هل يجوز مجِيءُ(ليْسَ) حَرْفَ عَطْفٍ؟

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • مصطفى شعبان
    عضو نشيط
    • Feb 2016
    • 12782

    #1

    هل يجوز مجِيءُ(ليْسَ) حَرْفَ عَطْفٍ؟

    هل يجوز مجِيءُ(ليْسَ) حَرْفَ عَطْفٍ؟
    د.مصطفى شعبان

    تباينَتْ آراءُ النحاة في باب عطف النسق بخصوص (ليس)، فحكى بعضهم( 1) عن الكوفيين، وبعضهم(2 ) عن البغداديين أن (ليس) حرف عطف بمنزلة(لا)، وأنكر البصـريون ذلك ورفضُوه لاحتمال تأويل ما استدل به الأولون بأن (ليس) باقيةٌ على أصلها في النسخ، والدليل إذا تطرق إليه الاحتمال سقط به الاستدلال.
    ونسب ثعلبٌ هذا المذهب للفراء قائلًا:
    «والفراء يقول: إذا حسنت (ليس) موضع (لا) جاز، وأنشد(3 ):
    *إنما يَجزي الفتى ليْسَ الجَمَلْ*»( 4).
    فـ(الجَمَل) عندهم معطوف على الفتى بـ(ليسَ)، كأنه قال: لا الجملُ( 5).
    واستدلوا أيضًا بقول القائل(6 ):
    أينَ المفرُّ والإلهُ الطَّالِبُ *** والأَشْرَمُ المغْلوبُ ليسَ الغالبُ
    ونسب بعض البصريين هذا القول للبغداديين قائلًا:
    «والبغداديون أو طائفة منهم قد أجازوا هذا فحكوا: (قامَ القومُ ليسَ زيدًا)،وقالوا: إن شئت صيرت (ليس) نسقًا، فرفعت الاسم بعدها على النسق،قالوا: وقد حكي عن بعض العرب أنهم قد قالوا: (ذاكَ ليسَ واحدٌ ولا اثنان)، فرفعه»(7).
    وردَّ البصريون هذا المذهب بقاعدة عامة تُستخلص من خلال استدلالهم،وهي: أن الدليل إذا تطرق إليه الاحتمال سقط به الاستدلال؛ «ألا ترى أنه يجوز أن يضمر فيها القصة والحديث، ويكون التأويل: ليس القائلُ واحدٌ منهم، أي: ليس الأمر القائلُ واحدٌ منهم، فحذف الخبر.
    قالوا: فإن قلت: قام عبدُ الله ليس زيدٌ، لم يكن إلا الرفع، و(ليس) نسق، ولا يكون استثناء؛لأنه لا يُستثنى واحدٌ من واحدٍ، قال أبو الحسن: وهذا عندنا على معنى: ليس زيدٌ قائمًا، فحذف الخبر لدلالة الكلام عليه، ولا يكون استثناء، ولكن جملةٌ أتبع جملةً»(8 ).
    ثم تناولوا بيت لبيد الذي احتجوا به مسقطين حُجيته لأمرين:
    أحدهما: أن سيبويه والبصريين أنشدوه برواية مختلفة بلفظ:
    *إنما يَجزي الفتى غيرُ الجَمَلْ*( 9).
    قال ثعلب: «قال سيبويه: يقول: ليس الجملُ يجزي، فجعله فعلًا محذوفًا واستراح»( 10).
    وأبطل البصريون الاحتجاج بهذا الشاهد على أن (ليس) حرف عطف فقالوا: «ألا ترى أنه يجوز أن يكون (الجَمَل)خبر (ليس)،كأنه قال: ليس الذي يجزي الجمل، أي: إنما هو الفتى ليس إياه، ويجوز أن يكون (الجمل) اسم (ليس)، والخبر مضمر، كأنه قال: ليس الجملُ جازيًا»(11 ).
    وما قيل في تأويل بيت لبيد وإبطال الاحتجاج به على أن (ليس) حرف عطف، وأنه باق على أصله هو تأويل البصريين ومذهبهم، حيث رأوا أن هذا الشاهد لا حجة فيه لاحتمال أن يكون (الجمل) اسم (ليس)، وخبره محذوف لفهم المعنى، كأنه قال: ليس الجملُ جازيًا، وقد يجوز حذف خبر (ليس) في ضرورة الشعر(12 ).
    وكذلك أوَّلَ البصريون بيت نفيل بن حبيب كما ذكر ابن مالك: «بأن يجعل (الغالبَ) اسم (ليس)، ويجعل خبرها ضميرًا متصلًا عائدًا على (الأشرم)، ثم حذف لاتصاله كما تقول: (الصديقُ كانهُ زيدٌ)، ثم تحذف الهاء تخفيفًا كما تحذفها من نحو: (زيدٌ ضربَهُ عمرٌو)،فيصير: (زيدٌ ضربَ عمرٌو)»(13 ).
    قال ابن هشام: « قال ابن مالك: وهو في الأصل ضميرٌ متصل عائد على الأشرم، أي: ليسَهُ الغالبُ، كما تقول: (الصديقُ كانهُ زيدٌ)، ثم حذف لاتصاله، ومقتضى كلامه: أنه لولا تقديره متصلًا لم يجز حذفه وفيه نظر»(14 ).
    أي: وفي تقديره الضمير متصلًا نظرٌ ؛ لأنه يمكن أن يقدر منفصلًا: ليس الغالب إياه.
    واحتج المجيزون بأنه قد استُعمِل (لكنْ) حرف عطف، وقد أُعمِل عمل الفعل، فكذلك يكون (ليس) حرف عطف، وإن كان قد أعمل عمل الفعل.
    ويردُّ البصريون هذا الاحتجاج بأنه «ليس استعماله حرف عطف بواجب من حيث أُعمل عمل الفعل، ألا ترى أنك تجد أشياء كثيرة أُعملت عمل الفعل ولم تستعمل حروف عطف، فإذا كان كذلك لم يحكم بأنها حرف عطف حتى تقوم على ذلك دلالة قاطعة، فأما الحكم بأنها حرف عطف لما ذكروا فلا يسوغ لاحتماله غير ذلك»(15 ).
    ونقل المرادي عن بعض النحاة أن الكوفيين لا يستعملون (ليس) على معنى العطف حقيقة قائلًا:
    «قيل: وفي الحقيقة ليست عندهم حرف عطف، لأنهم أضمروا الخبر في قولهم: قامَ زيدٌ ليس عمرٌو، وفي النصب والجر جعلوا الاسم ضمير المجهول، وأضمروا الفعل بعدها، وذلك الفعل المضمر في موضع خبر (ليس)، هذا تحرير مذهبهم، وهو المفهوم من كلام هشام، وابن كيسان، وهما أعرف بتقرير مذهب الكوفيين»(16 ).
    وما نسبه ثعلب للفراء صراحة يردُّ ما نقله المرادي، والصواب ما نحا إليه البصريون من أن (ليس) في هذه الشواهد التى احتج بها الكوفيون أو البغداديون باقٍ على أصله، والأصل بقاء ما كان على ما كان، ولا ينتقل عن الأصل القوي إلا بأدلة قاطعة، أما دليل يتطرق إليه الاحتمال فلا يستقيم به الاستدلال.

