العربية كنزُ العلوم
د.مصطفى شعبان
د.مصطفى شعبان
ولقد نعلمُ إنَّهم يقولون إن العربيةَ لغةٌ كاللغات ووسيلة للتعبير كغيرها من الوسائل، ونعلم إنهم يحاولون محاولات شتى وتترى كي يُخضعوا نظام العربية للأنظمة الغربية القاضية بأنْ لا قداسةَ ولا إعجازَ في أيَّةِ لغة، وما هو إلا الحروف والكلمات والمفردات والجمل تحكمها بعض القواعد الجامدة الرابطة والبِّنى السطحية والعميقة.
هكذا يريدون، وكذلك يحاولون، وعبثًا يحاولون،..والحقُّ أنهم عاجزون كلَّ العجز عن تصور تلك اللغة وأسرارها؛ لأنهم لا يريدون أن ينظروا إليها بمنظار القرآن الذي هو الجسر الأشمُّ إليها والبيِّنةُ الدَّالة عليها، فالعربيةُ سرها في الكتاب العزيز الذي لا تنفدُ أسراره، ولا تتناهى علومه، ولا تنقضي كُشُوفه، وكلُّ ما خطَّته أيدي العلماء من دواوين العربية بغرض صون كتابه من اللحن ولَوْثَةِ العُجمة قد ناله حظٌّ من شرف المصون وقداسة المحفوظ..، وما كتاب سيبويه منا ببعيدٍ، ولله درُّ الجرميِّ كيف كان يُفتي في الفقه من كتاب سيبويه؟!..، وعندما حُدِّثَ أبو العباس المبرِّد بهذا قال: أنا سمعتُ الجرميَّ يقول هذا، وأومأ بيده إلى أذنيه، وذلك أن أبا عمر الجرمي كان صاحبَ حديث، فلما علم كتاب سيبويه تفقَّه في الحديث، إذ كان كتاب سيبويه يُتعلَّم منه النظر والتفتيش.
نعمْ! العربيةُ كنزٌ استودع الله فيه أسرار علوم البيان والقرآن، شرَّف الله بها من تعلمها وتبحَّر فيها وأنفق فيها الأعمار والأسفار والدينار، وليس ذلك فحسب بل إن المتبحر في علوم اللغة ليتحصل لديه من الحكمة وضروبها والمُثُل وصنوفها ما يعينه على فهم عَوَائصِ العلوم الأخرى الطبيعية والاجتماعية والإنسانية.
وقد أرسى أهل العربية قاعدة واعتضدوا بها في كلامهم في غير العربية حتى جرت مجرى المثل وهي:
"إنَّ التَّهَدِّي في صنعةِ مُرشدٌ إلى غيرها".
وقد وقفت أمام تلك العبارة الرشيقة التي بلغت حدًّا من الإيجاز والفصاحة أعجز عن وصفه، وقد ساقها إمام الحرمين أبو المعالي في قصة وقعت بين إمام في العربية وإمام في الفقه وكلاهما شيخ طريقته ورئيس مذهبه؛ وهما القاضي أبو يوسف والكسائي، حيث جرت مفاوضة بينهما في مسألة من مسائل الطلاق ،فقال الكسائي: مَنْ تبحَّر في صنعةٍ يهتدي إلى سائر الصنائع.
فقال أبو يوسف: فأنت متبحر في العربية، فما قولك فيمن شك هل سجد للسهو أم لا؟ فأَخَذَ بأنه لم يسجد، فسجد، هل يلزمه السجود لجواز أن السجدة التي أتى بها بعد التردد زائدة؟
فقال الكسائي: لا يسجد، فسأله العلَّةَ، فقال: لأن المصغَّر لا يصغر. فذكر العلة في صيغة مسألة من العربية، وذلك لأن التصغير لو صُغِّر، لصُغِّر تصغير التصغير، ثم هذا يتسلسل إلى غيرنهاية، كذلك الذي سجد للسهو في السجود، فلو أمرناه بالسجود لذلك، فقد يسهو على النحو الأول، فلو سجد السجدتين الأخريين اللتين أمرناه بهما، فيحتاج إلى أن يسجد مرة أخرى، ثم يفرض مثل هذه الوسوسة أبدًا.
