اللسانيات الحاسوبية والمنهج التقليدي - رؤية تطبيقية
أ. محمد مصطفى الشامي
ظهر حديثًا بين اللغويين المحدثين مصطلح اللسانيات الحاسوبية، وكما نعرف أن جيل اليوم مصاب بهوس المصطلحات وتبنيها من غير أن يعرف عنها سوى القليل، فترى طلاب الدراسات العليا يثبون على هذا التخصص، وكل يزعم أنه قد حاز قصب السبق في عمل دراسته الأولى عن هذا الموضوع، ولكن ما لا يعلمه الكثير من المختصين أن هذا المجال أقيمت فيه دراسات كثيرة منذ ستينات القرن الماضي، مع ذلك نرى الكثير يزعم أن دراساته باكورة اللسانيات الحاسوبية، مع أنه سبقتهم دراسات كثيرة قبلهم بعقود من الزمن.
وقبل أن أغوص في أعماق اللسانيات الحاسوبية أشير إلى أن هذا المقال نتاج خبرة سنوات متواصلة برفقة اللسانيات الحاسوبية، من خلال مطالعتي المستمرة لعشرات الرسائل والعديد من الدراسات في هذا المضمار، وتجاربي في تطويع الحاسوب لخدمة العربية.
*مفهوم اللسانيات الحاسوبية:
نتحدث في بداية المقال عن مفهوم اللسانيات الحاسوبية، وهذا المفهوم ينقسم إلى شقين هما:
اللغة العربية، فعلى المقبل على حوسبة اللغة أن يكون مُلِمًّا إلمامًا جيدًا باللغة العربية وعلومها، والشقُّ الثاني هو الحوسبة، وهو أن يتقن الباحث استخدام الحاسوب استخدامًا جيدًا، فلا أتحدث عن برامج الأوفيس والمكتبة الشاملة وغيرها، بل أقصد برمجيات الحاسوب، مثل برمجة c++)) وفيجوال بيسك وغيرها من البرمجيات.
*توظيف اللسانيات الحاسوبية:
نأتي إلى الشق الثاني من مقالنا وهو كيفية توظيف الحاسوب في تيسير العربية أو تطويع الحاسوب لخدمة العربية، فقد يظن البعض أن علم اللسانيات الحاسوبية علم معقد وصعب؛ لذا نرى العديد من التقليديين يفضلون الابتعاد عنه! إلا أنه بإمكان التقليديين من علماء النحو واللغة دراسة رسائلهم في ضوء اللسانيات الحاسوبية، فالحوسبة لا تقتصر على دراسة موضوع جديد، بل على الطريقة التي صُنِّفَتْ عليها الدراسة العلمية، فحينما يكون اللساني الحاسوبي قادرًا على تطويع الحاسوب لخدمة اللغة العربية حينها تظهر جليًّا ثمرات حوسبة اللغة، وتذوق ثمرة الاستفادة من اللسانيات الحاسوبية.
قلت إن حوسبة اللغة لا تقتصر على موضوعات جديدة؛ بل إن جل الدراسات التقليدية نستطيع دراستها في ضوء اللسانيات الحاسوبية، وذلك عبر إضافة فصل في آخر الدراسة يشتمل على شقين: شق نظري، وآخر عملي لحوسبتها عبر برنامج معين يُكَلّف به الباحث مبرمجًا ماهرًا أو يقوم الباحث بنفسه ببرمجته إذا كان لديه مهارة الحوسبة، وذلك على النحو الآتي:
- دراسة نحوية:
ونمثل بدراسة: (أفعل التفضيل في صحيح البخاري) فهذا الباحث قام بدراسة أفعل التفضيل دراسة نحوية دلالية، وفي دراسته أحصى أفعل التفضيل في الصحيح، ثم حللها تحليلاً نحويًّا ودلاليًّا واكتفى، وهذا رائع وجميل، لكن هنا ينتهي المنهج التقليدي.
أما إذا أراد أن يدرسها حاسوبيًّا، فما على الباحث سوى رفد المادة العلمية لأفعل التفضيل في الصحيح مع ما تشتمل كل صيغة من دلالة في كل حديث نبوي لمبرمج متخصص في البرمجة؛ ليقوم على تصميم برنامج حاسوبي تقوم فكرته على استخراج أفعل التفضيل من كل حديث، وبيان عدد ورودها، وإظهار دلالتها، وبيان أي تغيرات عليها وهكذا، فما على الذي يريد العودة لإظهار صيغة التفضيل في حديث معين ودلالتها الضغط على صيغة أفعل التفضيل في الحديث وسيظهر حكمها النحوي ومعناها الدلالي.
