جذر أبي!
حان الوقت الذى كنت دائما ما أحاول الهرب منه ، كان ذلك اليوم يمثل لي قبل أبي محنة خشيت مرارا أن تأتي ؛ فتؤلمه!
تلك الرابضة جوار سور البيت المبني من الطوب الحجري ، سور عتيق رغم أنه بني أكثر من مرة ، تهدم بفعل تمدد ذلك الجذر، ثمة أسباب للحزن تخيم على وجه أبي ، الرجل الطاعن في السن حتى صار شيخًا هرمًا، لكنه ما يزال - بفضل الله - قويًّا ، له الرأي والمشورة ، يستند على عصاه وله فيها مآرب أخرى ، أتحاشاها كلما بان الغضب أو ند الشرر من بين حاجبيه!
نظرت إليه والأسى يملؤني ، غلبتني دموعي ، في صعوبة قلت : لا بد من قطع الجميزة؟
-لا أدري ؟
هكذا أجبت عليه.
بعض الشقوق ظهرت بالجدار ، يوشك أن ينهدم بسببها.
بعد صمت، قال : تلك الشجرة من عمري، زرعها جدك يوم مولدي ، هكذا قالت جدتك الحصرية.
كم لهوت مع إخوتك تحتها!
وفي الصيف تكون لكم الفاكهة!
أخذ حديثه يختلط بالحزن ، هناك انظر أسفلها كان جدك " جادو " يحلو له أن يقيل هنا ؛ حارسًا أبقاره، وناظرًا أرضه وهي تموج بالخضرة، صارت الآن تعج بتلك الأبنية الخراسانية الشوهاء!
غابت أعواد الذرة من الحقول ، حل محلها ، " اللب" للسادة الساهرين في المقاهي ليلًا ؛ هكذا أجبت.
يسترجع حديثه عن المحراث ، حين يشق الأرض بالثور الهلالي والبقرة الحمراء، قال لي : الأولاد خزان العائلة ، والبقر خزان المحراث!
آن للشجرة أن ترحل ، وكذلك جدك يطلبني؛ في المنام كان معي أمس ، لكن ما كنت أظن أنك من سيفسر لي تلك الرؤيا ، وبهذه السرعة يا بني!
بكيت ، انحنيت أقبل رأسه ، مسح على رأسي ، الرحيل يا ولدي، تلك أمانة لابد أن ترد لصاحبها يوما ما!
الدموع في عيني مالحة مثل النهر، كالحة مثل وجه الجنرال !
يا لجحودي المتمكن من ذاتي! لم أنظر وراء أفعالي ، إنها حياة أبي، كيف بهذه السهولة أجتثها ؟
تحتها جاء نبأ عزل النجيب منذ ما يقارب السبعين عامًا ، بكيناه عرابيًّا جديدًا ، سجنوه ياولدي في المرج فما عاد غير الخراب بالوادي، واليوم نجيب آخر !
قلت له نعم !
كثيرون حولك صاروا هجينًا، أعلم صدق كلماته، بل تذكرت حين قال : إن الدخلاء قد صاروا مثل غبش الضباب، الرؤية معتمة ، التاريخ مطموس ، الواقع مر، ما عادت النسوة يغتسلن في النهر؛ فجدائلهن أصابتها دابة الأرض ، حتى لياليهن كلهن عجز وشيخوخة ، ينتحب الرجال؛ ألا يبثق القمر ، من نبع النهر، ويرتوي من شق البر!
حتى الثياب مكدسة في تلك الخزائن الطينية ؛ موشاة بالحزن، تسلط الهم فينا ؛ فأمات الحب.
حاولت أن أغير الكلمات، تلفت ناحية الباب الكبير وجدت حجرة كبيرة قد هوت ناحية الأرض، ابتسم أبي ، حان الموعد!
كان أبي في الليلة الفائتة يحدثني عن اللصوص الذين سرقوا بقرة سليمان أبو عبده ، حين خرج بها لسوق الجمعة في قطور حيث يكثر الغجر!
الجميزة يا ولدي موضع الحكايات، هنا أعمامك كانوا يتمرسون على الفتوة ، يربطون كيسًا من تبن وأمهرهم من يسقطه من ضربة بنبوته!
فقط يا أبي سنقطع الجذع المتفرعن ، وسينمو الساق من جديد، مثل ذلك الطائر الخرافي، يبدل ريشه !
طمع الخشاب في الجذر ، صددته ؛ كان يزن ما يقارب الطن ، جاء بالجرار ذي المخلب ، منعته، ابتسم أبي سعيدًا، غطاه بعض الوقت ؛ حتى لا تحرقه آله القطع ، ثم قام بالليل ونزع عنه الغطاء ؛ ليداعب وجه القمر ، جاء بالماء وسقاه .
