هل يجوز وقوع المفعول به حرفًا؟

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • مصطفى شعبان
    عضو نشيط
    • Feb 2016
    • 12782

    #1

    هل يجوز وقوع المفعول به حرفًا؟

    هل يجوز وقوع المفعول به حرفًا؟
    د.مصطفى شعبان

    يتميز الحرف عن قسيميه من أنواع الكلمة - الاسم والحرف - بأنه لا يتأثر بالعوامل ، فالحرف يعمل في غيره ، ولا يعملُ فيه غيرُه .
    إذًا فالحرف لا يصلح أن يكون فاعلًا أو مفعولًا به أو نائبًا عن الفاعل ؛ لأن كل هذه الأشياء تتأثر بالعوامل وتقبل دخولها عليها .
    وقد جعل الزمخشري الحرف مفعولًا به في قوله تعالى: ((نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ))[القصص:3] ، فقال : ((مفعول نتلو: أي نتلو عليك بعض خبرهما)) (1 ) ، على جعل (مِنْ) بمعنى بعض .
    وتبعه البيضاوي فقال : (("نتلو عليك" نقرؤه بقراءة جبريل ويجوز أن يكون بمعنى ننزله مجازًا (من نبأ موسى وفرعون) ، بعض نبئهما مفعول ((نتلو)) ))( 2).
    وكذا أبو حيان فقال : ((ومفعول (نتلو) (من نبأ) أي : بعض نبأ))(3 ).
    وقد تعقب ذلك الشهاب قائلًا: ((قوله: بعض نبئهما مفعول (نتلو) جعل الحرف مفعولًا لا يوافق القواعد النحوية ، فإما أن يكون هذا ميلًا مع المعنى ، أو يكون المراد أن مفعول (نتلو) محذوف وهو (شيئًا)، ولما كان الجار والمجرور صفة له قائمة مقامه سماه مفعولًا تسمحًا كما جعلوا الظرف حالًا ، والحال في الحقيقة متعلِّقُهُ)) (4 ).
    والحق أن الحرف لا يفيد بنفسه كونه مفعولًا أو غيره وإلا لجاز أن نقول إن له محلًّا من الإعراب ، فقد اشتُرط في الحرف أن يكون مصحوبًا بغيره؛ إذ لا معنى له في نفسه .
    قال ابن يعيش : ((لما اشترط في الحرف أن يكون مصحوبًا بغيره إذ لا معنى له في نفسه استثنى منه حروفًا قد حذف الفعل منها وبقي الحرف وحده مفيدًا معنى، فربما ظن ظانٌّ أن تلك الفائدة من الحرف نفسه، والفائدة إنما حصلت بتقدير المحذوف)) ( 5).
    ومن الحروف المستثناة حروف الجواب مثل ((نعم، وبلى، وإي ..))
    فالفائدة إذًا إنما تحصل بتقدير المحذوف ، وهي هنا كذلك ، فالمفعول ليس هو (مِنْ) سواءٌ كان بلفظه أو بمعناه (بعض) ،وإنما بتقدير محذوف؛ ولذا قال العكبري : ((قوله تعالى: (نتلو عليك) مفعوله محذوف دلت عليه صفته تقديره : شيئًا من نبأ موسى)) (6 ).
    وقال النحاس: ((ويجوز أن يكون ((تلك)) في موضع نصب ، ((نتلو))، و((آيات)) بدل منها أيضًا وتنصبها كما تقول : ((زيدًا ضربت)) (7 ).
    ومذهب جعل الحرف في موضع نصب هو مذهب الفراء مثل قولك : ((مَرَّ محمدٌ بعليٍّ)) فالباء في ((بعليٍّ)) في موضع نصب ، لذا ادعى أنه إذا بُني للمفعول كان في موضع رَفع( 8) وذلك في مسألة وقوع الجار والمجرور في موقع النائب عن الفاعل ، ولكن الجمهور على خلافه وأن المجرور هو الذي يكون في موضع النصب، فإذا بني للمفعول كان في موضع الرفع .
    وخلاصة الأمر : أن ما ذهب إليه البيضاوي من عدِّ ((حرف الجر)) مفعولًا به ميلٌ مع المعنى ، أو يكون المفعول محذوفًا و (الجار والمجرور) لما كان صفة له - وصفة الشيء قائمة مقام الشيء - سماه مفعولًا به تسمحًا ، تساهلًا من الخفاجي؛ فإنما الصفة (الجار والمجرور) لا الجار وحده ، ولكن قام الجار مقام (الجار والمجرور) في الكاف وعن ، ولا يؤيد الخفاجيَّ ما أيدهما من النصوص التي وقعا فيها موقع الأسماء بلا ريب .

    ---------------------------
    (1 ) ((الكشاف)) (3/432) .
    ( 2) ((أنوار التنزيل)) (4/171) .
    ( 3) ((البحر المحيط)) (8/285) .
    ( 4) ((حاشية الشهاب على البيضاوي)) (7/62) ، وقد وردت هذه القضية في موضع آخر (2/239)
    ( 5) ((شرح المفصل)) لابن يعيش (8/6) .
    ( 6) ((التبيان في إعراب القرآن)) (472) .
    ( 7) ((إعراب القرآن)) للنحاس (3/180) .
    ( 8) ((ارتشاف الضرب)) (3/1336) ، ((همع الهوامع)) (1/587) ، ((حاشية الصبان على الأشموني)) (2/95).
يعمل...