- دراسة دلالية:
ونمثل بدراسة: (ألفاظ الطعام والشراب في القرآن الكريم) فهذه الدراسة تقوم على تصنيف ألفاظ الطعام والشراب في القرآن الكريم وفق نظرية الحقول الدلالية، وبعد أن يُنهِيَ الباحث الدراسة التقليدية النظرية من حيث إحصاء هذه الألفاظ في حقول خاصة، ثم إظهار دلالتها، ننتقل إلى بيان الشق الحاسوبي، فيقوم الباحث برفد هذه المعلومات للمبرمج للعمل على برمجتها حاسوبيًّا لإخراجها في برنامج حاسوبي، ومن خلال هذا البرنامج يستطيع أي شخص أن يخرج أي لفظة من ألفاظ الطعام أو الشراب من خلال الضغط عليها، وبيان مواضعها في الآيات القرآنية ودلالتها في كل موضع، ويمكن أن يختار ألفاظًا خاصة في الشراب حسب الدراسة، ويمكن للبرنامج إخراجها بسهولة من خلال هذا البرنامج المحوسب.
- دراسة صرفية:
ونمثل بدراسة: (الأبنية الصرفية في ديوان شاعر)، فيُحصي الباحث هذه الأبنية الصرفية، ثم يصنفها على الدراسة لشرحها وإيضاح دلالتها، ثم بعد ذلك يسلم الباحث هذه البيانات لمبرمج الحاسوب ليعمل على برمجتها وفق الصيغ الصرفية: (اسم فاعل، اسم مفعول، صيغة مبالغة)، ووضع الكلمات تحت كل تصنيف بحيث إن احتاج شخص العودة إلى اسم الفاعل في هذا الديوان يختار تصنيف اسم الفاعل ليخرج له كل اسم الفاعل في الديوان مع دلالته، وبهذا يكون تمت حوسبة الدراسة الصرفية.
- دراسة معجمية:
ونمثل بدراسة حاسوبية على المعجم: (معاني الأفعال الرباعية في لسان العرب في ضوء اللسانيات الحاسوبية)، فيصنف الباحث هذه الأفعال الرباعية في اللسان، ثم يحصيها في جداول، ويضع مقابل كل فعل رباعي معانيه التي وردت في لسان العرب، ثم ننقل إلى حوسبته، فيتم تزويد المبرمج بهذه البيانات، أي الأفعال الرباعية ومعانيها في اللسان، لتجهيز وعمل برنامج محوسب يستطيع من خلاله أي شخص اختيار أي فعل رباعي ورد في اللسان، فيُظهر البرنامج معاني هذا الفعل الرباعي بطريقة مرتبة ومفهرسة كما وردت في الدراسة العلمية.
*أهداف اللسانيات الحاسوبية
في الختام أشير إلى أهداف الدراسات اللسانية الحاسوبية، فمن هذه الأهداف:
إجراء دراسة حاسوبية للعديد من الدراسات العلمية لأجل توثيق هذه الدراسة حاسوبيًّا لسهولة الرجوع إليها، بالإضافة إلى نشر ثقافة تطويع الحاسوب لخدمة اللغة العربية، إضافة إلى العمل على إفادة جيل الشباب بالكثير من الفوائد العلمية عبر الحوسبة، واستغلال الحاسوب في خدمة القرآن الكريم واللغة العربية.
وأتمنى من الدارسين أن يسعوا جاهدين لجعل كافة دراساتهم في ضوء اللسانيات الحاسوبية، كي يتم ربط الحاسوب باللغة، وهو عبارة عن شق نظري وعملي لموضوع الدراسة، وبهذا يستطيع الباحث أن يكون نحويًّا وحاسوبيًّا في آنٍ واحد، وهذا لن يكلفه الكثير.
الذي أريد أن أصل له عزيزي القارئ أن اللسانيات الحاسوبية ليست أمرًا معقدًا، ولا شيئًا غامضًا، بل يستطيع من لديه تفكير هندسي لغوي بحوسبة أي دراسة علمية وفق برنامج محوسب، وقد فعل الكثير هذا النهج.
