هل يجوز تعدِّي الفعل الواحد لمفعولين لأجلهما؟
د. مصطفى شعبان
يرفض البيضاويُّ – تبعًا لأبي البقاء العكبري – ما ذهب إليه شيخه الزمخشريُّ الذي جوَّز عملَ فعلٍ واحدٍ في مفعول لأجلهما.. وجاء ذلك في مناسبة بحث التوجيه الإعرابي لقوله تعالى:(مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى (2) إِلَّا تَذْكِرَةً ) [طه:2-3] حيث جوز جارُ الله في قوله تعالى: (تذكرة) أن يكون مفعولًا له ، وقال: ((كل واحد من (لتشقى)، و(تذكرة) علة للفعل (أنزلنا) ، إلا أن الأول وجب مجيؤه مع اللام ؛ لأنه ليس لفاعل الفعل المعلل ، ففاتته شريطة الانتصاب على المفعولية ، الثاني: جاز قطع اللام عنه ونصبه لاستجماعه الشرائط))( 1).
وتقدير المعنى على ذلك عند الزمخشري: إنا أنزلنا عليك القرآن لتحتمل متاعب التبليغ ومقاولة العتاة من أعداء الإسلام ومقاتلتهم ، وغير ذلك من أنواع المشاق وتكاليف النبوة ، وما أنزلنا عليك هذا المتعب الشاق إلا ليكون تذكرة( 2).
والعكبري لم يرتَضِ هذا التوجيه من الزمخشري ، ولم يجوِّز أن يكون قوله (تذكرة) مفعولًا له لأنزلنا ؛ لأنها قد تعدت إلى مفعول له ، وهو ((لتشقى)) فلا يتعدى إلى آخر من جنسه( 3). وتبع أبو حيان العكبريَّ على هذا التعليل( 4) ، وقال في ((الارتشاف))( 5): ((ولا يجوز أن يكون للعامل منه اثنان – أي من المفعول له – إلا على جهة البدل أو العطف سواء جُرَّا بحرف السبب ، أو أحدهما أو نصب، فأما قوله تعالى:(إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى) [طه:3] فمنصوب بفعل مضمر قاله الفارسي))
وقال السيوطي : ((ولا يجوز تعدد المفعول له منصوبًا كان أو مجرورًا، ومن ثم مُنع في قوله تعالى : (وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا ) [البقرة:31] تعلق (لتعتدوا) بـ (تمسكوهن) على جعل (ضرارًا) مفعولًا له ، وإنما يتعلق به على جعل ((ضرارًا)) حالًا..))( 6) .
وأعرب النحاس (تذكرة) مفعولًا لأجله(7 ) – في قوله تعالى: (إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى)
ولكن الشهاب الخفاجي لم يرتض تعليل البيضاويِّ لعدم التجويز بأنه لا يجوز تعدي الفعل الواحد إلى علتين بدون عطف أو بدلية، راميًا إياه بأن تعليله الردَّ على الزمخشري ليس بشيء ؛ لأنه يجوز أن يعلل الفعل بعلتين ، وإنما يكون الرد عليه :بأنه لا يعمل عامل واحد في معمولين من جنس الفضلات بدون عطف أو بدلية( 8).
قال البيضاوي : (((إلا تذكرة) .. لا يجوز أن يكون بدلًا من محل (لتشقى) لاختلاف الجنسين ، ولا مفعولًا له لـ (أنزلنا) فإن (الفعل) الواحد لا يتعدى إلى علتين ..)) – قال الشهاب - : قوله: (ولا مفعولًا له لأنزلنا) هو ردٌّ على الكشاف تبع فيه – أي البيضاوي - أبا البقاء حيث جوز فيه أن يكون مفعولًا له ، وقال : كل واحد من (لتشقى) و (تذكرة) علة للفعل إلا أن الأول وجب مجيؤه مع اللام، لأنه ليس لفاعل الفعل المعلل ففاتته شريطة الانتصاب على المفعولين ، والثاني جاز قطع اللام عنه ونصبه لاستجماعه الشرائط..)).
