث عن طريق تغيير صورة مفرده أيًّا كان هذا التغيير سواء بالزيادة أو بالحذف أو بتغيير حركة. ونظرًا لتعدد اللهجات العربية فقد كان التكسير في بادئ الأمر عشوائيًّا بمعنى أنه لم يكن يخضع في البداية لقواعد منضبطة ومحكمة، بل كان يصاغ بطريقة ارتجالية أو عشوائية.
    ويمكن القول بأن جميع صيغ جموع التكسير السماعية التي لا تخضع لأي قاعدة قياسية منضبطة، والتي لا تزال تستعمل حتى يومنا هذا، هي من بقايا ركام مرحلة التكسير العشوائي هذه. وذلك مثل :
    ـ صيغة فعالة نحو: ( حجارة) في جمع (حجر)و ( جمالة) في جمع (جمل).
    ـ صيغة فعولة: مثل بعولة في جمع ( بعل).
    ـ صيغة (فعلة): مثل إخوة في جمع أخ، وفتية في جمع(فتى).
    وغيرها.
    ولعل مما يؤكد لنا أن مثل هذه الصيغ يعد من بقايا مرحلة التكسير العشوائي أننا نجد المعاجم العربية لا تذكر لهذه الصيغ السماعية إلا عددًا محدودًا من الكلمات، بل إن بعضها لم تجمع عليه إلا كلمة واحدة، وذلك بخلاف الصيغ القياسية حيث تذكر المعاجم لكل صيغة منها ما لا يحصى من المفردات.
    المرحلة الرابعة: مرحلة الجمع السالم.
    ( أي الجمع الذي يسلم فيه المفرد من التغيير ويتم بزيادة حرف ثابت أو مقطع صوتي ثابت في آخر الكلمة) فقد اشتملت المرحلة السابقة على قدر كبير من الصعوبة يتمثل في تعدد أشكال هذا التكسير العشوائي بطريقة لا حصر لها، فكل فرد يغير بطريقته، الأمر الذي يمكن أن يؤدي إلى إحداث نوع من الفوضى في استعمال هذه الجموع، كما يمكن أن يؤدي بالتالي إلى عدم التفاهم بين أبناء الجماعة اللغوية الواحدة.
    ومع رقي فكر الإنسان فقد هداه الله سبحانه وتعالى إلى ابتكار أفضل الطرق وأيسرها في جمع الكلمة، وتريحه من عناء هذا التشتت، وتخلصه من هذه الفوضى التي كاد أن يقع فيها بسبب هذا التكسير العشوائي، ألا وهي طريقة الجمع السالم، التي تقوم على أساس أن يتم الجمع بزيادة حرف أو مقطع صوتي ثابت في آخر الكلمة. وقد كان الجمع السالم في العربية بزيادة واو ونون أو ياء ونون في حالة جمع المذكر السالم، وبزيادة ألف وتاء في حالة جمع المؤنث السالم.
    وتعد مرحلة الجمع السالم هذه ـ فيما أرى ـ نقلة فكرية وحضارية عظيمة في تاريخ تطور ظاهرة الجمع ليس فقط في العربية بل في معظم لغات البشر.
    ذلك أن طريقة الجمع السالم هذه تحقق أمرين اثنين في غاية الأهمية :
    الأول: أنها طريقة سهلة ويسيرة في الجمع.
    والثاني: أنها تعين على تحديد المفرد بدقة.
    ويتأكد لنا ذلك عندما نقرأ مثل قوله سبحانه في سورة الصافات : " ولقد أرسلنا فيهم منذرين. فانظر كيف كان عاقبة المنذرين " فالجمع السالم هنا قد حدد لنا المفرد بكل دقة،فكلمة( منذرين) الأولى ـ بكسر الذال - هي جمع لاسم الفاعل ( منذر). وكلمة ( منذرين) الثانية - بفتح الذال - هي جمع لاسم المفعول ( منذر).
    وهكذا تحقق طريقة الجمع السالم هذه مبدأ السهولة والتيسير المطلوب عند استعمال الظاهرة اللغوية.
    ولعل معظم اللغات قد استقرت على نظام الجمع السالم وتوقفت عنده.وأرى أن هذا التطور والارتقاء الذي حدث لظاهرة الجمع في اللغة العربية من مرحلة التكسير العشوائي إلى مرحلة الجمع السالم لم يقتصر على العربية وحدها بل حدث كذلك في كثير من لغات البشر.
    فاللغة الإنجليزية - على سبيل المثال ـ مع أنها قد استقر نظام الجمع فيها على نظام الجمع السالم بزيادة حرف S فإننا نجد فيها بعض الجموع الشاذة التي لم تكن بزيادة S بل كانت هذه الجموع عن طريق تغيير صورة المفرد. وقد يحدث هذا التغيير في حركات المفرد مثلما نلاحظ في
    الكلمات الآتية:
    men رجال - man
    women نساء - woman
    feet أقدام - foot.
    Teeth أسنان - tooth.
    وقد يتم هذا التغيير بزيادة بعض الحروف مثل :
    Children أطفال - child.
    فتفسير وجود هذه الجموع الشاذة في الإنجليزية - فيما أرى - أنها ليست إلا بقايا من مرحلة التكسير العشوائي التي مرت بها ظاهرة الجمع في اللغة الإنجليزية قبل أن تستقر في النهاية على نظام الجمع السالم بزيادة S.
    المرحلة الخامسة والأخيرة: مرحلة التكسير القياسي
    أي التكسير المنظم الذي يخضع لقواعد قياسية محكمة، وهذه المرحلة لم يرتق إليها -فيما أعلم - إلا لغتنا العربية المجيدة. وتعد - فيما أرى - هي القمة في الدلالة على عبقرية العقل العربي الذي أبدع هذا العدد الكبير من الصيغ القياسية بصورة مذهلة نظرًا لما تشتمل عليه من قواعد متعددة وخصائص متنوعة.
    فهذه الصيغ القياسية تفرق بين العاقل وغير العاقل، فكلمة(عامل) مثلا إذا دلت على العاقل جمعت على عمال، وإذا دلت على غيرالعاقل جمعت على عوامل. وكذلك كلمة ( ماش أو ماشية) إذا دلت على العاقل جمعت على مشاة، وإذا دلت على غير العاقل جمعت على مواش.
    كذلك تفرق هذه الصيغ القياسية بين الاسم والصفة، فكلمة (كبيرة) مثلا إذا كانت اسمًا جمعت على كبائر فنقول: السرقة كبيرة من الكبائر، وإذا كانت وصفًا جمعت على كبار، كما في قولنا : هذه امرأة من كبار السن.
    كما تفرق هذه الصيغ القياسية بين المعاني المختلفة للكلمة الواحدة. فالعين المبصرة تجمع على أعين، وعين الماء تجمع على عيون.
    كذلك تفرق هذه الصيغ القياسية بين ما هو بمعنى فاعل وما هو بمعنى مفعول ، فصيغة( فعيل) مثلا إذا كانت بمعنى فاعل جمعت على فعلاء مثل: رحيم ورحماء وكبير وكبراء. وإذا كانت بمعنى مفعول جمعت على فعلى مثل:قتيل و قتلى، وأسير وأسرى. وغير ذلك من الاعتبارات.
    وقواعد هذه الصيغ القياسية وتفسير ما شذ عن هذه القواعد من خلال القرآن الكريم هو موضوع كتابي هذا :
    جموع التكسير في القرآن الكريم
    رؤية جديدة في قواعد الصيغ وتفسير الشواذ
    وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب .
يعمل...