.
أ. محمد مصطفى الشامي
ظهر حديثًا بين اللغويين المحدثين مصطلح اللسانيات الحاسوبية، وكما نعرف أن جيل اليوم مصاب بهوس المصطلحات وتبنيها من غير أن يعرف عنها سوى القليل، فترى طلاب الدراسات العليا يثبون على هذا التخصص، وكل يزعم أنه قد حاز قصب السبق في عمل دراسته الأولى عن هذا الموضوع، ولكن ما لا يعلمه الكثير من المختصين أن هذا المجال أقيمت فيه دراسات كثيرة منذ ستينات القرن الماضي، مع ذلك نرى الكثير يزعم أن دراساته باكورة اللسانيات الحاسوبية، مع أنه سبقتهم دراسات كثيرة قبلهم بعقود من الزمن.
وقبل أن أغوص في أعماق اللسانيات الحاسوبية أشير إلى أن هذا المقال نتاج خبرة سنوات متواصلة برفقة اللسانيات الحاسوبية، من خلال مطالعتي المستمرة لعشرات الرسائل والعديد من الدراسات في هذا المضمار، وتجاربي في تطويع الحاسوب لخدمة العربية.
*مفهوم اللسانيات الحاسوبية:
نتحدث في بداية المقال عن مفهوم اللسانيات الحاسوبية، وهذا المفهوم ينقسم إلى شقين هما:
اللغة العربية، فعلى المقبل على حوسبة اللغة أن يكون مُلِمًّا إلمامًا جيدًا باللغة العربية وعلومها، والشقُّ الثاني هو الحوسبة، وهو أن يتقن الباحث استخدام الحاسوب استخدامًا جيدًا، فلا أتحدث عن برامج الأوفيس والمكتبة الشاملة وغيرها، بل أقصد برمجيات الحاسوب، مثل برمجة c++)) وفيجوال بيسك وغيرها من البرمجيات.
*توظيف اللسانيات الحاسوبية:
نأتي إلى الشق الثاني من مقالنا وهو كيفية توظيف الحاسوب في تيسير العربية أو تطويع الحاسوب لخدمة العربية، فقد يظن البعض أن علم اللسانيات الحاسوبية علم معقد وصعب؛ لذا نرى العديد من التقليديين يفضلون الابتعاد عنه! إلا أنه بإمكان التقليديين من علماء النحو واللغة دراسة رسائلهم في ضوء اللسانيات الحاسوبية، فالحوسبة لا تقتصر على دراسة موضوع جديد، بل على الطريقة التي صُنِّفَتْ عليها الدراسة العلمية، فحينما يكون اللساني الحاسوبي قادرًا على تطويع الحاسوب لخدمة اللغة العربية حينها تظهر جليًّا ثمرات حوسبة اللغة، وتذوق ثمرة الاستفادة من اللسانيات الحاسوبية.
قلت إن حوسبة اللغة لا تقتصر على موضوعات جديدة؛ بل إن جل الدراسات التقليدية نستطيع دراستها في ضوء اللسانيات الحاسوبية، وذلك عبر إضافة فصل في آخر الدراسة يشتمل على شقين: شق نظري، وآخر عملي لحوسبتها عبر برنامج معين يُكَلّف به الباحث مبرمجًا ماهرًا أو يقوم الباحث بنفسه ببرمجته إذا كان لديه مهارة الحوسبة، وذلك على النحو الآتي:
- دراسة نحوية:
ونمثل بدراسة: (أفعل التفضيل في صحيح البخاري) فهذا الباحث قام بدراسة أفعل التفضيل دراسة نحوية دلالية، وفي دراسته أحصى أفعل التفضيل في الصحيح، ثم حللها تحليلاً نحويًّا ودلاليًّا واكتفى، وهذا رائع وجميل، لكن هنا ينتهي المنهج التقليدي.
أما إذا أراد أن يدرسها حاسوبيًّا، فما على الباحث سوى رفد المادة العلمية لأفعل التفضيل في الصحيح مع ما تشتمل كل صيغة من دلالة في كل حديث نبوي لمبرمج متخصص في البرمجة؛ ليقوم على تصميم برنامج حاسوبي تقوم فكرته على استخراج أفعل التفضيل من كل حديث، وبيان عدد ورودها، وإظهار دلالتها، وبيان أي تغيرات عليها وهكذا، فما على الذي يريد العودة لإظهار صيغة التفضيل في حديث معين ودلالتها الضغط على صيغة أفعل التفضيل في الحديث وسيظهر حكمها النحوي ومعناها الدلالي.