    ---------------------
    (1 ) كالنحاس، وابن بابشاذ، والهروي، وابن مالك، وانظر: الأزهية196، شرح جمل الزجاجي لابن أبي الربيع1/339، شرح الكافية الشافية لابن مالك3/1232، التسهيل174، ارتشاف الضـرب4/1977، الجنى الداني498، مغني اللبيب3/565، شرح التسهيل للسلسيلي778، المساعد2/443، همع الهوامع5/263، شرح أبيات المغني للبغدادي5/211.
    (2 ) كالفارسي، وابن عصفور، وانظر: المسائل الحلبيات264، شرح جمل الزجاجي لابن عصفور1/225، ارتشاف الضرب4/1977، مغني اللبيب3/565.
    (3 ) عجز بيت للبيد في ديوانه141، وصدره فيه: *فإذا جُوزيتَ قرضًا فاجزِهِ*، وهو من شواهد: سيبويه1/370، ومجالس ثعلب447، والحلبيات264، وشرح الجمل لابن عصفور1/225، وشرحها لابن أبي الربيع1/339، وخزانة الأدب11/191 .
    ( 4) مجالس ثعلب447.
    (5 ) شرح الجمل لابن عصفور1/225.
    (6 ) قائله نفيل بن حبيب في قصة الفيل، والبيت من شواهد: شرح الكافية الشافية3/1233، ومغني اللبيب3/565، وشرح التسهيل للسلسيلي778، وهمع الهوامع5/263، وشرح شواهد المغني5/221.
    (7 ) الحلبيات264.
    ( 8) الحلبيات264.
    (9 ) انظر سيبويه2/370بولاق،2/333هارون، المقتضب4/410، الأزهية196.
    ( 10) مجالس ثعلب447.
    (11 ) الحلبيات265.
    (12 ) شرح الجمل لابن عصفور1/225، شرح الجمل لابن أبي الربيع1/339، الخزانة11/192.
    ( 13) شرح الكافية الشافية3/1233، الجنى الداني498.
    (14 ) مغني اللبيب3/566.
    (15 ) الحلبيات265.
    ( 16) الجنى الداني498-499.

يعمل...