وتصحيح الرَّد من قبل الخفاجي صحيح، إذ الذي عليه النحاة أن الفعل لا يعمل في معمولين فضلتين كالحالين والتمييزين والظرفين والمصدرين بدون تبعية (عطف، أو بدلية)، وكذا المفعول معه .
قال السهيلي : ((وليس يجوز أن يعمل عامل واحد في حالين ولا ظرفين إلا أن يتداخلا ويصح الجمع بينهما نحو قولك : ((زيد خارج يوم الجمعة ضحوةً))، لأن الضحوة في يوم الجمعة ، وكذلك : ((سرت راكبًا مسرعًا)) ، ولو قلت: مسرعًا بطيئًا لم يجز ؛ لاستحالة الجمع بينهما .. فيستحيل أن يعمل فيهما عامل واحد))( 9).
وقال الزجاج موجِّهًا قراءة من نصب ((والطيرَ)) في قوله تعالى:(يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ): ((نصبه على أنه مفعول معه ، وهذا لا يجوز ، لأن قبله (معه)، ولا يقتضي الفعل اثنين من المفعول معه إلا على البدل أو العطف ، فكما لا يجوز: جاء زيد مع عمرو مع زينب إلا بالعطف كذلك هذا..))( 10).
ويشرح الشهاب الخفاجي وجهة نظره في جواز تعدد العلة دون عطف أو إبدال بأن الجواز مشروط بما ((إذا اختلفت جهة العمل فيهما، كما في قوله تعالى:
(مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى (2) إِلَّا تَذْكِرَةً )فإن أحدهما جار ومجرور ، والآخر مفعول له، وإن اقتضى كلام المعرِب خلافه فإنه غير مسلم .. ( 11)
ثم نوه إلى أن كلام الزمخشريِّ هنا فيه إشارة إلى ما يرمي إليه هو: ((حيث جعله مفعولًا صريحًا لا على إسقاط اللام)).
ثم قال الشهاب : ((وإذا اتحدت – أي جهة العمل – كانت إحداهما علة للفعل، والأخرى علة له بعد تعليله ، فيكون تعليلًا لمجموعهما نحو: ((أكرمته لكونه غريبًا لرجاء الثواب)) ؛ فإن الغريب إكرامه لغربته ، ورجاء الثواب علة لإكرام الغريب ، أو لكون العلة الثانية علة للعلة الأولى نحو: ((لا يعذب الله التائب لمغفرته له لإسلامه)) إذا تعلقا بالفعل المنفي ؛ إذ لا يلزم تعلقه بالمغفرة، وإن صح فالأولى علة لعدم العذاب ، والثانية للمغفرة، وهما يرجعان إلى تغاير المتعلق تقديرًا بالإطلاق والتقييد))( 12).
وحاصل تقرير الشهاب أن الفعل الواحد قد يتعدى إلى علتين من غير تبعية في إحدى صورتين :
الأولى : أن تختلف جهتا عمل العامل في المفعولين له كأن يكون أحد المفعولين جارًّا ومجرورًا، والآخر مفعولًا له .
الثانية: أن تتحد جهتا العمل بأن يكون المفعولان كلاهما جارًّا ومجرورًا أو كلاهما مفعولًا له، وكانت إحدى العلتين خاصة بالفعل والأخرى عامة لمجموع الفعل والعلة الأولى ، أو كانت العلة الثانية علة للعلة الأولى كما فصل الشهاب .
وقد ناقش الشهاب قضية تعدد المفعول له في موضع آخر عند قوله تعالى:
(يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ ) حيث أورد اعتراض أبي حيان على المعربين الذين أعربوا ((حذر الموت)) مفعولًا لأجله( 13) إذ يقول أبو حيان: ((وفيه نظر:لأن قوله: (من الصواعق) هو في المعنى مفعول من أجله ، ولو كان معطوفًا لجاز كقول الله تعالى: ( ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ) .. وقالوا أيضًا : يجوز أن يكون مصدرًا ، أي يحذرون حذر الموت ، وهو مضاف للمفعول))( 14).