- دراسة دلالية:
ونمثل بدراسة: (ألفاظ الطعام والشراب في القرآن الكريم) فهذه الدراسة تقوم على تصنيف ألفاظ الطعام والشراب في القرآن الكريم وفق نظرية الحقول الدلالية، وبعد أن يُنهِيَ الباحث الدراسة التقليدية النظرية من حيث إحصاء هذه الألفاظ في حقول خاصة، ثم إظهار دلالتها، ننتقل إلى بيان الشق الحاسوبي، فيقوم الباحث برفد هذه المعلومات للمبرمج للعمل على برمجتها حاسوبيًّا لإخراجها في برنامج حاسوبي، ومن خلال هذا البرنامج يستطيع أي شخص أن يخرج أي لفظة من ألفاظ الطعام أو الشراب من خلال الضغط عليها، وبيان مواضعها في الآيات القرآنية ودلالتها في كل موضع، ويمكن أن يختار ألفاظًا خاصة في الشراب حسب الدراسة، ويمكن للبرنامج إخراجها بسهولة من خلال هذا البرنامج المحوسب.
- دراسة صرفية:
ونمثل بدراسة: (الأبنية الصرفية في ديوان شاعر)، فيُحصي الباحث هذه الأبنية الصرفية، ثم يصنفها على الدراسة لشرحها وإيضاح دلالتها، ثم بعد ذلك يسلم الباحث هذه البيانات لمبرمج الحاسوب ليعمل على برمجتها وفق الصيغ الصرفية: (اسم فاعل، اسم مفعول، صيغة مبالغة)، ووضع الكلمات تحت كل تصنيف بحيث إن احتاج شخص العودة إلى اسم الفاعل في هذا الديوان يختار تصنيف اسم الفاعل ليخرج له كل اسم الفاعل في الديوان مع دلالته، وبهذا يكون تمت حوسبة الدراسة الصرفية.
- دراسة معجمية:
ونمثل بدراسة حاسوبية على المعجم: (معاني الأفعال الرباعية في لسان العرب في ضوء اللسانيات الحاسوبية)، فيصنف الباحث هذه الأفعال الرباعية في اللسان، ثم يحصيها في جداول، ويضع مقابل كل فعل رباعي معانيه التي وردت في لسان العرب، ثم ننقل إلى حوسبته، فيتم تزويد المبرمج بهذه البيانات، أي الأفعال الرباعية ومعانيها في اللسان، لتجهيز وعمل برنامج محوسب يستطيع من خلاله أي شخص اختيار أي فعل رباعي ورد في اللسان، فيُظهر البرنامج معاني هذا الفعل الرباعي بطريقة مرتبة ومفهرسة كما وردت في الدراسة العلمية.
*أهداف اللسانيات الحاسوبية
في الختام أشير إلى أهداف الدراسات اللسانية الحاسوبية، فمن هذه الأهداف:
إجراء دراسة حاسوبية للعديد من الدراسات العلمية لأجل توثيق هذه الدراسة حاسوبيًّا لسهولة الرجوع إليها، بالإضافة إلى نشر ثقافة تطويع الحاسوب لخدمة اللغة العربية، إضافة إلى العمل على إفادة جيل الشباب بالكثير من الفوائد العلمية عبر الحوسبة، واستغلال الحاسوب في خدمة القرآن الكريم واللغة العربية.
وأتمنى من الدارسين أن يسعوا جاهدين لجعل كافة دراساتهم في ضوء اللسانيات الحاسوبية، كي يتم ربط الحاسوب باللغة، وهو عبارة عن شق نظري وعملي لموضوع الدراسة، وبهذا يستطيع الباحث أن يكون نحويًّا وحاسوبيًّا في آنٍ واحد، وهذا لن يكلفه الكثير.
الذي أريد أن أصل له عزيزي القارئ أن اللسانيات الحاسوبية ليست أمرًا معقدًا، ولا شيئًا غامضًا، بل يستطيع من لديه تفكير هندسي لغوي بحوسبة أي دراسة علمية وفق برنامج محوسب، وقد فعل الكثير هذا النهج.
.