قال الجويني: فعُدَّ هذا من محاسن آثار فطنة الكسائي؛ فإنه أصاب أولًا في الجواب، ثم طَبَّق مفْصلَ التعليل، وأتى بمسألة من العربية وفاء بما كان ادعاه أولاً، من أن التهدِّي في صنعةٍ مرشدٌ إلى غيرها.
تلك هي العربية وهؤلاء أهلها إذا نطقوا في علم غير ما تبحروا فيه أصابوا الغاية وأدركوا العلة؛ لأنهم انطلقوا من مبدأ لا تستغني عنه كل العلوم، وهو الفهم الموعِب لدلالات الألفاظ العربية المستوعب لأصولها وفروعها من جوهر اللسان العربي ، وتشبَّعوا بأسرار اللغة حتى لم يعد لهم نهمةٌ غيرُها فلم يعزب عنهم طريفُها ولا تليدها.
وإننا في عجب ممن يروم علوم الشريعة ولم يظفر بحظٍّ من علوم العربية من النحو والصرف والاشتقاق، ولم تقو عزْمَتُهُ على قراءة كتاب في أوليات البلاغة والأدب..كيف لهذا أن يدرك مقاصد الشرع ودلالات ألفاظه إدراكًا سديدًا؟!..ثم تراه بعد ذلك يتزبَّبُ قبل التحصْرُمِ فيتصدر للفتوى والإفتاء، فيفتي في عِرْض هذا ودَمِ هذا ومال هذا...ويالَله من هذا!
إن تعلم العربية حتمُ واجبٍ على كل من ابتغى دراسة علوم الشرع الحنيف، فكيف بمن رام التصدي للمشيخة أو الإفتاء أو القضاء؟..إنه أوجب وألزم وأحتم.
وحيث إن الكتاب العزيز هو كلية الشريعة، وجامعة المِلَّة، وكانت السنة راجعة في مضامينها إليه؛ تُفَصِّل مجمله، وتُبيِّن مشكله، وتبسط موجزه؛ كان لا بد لمَن رام استنباط الأحكام وفهمها منهما من الرجوع إلى الكتاب والسنة، ولما كان الكتاب والسنة قد اختار الله لهما اللسان العربي ونزلا بلغة العرب، وكانت للعرب عادات في الاستعمال ، بها تنماز صنوف الكلام وصروف البيان، فيستبين صَرِيحُ الكَلَامِ وظاهره ومجمله، وحقيقته ومجازه، وعامُّه وخاصه، ومحكمه ومتشابهه، ونصه وفحواه، إلى غير ذلك؛ من أجل ذلك كان لا بد -لطالب الشريعة من هذين الأصلين- أن يكون على علم بلسان العرب في مناحي خطابها، وما تنساق إليه أفهامُها في كلامها؛ فكان حذق اللغة العربية بهذه الدرجة ركنا من أركان الاجتهاد؛ كما تقرر ذلك عند عامة الأصوليين، وفي مقدمتهم الإمام الشافعي -رضي الله عنه- في "رسالة الأصول".
إنه كنز العربية وبحرها العباب، لا تتركُ عابثًا على شاطئها إلا أقحمته في لُجتها وغاصتْ به في أعماقها يلتقط الدُّرَّ من جوف الصدف، ووقعت به على أثمن مكنوزها وأغلى ذخائرها، فلا يخرج من أعماقها إلا وقد امتلأت كِنانته بأسرار الأغوار، فلا يطلبُ عصِيَّةً ولا يعترضُ عويصةً في علم من العلوم إلا انفتحت له مغاليقها، وأتتْهُ طيِّعةً راغبةً.
