سلسلة (عالم ورأي)
تهدف هذه السلسلة إلى استجلاء رأي عالم من علمائنا حول قضية من القضايا، أو عقبة من العقبات التي تواجه أبناء العربية، أو طرح رؤية لاستنهاض الهمم وتحفيز العزائم. فإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، إنما ورثوا العلم، فمن أخذ به أخذ بحظ وافر.

الحلقة الحادية والأربعون: الأستاذ الدكتور إبراهيم أنيس (يرحمه الله) – أستاذ علم اللغة بكلية دار العلوم جامعة القاهرة، – ورأيه في اكتساب الدلالة ونموها لدى الأطفال.
تنشأ الدلالة لدى الطفل، ولكنها ليست كنشأتها الأولى لدى الإنسان الأول، فليست خلقًا جديدًا حين يدركها أطفالنا، بل هي أمر شائع مألوف عند الكبار حولهم. وكذلك الألفاظ التي ترمز لهذه الدلالة ليس فيها من جديد، بل هي أيضًا معروفة مألوفة عند جميع أفراد البيئة اللغوية. ولا يكاد يمر الطفل بمرحلة المناغاة اللغوية حتى يدرك من طريق سمعه أن هناك مجموعة صوتية ينطق بها الكبار حوله، وهي التي تُسمى بالألفاظ، وأن هذه الألفاظ تحقق للطفل رغباته كلما حاول النطق بها.
ويبدأ الطفل بعد السنة الأولى من عمره يربط بين ما يسمع وما يترتب على هذا الذي يسمعه من أحداث، ونقوا حينئذ إن مرحلة الفهم قد بدأت لدى هذا الطفل. وقدرة الطفل على الفهم أكبر من قدرته في السنة الثانية من حياته؛ لذا يقال دائمًا إن فهم الأطفال لمدلولات الألفاظ يسبق القدرة على تقليد تلك الألفاظ. فهو يفهم مدلول كلمة "العين واليد والرِّجْل والرأس وغيرها" من ألفاظ كثيرة الشيوع في محيطه قبل أن يغامر فينطق بمثل هذه الألفاظ. ثم لا يلبث الطفل أن ينطلق من عقله فيقلد الكبار في نطق ألفاظهم، ويوجِّه كل عنايته لإجادة النطق بها؛ لأنها الوسيلة لإدراك رغباته والحصول على ما يشتهي. وليس يقلد تلك الألفاظ حبًّا فيها لذاتها، وإنما يترتب على النطق بها من أحداث وأعمال.
ويخطئ بعض الآباء والأمهات حين يتصورون أحيانًا أن أطفالهم الصغار لا يكادون يفهمون شيئًا مما يدور حولهم، ثم قد يندمون فيما بعد حين يتبين لهم أن هؤلاء الأطفال يفهمون أكثر مما يتصور أهلوهم!! وكذلك قد يغالي بعض الأمهات والآباء فينسبون لأطفالهم قدرًا من الفهم هو في الحقيقة فوق مداركهم، ولم يخطر في أذهان هؤلاء الأطفال؛ لهذا تجب الحيطة في الحكم إلا بعد أن يألف الطفل النطق بالألفاظ في سياق الحوادث، ويُمرَّن على تكوين العبارات والجمل التي تبين بوضوح مقدار هذا الفهم، ونصيبه من الصحة والصواب
.
المصدر: دلالة الألفاظ، إبراهيم أنيس، ص 90، 91.