حان الوقت الذى كنت دائما ما أحاول الهرب منه ، كان ذلك اليوم يمثل لي قبل أبي محنة خشيت مرارا أن تأتي ؛ فتؤلمه!
تلك الرابضة جوار سور البيت المبني من الطوب الحجري ، سور عتيق رغم أنه بني أكثر من مرة ، تهدم بفعل تمدد ذلك الجذر، ثمة أسباب للحزن تخيم على وجه أبي ، الرجل الطاعن في السن حتى صار شيخًا هرمًا، لكنه ما يزال - بفضل الله - قويًّا ، له الرأي والمشورة ، يستند على عصاه وله فيها مآرب أخرى ، أتحاشاها كلما بان الغضب أو ند الشرر من بين حاجبيه!
نظرت إليه والأسى يملؤني ، غلبتني دموعي ، في صعوبة قلت : لا بد من قطع الجميزة؟
-لا أدري ؟
هكذا أجبت عليه.
بعض الشقوق ظهرت بالجدار ، يوشك أن ينهدم بسببها.
بعد صمت، قال : تلك الشجرة من عمري، زرعها جدك يوم مولدي ، هكذا قالت جدتك الحصرية.
كم لهوت مع إخوتك تحتها!
وفي الصيف تكون لكم الفاكهة!
أخذ حديثه يختلط بالحزن ، هناك انظر أسفلها كان جدك " جادو " يحلو له أن يقيل هنا ؛ حارسًا أبقاره، وناظرًا أرضه وهي تموج بالخضرة، صارت الآن تعج بتلك الأبنية الخراسانية الشوهاء!
غابت أعواد الذرة من الحقول ، حل محلها ، " اللب" للسادة الساهرين في المقاهي ليلًا ؛ هكذا أجبت.
يسترجع حديثه عن المحراث ، حين يشق الأرض بالثور الهلالي والبقرة الحمراء، قال لي : الأولاد خزان العائلة ، والبقر خزان المحراث!
آن للشجرة أن ترحل ، وكذلك جدك يطلبني؛ في المنام كان معي أمس ، لكن ما كنت أظن أنك من سيفسر لي تلك الرؤيا ، وبهذه السرعة يا بني!
بكيت ، انحنيت أقبل رأسه ، مسح على رأسي ، الرحيل يا ولدي، تلك أمانة لابد أن ترد لصاحبها يوما ما!
الدموع في عيني مالحة مثل النهر، كالحة مثل وجه الجنرال !
يا لجحودي المتمكن من ذاتي! لم أنظر وراء أفعالي ، إنها حياة أبي، كيف بهذه السهولة أجتثها ؟
تحتها جاء نبأ عزل النجيب منذ ما يقارب السبعين عامًا ، بكيناه عرابيًّا جديدًا ، سجنوه ياولدي في المرج فما عاد غير الخراب بالوادي، واليوم نجيب آخر !
قلت له نعم !
كثيرون حولك صاروا هجينًا، أعلم صدق كلماته، بل تذكرت حين قال : إن الدخلاء قد صاروا مثل غبش الضباب، الرؤية معتمة ، التاريخ مطموس ، الواقع مر، ما عادت النسوة يغتسلن في النهر؛ فجدائلهن أصابتها دابة الأرض ، حتى لياليهن كلهن عجز وشيخوخة ، ينتحب الرجال؛ ألا يبثق القمر ، من نبع النهر، ويرتوي من شق البر!
حتى الثياب مكدسة في تلك الخزائن الطينية ؛ موشاة بالحزن، تسلط الهم فينا ؛ فأمات الحب.
حاولت أن أغير الكلمات، تلفت ناحية الباب الكبير وجدت حجرة كبيرة قد هوت ناحية الأرض، ابتسم أبي ، حان الموعد!
كان أبي في الليلة الفائتة يحدثني عن اللصوص الذين سرقوا بقرة سليمان أبو عبده ، حين خرج بها لسوق الجمعة في قطور حيث يكثر الغجر!
الجميزة يا ولدي موضع الحكايات، هنا أعمامك كانوا يتمرسون على الفتوة ، يربطون كيسًا من تبن وأمهرهم من يسقطه من ضربة بنبوته!
فقط يا أبي سنقطع الجذع المتفرعن ، وسينمو الساق من جديد، مثل ذلك الطائر الخرافي، يبدل ريشه !
طمع الخشاب في الجذر ، صددته ؛ كان يزن ما يقارب الطن ، جاء بالجرار ذي المخلب ، منعته، ابتسم أبي سعيدًا، غطاه بعض الوقت ؛ حتى لا تحرقه آله القطع ، ثم قام بالليل ونزع عنه الغطاء ؛ ليداعب وجه القمر ، جاء بالماء وسقاه .
