جاء مضارع (ماز) في القرآن بمعنى عزل وفصل، قال تعالى: "حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ" [آل عمران-179] وقال: "لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ" [الأنفال-37]، جاء في (المصباح المنير) "مِزْتُهُ مَيْزًا مِنْ بَابِ بَاعَ: عَزَلْتُهُ وَفَصَلْتُهُ مِنْ غَيْرِهِ، وَالتَّثْقِيلُ مُبَالَغَةٌ"، وبالتثقيل جاءت القراءة "وَقَرَأَ حَمْزَة وَالْكسَائِيّ: "حَتَّى يُمَيِّزَ" و"ليُمَيِّزَ" بِضَم الْيَاء وَالتَّشْدِيد" (السبعة في القراءات، ص220). وكما زيد (ماز) بالتضعيف زيد بالألف وبه قرئت الآية أيضًا "وأَماز الشيءَ مازهُ، ومنه قراءَة ابن مسعود رضي الله عنه: "لِيُمِيزَ اللهُ الخَبيثَ مِنَ الطَّيِّبِ" بضم الأُولى وسكون الثَّانية. وميَّز الشيء من الشيء: مثلُ مازه منه وأَمازه" (الفيروزآبادي، بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز، 4: 540)، وزيد بالألف وبالتاء والألف "ومايزت بين الشيئين، وتمايز القوم: تفرّقوا" (الزمخشري، أساس البلاغة، ميز). والفعل الانعكاسي من (ماز) ورد في معجم الصحاح "مزت الشيء أميزه ميزًا: عزلته وفرزته. وكذلك ميّزته تمييزًا، فانمّاز، وامتاز، وتميّز، واستماز، كله بمعنى"، قال تعالى: "وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ" [يس-59]، وقال الجاحظ "وأشد سرفًا منه قول أبي بكر الشيباني، قال: كنت أسيرًا مع بني عمّ لي من بني شيبان، وفينا من موالينا جماعة في أيدي التغالبة، فضربوا أعناق بني عمّي وأعناق الموالي على وهدة من الأرض، فكنت والذي لا إله إلا هو، أرى دم العربي ينماز من دم المولى، حتى أرى بياض الأرض بينهما" (البيان والتبيين، 3: 41)، وأما (تميّز) فهو انعكاسي الفعل (ميّز) أيضًا، فتميّز: ميّز الشيءُ بعضَه عن بعض، أي تفرّقَ أو تقطّع، ومن ذلك قوله تعالى: "تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ" [الملك-8]، أي تتميز، وبهذا قرئت أيضًا "قرأ العامة: «تَميَّزُ» بتاء واحدة مخففة، والأصل (تتميَّز) بتاءين، وهي قراءة طلحة" (اللباب في علوم الكتاب، 19: 238)، وكل هذه الدلالات تدور على العزل والفصل والفرق، واستعمل الفعل (ميّز تمييزًا) للدلالة على بلوغ الذهن درجة تمكن صاحبه من التفريق والفصل بين الطيب والخبيث وبين الحلال والحرام وبين الضار والنافع، جاء في (المصباح المنير) "وَتَمَيَّزَ الشَّيْءُ انْفَصَلَ عَنْ غَيْرِهِ، وَالْفُقَهَاءُ يَقُولُونَ: سِنُّ التَّمْيِيزِ، وَالْمُرَادُ سِنٌّ إذَا انْتَهَى إلَيْهَا عَرَفَ مَضَارَّهُ وَمَنَافِعَهُ، وَكَأَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ مَيَّزْتُ الْأَشْيَاءَ إذَا فَرَّقْتَهَا بَعْدَ الْمَعْرِفَةِ بِهَا، وَبَعْضُ النَّاسِ يَقُولُ: التَّمْيِيزُ قُوَّةٌ فِي الدِّمَاغِ يُسْتَنْبَطُ بِهَا الْمَعَانِي". ومن اشتقاقاته اسم الفاعل والمبالغة منه "رجل مميِّز وميّاز"(الزمخشري، أساس البلاغة: ميز).
وأما (استماز) فورد في حديث إبراهيم "النَّخعِيّ رَحمَه الله (اِسْتمازَ رجلٌ من رجلٍ بِهِ بلَاءٌ فابتُليَ بِهِ) أَي: تحاشى وتباعد" (الزمخشري، الفائق في غريب الحديث، 3: 398). واشتق منه اسم المكان (مستماز)، قال النابغة:
وَلَكِنَّنِي كنتُ امْرَأً لِيَ جانِبٌ ... من الأَرْض فِيهِ مُسْتَمازٌ وَمَذْهَبُ
وأمّا الفعل (امتاز) فاستعمل منه (ممتاز) وهو اسم الفاعل من الفعل امتاز، وجعل اسمًا لأعلى درجة محصلة في اختبارات التحصيل (مقبول، جيّد، جيد جدًّا، ممتاز).
وأما المصدر (الامتياز) فقد يوصف بالطبي ليدل به على مرحلة من التعليم الطبي فـ(التميز الطبي) سنة يتدرب فيها الطبيب المتخرج تدربًا عمليًّا. ويوصف بالتجاري ليدل به على تعاقد تجاري بين طرفين، أحدهما مانح (الامتياز التجاري) والآخر هو الممنوح، فيكون للممنوح حق ممارسة تجارة باسم المانح وعلامته التجارية ومفردات نشاطه التجاري ملتزمًا بشروط المانح.
واستعمل (انماز) عند المحدثين على قلة مثل "انماز شعر البحرية الإسلامية في غرناطة باتخاذ العلم الأحمر رمزًا لسفن أسطوله، وقد تغنى الشعراء بهذا الرمز" (عبدالأمير الخزاعي، البحرية الإسلامية في الشعر الأندلسي، ص182).
وأمّا (امتاز) بمعنى اتّصف فكثير، مثل "الفهيد شاعر امتاز بعشق التراث وصدق العاطفة" (بكر هذال، صحيفة الرياض، الخميس 18 شوال 1427هـ - 9 نوفمبر 2006م - العدد 14017). ومثل "العنابي امتاز بالأداء الرجولي" (صحيفة الوطن، الأربعاء 13/06/2012 العدد 6128). واستعمل المصدر (تمايز) واسم الفاعل (متمايز) في "تمايز أدب الخيال العلمي عن الفانتازيا" (لطيفة الدليمي، إضاءات، موقع ثقافات http://thaqafat.com/2016/04/30876/).
ولعل هذا مثال يسير لحيوية العربية واتصال ثقافتها القديمة بالحديثة، وهذا ربما يكون من الأمور النادرة في ثقافات الأمم؛ ولكن الخوف عليها اليوم يعصف بالنفوس لما يرى من غلبة ثقافات وافدة وازورار من أهلها عنها.