أيُّهذا الطالبُ المقدامُ! اركضْ برجلك في ساحل العربية ولا تخفْ، واستعن بالله ولا تعجِزْ، واطلب علومها بطيب نفس، وارتقِ في أصولها وفروعها ولا تيأس ترقَ بكَ إلى كل المعارف، واعمل لوجه واحدِ يكفِكَ كلَّ الأوجه، وتبحَّر في أسرارها تهدِكَ إلى كل الصنائع.
هكذا يريدون، وكذلك يحاولون، وعبثًا يحاولون،..والحقُّ أنهم عاجزون كلَّ العجز عن تصور تلك اللغة وأسرارها؛ لأنهم لا يريدون أن ينظروا إليها بمنظار القرآن الذي هو الجسر الأشمُّ إليها والبيِّنةُ الدَّالة عليها، فالعربيةُ سرها في الكتاب العزيز الذي لا تنفدُ أسراره، ولا تتناهى علومه، ولا تنقضي كُشُوفه، وكلُّ ما خطَّته أيدي العلماء من دواوين العربية بغرض صون كتابه من اللحن ولَوْثَةِ العُجمة قد ناله حظٌّ من شرف المصون وقداسة المحفوظ..، وما كتاب سيبويه منا ببعيدٍ، ولله درُّ الجرميِّ كيف كان يُفتي في الفقه من كتاب سيبويه؟!..، وعندما حُدِّثَ أبو العباس المبرِّد بهذا قال: أنا سمعتُ الجرميَّ يقول هذا، وأومأ بيده إلى أذنيه، وذلك أن أبا عمر الجرمي كان صاحبَ حديث، فلما علم كتاب سيبويه تفقَّه في الحديث، إذ كان كتاب سيبويه يُتعلَّم منه النظر والتفتيش.
نعمْ! العربيةُ كنزٌ استودع الله فيه أسرار علوم البيان والقرآن، شرَّف الله بها من تعلمها وتبحَّر فيها وأنفق فيها الأعمار والأسفار والدينار، وليس ذلك فحسب بل إن المتبحر في علوم اللغة ليتحصل لديه من الحكمة وضروبها والمُثُل وصنوفها ما يعينه على فهم عَوَائصِ العلوم الأخرى الطبيعية والاجتماعية والإنسانية.
وقد أرسى أهل العربية قاعدة واعتضدوا بها في كلامهم في غير العربية حتى جرت مجرى المثل وهي:
"إنَّ التَّهَدِّي في صنعةِ مُرشدٌ إلى غيرها".
وقد وقفت أمام تلك العبارة الرشيقة التي بلغت حدًّا من الإيجاز والفصاحة أعجز عن وصفه، وقد ساقها إمام الحرمين أبو المعالي في قصة وقعت بين إمام في العربية وإمام في الفقه وكلاهما شيخ طريقته ورئيس مذهبه؛ وهما القاضي أبو يوسف والكسائي، حيث جرت مفاوضة بينهما في مسألة من مسائل الطلاق ،فقال الكسائي: مَنْ تبحَّر في صنعةٍ يهتدي إلى سائر الصنائع.
فقال أبو يوسف: فأنت متبحر في العربية، فما قولك فيمن شك هل سجد للسهو أم لا؟ فأَخَذَ بأنه لم يسجد، فسجد، هل يلزمه السجود لجواز أن السجدة التي أتى بها بعد التردد زائدة؟
فقال الكسائي: لا يسجد، فسأله العلَّةَ، فقال: لأن المصغَّر لا يصغر. فذكر العلة في صيغة مسألة من العربية، وذلك لأن التصغير لو صُغِّر، لصُغِّر تصغير التصغير، ثم هذا يتسلسل إلى غيرنهاية، كذلك الذي سجد للسهو في السجود، فلو أمرناه بالسجود لذلك، فقد يسهو على النحو الأول، فلو سجد السجدتين الأخريين اللتين أمرناه بهما، فيحتاج إلى أن يسجد مرة أخرى، ثم يفرض مثل هذه الوسوسة أبدًا.