وممن أعرب ((حذر الموت)) مفعولًا له – موافقة للزمخشري ومن تابعه – ابن عقيل في تفسيره لسوة البقرة أشار إلى ذلك جمال الدين بن هشام قائلًا: ((وزعم عَصْرِيٌّ في تفسير له على سورتي البقرة وآل عمران في قوله تعالى :
(يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ ) أن (مِنْ) متعلقة (بحذر) أو (بالموت) ، وفيهما تقديم معمول المصدر ، وفي الثاني : أيضًا تقديم معمول مضاف إليه على المضاف ، وحامله على ذلك أنه لو علقه بـ (يجعلون) وهو في موضع مفعول له ، لزم تعدد المفعول له من غير عطف ؛ إذ كان (حذر الموت) مفعولًا له))(15 ).
قال الدسوقي : ((وقوله: لزم تعدُّد المفعول له ، أي : وهذا ممنوع؛ لأن الشيء لا يعلل بأمرين لما فيه من التخالف))(16 ).
قال الشهاب – معقبًا على أبي حيان - : ((وما ادعاه لا يتم له ؛ فإن لزوم العطف في نحو : زرت زيدًا لمحبته إكرامًا له غير مسلَّم، وما استشهد به لا شاهد له .. وجوابه – والكلام للشهاب – أنهما إما نوعان أحدهما منصوب ، والآخر مجرور، فهما كالمفعول معهما في قوله تعالى : (أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ) في أحد القولين ، وإما أن ((من الصواعق)) علة لـ
(يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ) أي لمطلق الجعل و((حذر الموت)) علة للفعل المعلل ، أي للفعل مع علته ، وهو كلام نفيس فليحفظ، فإن هذه المسألة لم يصرّح بها أحد من أهل العربية))(17).
وما ادعاه الخفاجي في هذه المسألة من أنه لم يصرح بها أحد من أهل العربية لا يسلم له؛ لأن ابن هشام سبقه في ذلك ، إذ قال موجهًا إعراب ابن عقيل الذي تعقبه منذ قليل : ((وقد أجيب بأن الأول تعليلٌ للجعل مطلقًا ، والثاني تعليل له مقيد بالأول ، والمطلق والمقيد غَيْران ، فالمعلل متعدد في المعنى ، وإن اتحد في اللفظ))( 18)، ثم قال : ((الصواب أن يحمل على أن المنام في الزمانين والابتغاء فيهما))(18).
فتعدي الفعل إلى مفعول لأجلهما استنادًا إلى نظرة ابن هشام والخفاجي توجيه مقبول نحوًا ودلالة ؛ إذ لا يترتب عليه تكلف من الجهتين .
---------------------
( 1) ((حاشية الشهاب على البيضاوي)) (6/189) .
(2 ) ((الكشاف)) (3/134) .
(3 ) ((إعراب العكبري)) (ص: 414) .
(4 ) ((البحر المحيط)) (9/310-311) .
(5 ) ((ارتشاف الضرب)) (3/1388) .
(6 ) ((همع الهوامع)) (2/136) ، ((حاشية الخضري على ابن عقيل)) (1/196) .
(7 ) ((إعراب القرآن)) للنحاس (3/27) .
(8 ) ((حاشية الشهاب)) (6/189) ، ((أنوار التنزيل)) (4/22) .
(9 ) ((نتائج الفِكَر)) (ص:400-401) .
(10 ) انظر : ((المقتضب)) (4/212و 351) ، ((معاني القرآن)) للزجاج (4/243) ، ((أمالي الشجري)) (2/248-249) ، ((شرح الكافية)) للرضي (2/204-205) .
(11 )((حاشية الشهاب)) (6/189) .
(12 ) ((حاشية الشهاب)) (6/189) .
(13 ) ((الكشاف)) (1/80-81) ، ((أنوار التنزيل)) (1/51) .
(14 ) ((البحر المحيط)) (1/141) .
(15 ) ((مغني اللبيب)) (2/1121) .
( 16) ((حاشية الدسوقي على المغني)) (1121) .
( 17) ((عناية القاضي)) (1/401) .