قال الجويني: فعُدَّ هذا من محاسن آثار فطنة الكسائي؛ فإنه أصاب أولًا في الجواب، ثم طَبَّق مفْصلَ التعليل، وأتى بمسألة من العربية وفاء بما كان ادعاه أولاً، من أن التهدِّي في صنعةٍ مرشدٌ إلى غيرها.
تلك هي العربية وهؤلاء أهلها إذا نطقوا في علم غير ما تبحروا فيه أصابوا الغاية وأدركوا العلة؛ لأنهم انطلقوا من مبدأ لا تستغني عنه كل العلوم، وهو الفهم الموعِب لدلالات الألفاظ العربية المستوعب لأصولها وفروعها من جوهر اللسان العربي ، وتشبَّعوا بأسرار اللغة حتى لم يعد لهم نهمةٌ غيرُها فلم يعزب عنهم طريفُها ولا تليدها.
وإننا في عجب ممن يروم علوم الشريعة ولم يظفر بحظٍّ من علوم العربية من النحو والصرف والاشتقاق، ولم تقو عزْمَتُهُ على قراءة كتاب في أوليات البلاغة والأدب..كيف لهذا أن يدرك مقاصد الشرع ودلالات ألفاظه إدراكًا سديدًا؟!..ثم تراه بعد ذلك يتزبَّبُ قبل التحصْرُمِ فيتصدر للفتوى والإفتاء، فيفتي في عِرْض هذا ودَمِ هذا ومال هذا...ويالَله من هذا!
إن تعلم العربية حتمُ واجبٍ على كل من ابتغى دراسة علوم الشرع الحنيف، فكيف بمن رام التصدي للمشيخة أو الإفتاء أو القضاء؟..إنه أوجب وألزم وأحتم.
وحيث إن الكتاب العزيز هو كلية الشريعة، وجامعة المِلَّة، وكانت السنة راجعة في مضامينها إليه؛ تُفَصِّل مجمله، وتُبيِّن مشكله، وتبسط موجزه؛ كان لا بد لمَن رام استنباط الأحكام وفهمها منهما من الرجوع إلى الكتاب والسنة، ولما كان الكتاب والسنة قد اختار الله لهما اللسان العربي ونزلا بلغة العرب، وكانت للعرب عادات في الاستعمال ، بها تنماز صنوف الكلام وصروف البيان، فيستبين صَرِيحُ الكَلَامِ وظاهره ومجمله، وحقيقته ومجازه، وعامُّه وخاصه، ومحكمه ومتشابهه، ونصه وفحواه، إلى غير ذلك؛ من أجل ذلك كان لا بد -لطالب الشريعة من هذين الأصلين- أن يكون على علم بلسان العرب في مناحي خطابها، وما تنساق إليه أفهامُها في كلامها؛ فكان حذق اللغة العربية بهذه الدرجة ركنا من أركان الاجتهاد؛ كما تقرر ذلك عند عامة الأصوليين، وفي مقدمتهم الإمام الشافعي -رضي الله عنه- في "رسالة الأصول".
إنه كنز العربية وبحرها العباب، لا تتركُ عابثًا على شاطئها إلا أقحمته في لُجتها وغاصتْ به في أعماقها يلتقط الدُّرَّ من جوف الصدف، ووقعت به على أثمن مكنوزها وأغلى ذخائرها، فلا يخرج من أعماقها إلا وقد امتلأت كِنانته بأسرار الأغوار، فلا يطلبُ عصِيَّةً ولا يعترضُ عويصةً في علم من العلوم إلا انفتحت له مغاليقها، وأتتْهُ طيِّعةً راغبةً.
أيُّهذا الطالبُ المقدامُ! اركضْ برجلك في ساحل العربية ولا تخفْ، واستعن بالله ولا تعجِزْ، واطلب علومها بطيب نفس، وارتقِ في أصولها وفروعها ولا تيأس ترقَ بكَ إلى كل المعارف، واعمل لوجه واحدِ يكفِكَ كلَّ الأوجه، وتبحَّر في أسرارها تهدِكَ إلى كل الصنائع.