(18 ) ((مغني اللبيب)) (2/1121- 1122) .
د. مصطفى شعبان
يرفض البيضاويُّ – تبعًا لأبي البقاء العكبري – ما ذهب إليه شيخه الزمخشريُّ الذي جوَّز عملَ فعلٍ واحدٍ في مفعول لأجلهما.. وجاء ذلك في مناسبة بحث التوجيه الإعرابي لقوله تعالى:(مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى (2) إِلَّا تَذْكِرَةً ) [طه:2-3] حيث جوز جارُ الله في قوله تعالى: (تذكرة) أن يكون مفعولًا له ، وقال: ((كل واحد من (لتشقى)، و(تذكرة) علة للفعل (أنزلنا) ، إلا أن الأول وجب مجيؤه مع اللام ؛ لأنه ليس لفاعل الفعل المعلل ، ففاتته شريطة الانتصاب على المفعولية ، الثاني: جاز قطع اللام عنه ونصبه لاستجماعه الشرائط))( 1).
وتقدير المعنى على ذلك عند الزمخشري: إنا أنزلنا عليك القرآن لتحتمل متاعب التبليغ ومقاولة العتاة من أعداء الإسلام ومقاتلتهم ، وغير ذلك من أنواع المشاق وتكاليف النبوة ، وما أنزلنا عليك هذا المتعب الشاق إلا ليكون تذكرة( 2).
والعكبري لم يرتَضِ هذا التوجيه من الزمخشري ، ولم يجوِّز أن يكون قوله (تذكرة) مفعولًا له لأنزلنا ؛ لأنها قد تعدت إلى مفعول له ، وهو ((لتشقى)) فلا يتعدى إلى آخر من جنسه( 3). وتبع أبو حيان العكبريَّ على هذا التعليل( 4) ، وقال في ((الارتشاف))( 5): ((ولا يجوز أن يكون للعامل منه اثنان – أي من المفعول له – إلا على جهة البدل أو العطف سواء جُرَّا بحرف السبب ، أو أحدهما أو نصب، فأما قوله تعالى:(إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى) [طه:3] فمنصوب بفعل مضمر قاله الفارسي))
وقال السيوطي : ((ولا يجوز تعدد المفعول له منصوبًا كان أو مجرورًا، ومن ثم مُنع في قوله تعالى : (وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا ) [البقرة:31] تعلق (لتعتدوا) بـ (تمسكوهن) على جعل (ضرارًا) مفعولًا له ، وإنما يتعلق به على جعل ((ضرارًا)) حالًا..))( 6) .
وأعرب النحاس (تذكرة) مفعولًا لأجله(7 ) – في قوله تعالى: (إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى)
ولكن الشهاب الخفاجي لم يرتض تعليل البيضاويِّ لعدم التجويز بأنه لا يجوز تعدي الفعل الواحد إلى علتين بدون عطف أو بدلية، راميًا إياه بأن تعليله الردَّ على الزمخشري ليس بشيء ؛ لأنه يجوز أن يعلل الفعل بعلتين ، وإنما يكون الرد عليه :بأنه لا يعمل عامل واحد في معمولين من جنس الفضلات بدون عطف أو بدلية( 8).
قال البيضاوي : (((إلا تذكرة) .. لا يجوز أن يكون بدلًا من محل (لتشقى) لاختلاف الجنسين ، ولا مفعولًا له لـ (أنزلنا) فإن (الفعل) الواحد لا يتعدى إلى علتين ..)) – قال الشهاب - : قوله: (ولا مفعولًا له لأنزلنا) هو ردٌّ على الكشاف تبع فيه – أي البيضاوي - أبا البقاء حيث جوز فيه أن يكون مفعولًا له ، وقال : كل واحد من (لتشقى) و (تذكرة) علة للفعل إلا أن الأول وجب مجيؤه مع اللام، لأنه ليس لفاعل الفعل المعلل ففاتته شريطة الانتصاب على المفعولين ، والثاني جاز قطع اللام عنه ونصبه لاستجماعه الشرائط..)).
وتصحيح الرَّد من قبل الخفاجي صحيح، إذ الذي عليه النحاة أن الفعل لا يعمل في معمولين فضلتين كالحالين والتمييزين والظرفين والمصدرين بدون تبعية (عطف، أو بدلية)، وكذا المفعول معه .
قال السهيلي : ((وليس يجوز أن يعمل عامل واحد في حالين ولا ظرفين إلا أن يتداخلا ويصح الجمع بينهما نحو قولك : ((زيد خارج يوم الجمعة ضحوةً))، لأن الضحوة في يوم الجمعة ، وكذلك : ((سرت راكبًا مسرعًا)) ، ولو قلت: مسرعًا بطيئًا لم يجز ؛ لاستحالة الجمع بينهما .. فيستحيل أن يعمل فيهما عامل واحد))( 9).
وقال الزجاج موجِّهًا قراءة من نصب ((والطيرَ)) في قوله تعالى:(يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ): ((نصبه على أنه مفعول معه ، وهذا لا يجوز ، لأن قبله (معه)، ولا يقتضي الفعل اثنين من المفعول معه إلا على البدل أو العطف ، فكما لا يجوز: جاء زيد مع عمرو مع زينب إلا بالعطف كذلك هذا..))( 10).
ويشرح الشهاب الخفاجي وجهة نظره في جواز تعدد العلة دون عطف أو إبدال بأن الجواز مشروط بما ((إذا اختلفت جهة العمل فيهما، كما في قوله تعالى:
(مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى (2) إِلَّا تَذْكِرَةً )فإن أحدهما جار ومجرور ، والآخر مفعول له، وإن اقتضى كلام المعرِب خلافه فإنه غير مسلم .. ( 11)
ثم نوه إلى أن كلام الزمخشريِّ هنا فيه إشارة إلى ما يرمي إليه هو: ((حيث جعله مفعولًا صريحًا لا على إسقاط اللام)).
ثم قال الشهاب : ((وإذا اتحدت – أي جهة العمل – كانت إحداهما علة للفعل، والأخرى علة له بعد تعليله ، فيكون تعليلًا لمجموعهما نحو: ((أكرمته لكونه غريبًا لرجاء الثواب)) ؛ فإن الغريب إكرامه لغربته ، ورجاء الثواب علة لإكرام الغريب ، أو لكون العلة الثانية علة للعلة الأولى نحو: ((لا يعذب الله التائب لمغفرته له لإسلامه)) إذا تعلقا بالفعل المنفي ؛ إذ لا يلزم تعلقه بالمغفرة، وإن صح فالأولى علة لعدم العذاب ، والثانية للمغفرة، وهما يرجعان إلى تغاير المتعلق تقديرًا بالإطلاق والتقييد))( 12).
وحاصل تقرير الشهاب أن الفعل الواحد قد يتعدى إلى علتين من غير تبعية في إحدى صورتين :
الأولى : أن تختلف جهتا عمل العامل في المفعولين له كأن يكون أحد المفعولين جارًّا ومجرورًا، والآخر مفعولًا له .
الثانية: أن تتحد جهتا العمل بأن يكون المفعولان كلاهما جارًّا ومجرورًا أو كلاهما مفعولًا له، وكانت إحدى العلتين خاصة بالفعل والأخرى عامة لمجموع الفعل والعلة الأولى ، أو كانت العلة الثانية علة للعلة الأولى كما فصل الشهاب .
وقد ناقش الشهاب قضية تعدد المفعول له في موضع آخر عند قوله تعالى:
(يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ ) حيث أورد اعتراض أبي حيان على المعربين الذين أعربوا ((حذر الموت)) مفعولًا لأجله( 13) إذ يقول أبو حيان: ((وفيه نظر:لأن قوله: (من الصواعق) هو في المعنى مفعول من أجله ، ولو كان معطوفًا لجاز كقول الله تعالى: ( ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ) .. وقالوا أيضًا : يجوز أن يكون مصدرًا ، أي يحذرون حذر الموت ، وهو مضاف للمفعول))( 14).
وممن أعرب ((حذر الموت)) مفعولًا له – موافقة للزمخشري ومن تابعه – ابن عقيل في تفسيره لسوة البقرة أشار إلى ذلك جمال الدين بن هشام قائلًا: ((وزعم عَصْرِيٌّ في تفسير له على سورتي البقرة وآل عمران في قوله تعالى :
(يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ ) أن (مِنْ) متعلقة (بحذر) أو (بالموت) ، وفيهما تقديم معمول المصدر ، وفي الثاني : أيضًا تقديم معمول مضاف إليه على المضاف ، وحامله على ذلك أنه لو علقه بـ (يجعلون) وهو في موضع مفعول له ، لزم تعدد المفعول له من غير عطف ؛ إذ كان (حذر الموت) مفعولًا له))(15 ).
قال الدسوقي : ((وقوله: لزم تعدُّد المفعول له ، أي : وهذا ممنوع؛ لأن الشيء لا يعلل بأمرين لما فيه من التخالف))(16 ).
قال الشهاب – معقبًا على أبي حيان - : ((وما ادعاه لا يتم له ؛ فإن لزوم العطف في نحو : زرت زيدًا لمحبته إكرامًا له غير مسلَّم، وما استشهد به لا شاهد له .. وجوابه – والكلام للشهاب – أنهما إما نوعان أحدهما منصوب ، والآخر مجرور، فهما كالمفعول معهما في قوله تعالى : (أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ) في أحد القولين ، وإما أن ((من الصواعق)) علة لـ
(يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ) أي لمطلق الجعل و((حذر الموت)) علة للفعل المعلل ، أي للفعل مع علته ، وهو كلام نفيس فليحفظ، فإن هذه المسألة لم يصرّح بها أحد من أهل العربية))(17).
وما ادعاه الخفاجي في هذه المسألة من أنه لم يصرح بها أحد من أهل العربية لا يسلم له؛ لأن ابن هشام سبقه في ذلك ، إذ قال موجهًا إعراب ابن عقيل الذي تعقبه منذ قليل : ((وقد أجيب بأن الأول تعليلٌ للجعل مطلقًا ، والثاني تعليل له مقيد بالأول ، والمطلق والمقيد غَيْران ، فالمعلل متعدد في المعنى ، وإن اتحد في اللفظ))( 18)، ثم قال : ((الصواب أن يحمل على أن المنام في الزمانين والابتغاء فيهما))(18).
فتعدي الفعل إلى مفعول لأجلهما استنادًا إلى نظرة ابن هشام والخفاجي توجيه مقبول نحوًا ودلالة ؛ إذ لا يترتب عليه تكلف من الجهتين .
---------------------
( 1) ((حاشية الشهاب على البيضاوي)) (6/189) .
(2 ) ((الكشاف)) (3/134) .
(3 ) ((إعراب العكبري)) (ص: 414) .
(4 ) ((البحر المحيط)) (9/310-311) .
(5 ) ((ارتشاف الضرب)) (3/1388) .
(6 ) ((همع الهوامع)) (2/136) ، ((حاشية الخضري على ابن عقيل)) (1/196) .
(7 ) ((إعراب القرآن)) للنحاس (3/27) .
(8 ) ((حاشية الشهاب)) (6/189) ، ((أنوار التنزيل)) (4/22) .
(9 ) ((نتائج الفِكَر)) (ص:400-401) .
(10 ) انظر : ((المقتضب)) (4/212و 351) ، ((معاني القرآن)) للزجاج (4/243) ، ((أمالي الشجري)) (2/248-249) ، ((شرح الكافية)) للرضي (2/204-205) .
(11 )((حاشية الشهاب)) (6/189) .
(12 ) ((حاشية الشهاب)) (6/189) .
(13 ) ((الكشاف)) (1/80-81) ، ((أنوار التنزيل)) (1/51) .
(14 ) ((البحر المحيط)) (1/141) .
(15 ) ((مغني اللبيب)) (2/1121) .
( 16) ((حاشية الدسوقي على المغني)) (1121) .
( 17) ((عناية القاضي)) (1/401) .
(18 ) ((مغني اللبيب)) (2/1121- 1122) .
