عمي عبد المجيد

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • السيد عبدالوهاب
    عضو جديد
    • Sep 2016
    • 21

    #1

    عمي عبد المجيد

    عمي عبدالمجيد
    أما النسوة في المقعد خلفي فتشتكين الفاقة،كل واحدة منهن بدأت تسرد وجيعتها،اتشحن بالهم،بعد كل هذه السنوات التي مضت عاودني طيف منه،ما تزال صورته عالقة بذهني،تهيبته كثيرا،رغم أن قلبه كان يفيض حبا،مثل حمل وديع كان،دافع خفي ألح علي أن أفتح ذلك الملف القابع أعلى خزانة الكتب،به بعض قصصي وأوراقي الهامة: شهادة ميلادي الصفراء تثبت ذلك اليوم الذي أتيت هذه الدنيا هذا قدر الله علي،كانت ولادتي عسرة،لم تكن قريتنا عرفت نساؤها بعد أن المشفى به مكان لمثلهن، في هذا اليوم أمسكت القابلة دون رحمة ،برأسي ومن ثم تركت ندوبا- بفعل يديها الغليظتين -ما تزال آثارها تعاودني كلما دارت بي الأحداث،شهادة تخرجي في الجامعة تلك التي ما أطعمت صغاري خبزا،ولا هي أقدرتني على أن أرتدي ثيابا جديدة،وثيقة زواجي الحلم المنطوي بين كاهل العمر المنصرف هوى بين أجنحة الفقر الذي لازمتي طائرا في عنقي.
    النسيان آفة تلتهم أشيائي جرذا يقرض في نهم ملامح الصورة،ها أنا أتحايل عليه بمزيد من الكتابة،حرفة قل متعاطوها هذه الأيام فالممسكون پأسنة الأقلام على خطر عظيم،هناك عيون تتربص بدلالات الكلمة.
    الموت وحش أظافره حمراء تمتليء معدته- ومن الأسى أنني ما سمعت أنني ما سمعت أنها أصيبت بتخمة-يتربص بأحبتنا،يأخذهم إلى ذلك المكان المحاط بأشجار الكافور العملاقة،رائحتها المميزة جزء من طقس جنائزي.
    "عمي عبدالمجد" وقد جيء به في ليلة شاتية حالكة السواد،ولأن برأسي ندوبا فقد وعيت تلك الأحداث،في صندوق معدني محكم أنزلوه الحفرة العميقة،أوصدوا بابها ببناء،مشهد مرعب ماثل في ذاكرتي المصابة بداء الترهل،حيث يموت الإنسان غريبا،مضت ساعاته الأخيرة.
    الكبد!
    يا لشقاء ذلك الشعب المبتلى بدائه،رغم أن النهر يروي الأرض يأبى إلا أن يكون قاسيا،يغتال أهله بتلك الديدان الطفيلية التى كثرت في الآونة الأخيرة ،يمسك بخناق المعدمين،بطونهم شيئا فشيئا تتحول إلى بالونة سرعان ما يثقبها المرض،أحال ثوبه الأبيض نزفا أحمر،أسلم هناك في بلاد الكرد روحه وحيدا ،جاءوا به محمولا عبر طائرة شحن أيام صدام!
    ومن يومها تعاودني صورته يختال بعصاه وراء شياه جدي،كان الأرض تكتسي لبنا أما الآن فهي علب إسمنية شوهاء.
    البيت الطيني يسكن عند ضفة النهر،أشجار الصفصاف حائرة تلطمها الرياح في شرود،أصوات متداخلة،قطط بيضاء،كلاب سود،رجل معمم لا تظهر منه سوى عينين تبرقان في ظلمة تمتد.
    الساقية تصدر نحيبا،غراب كئيب يقف أعلى شجرة الجميز المريضة،سنبلات قمح فارغة تميلها الريح كيف شاءت،ما أدري أي شيطان هوى بي في تلك الوهدة العميقة،صوت بمذياع السيارة: دعشنة بالموصل،الرايات السوداء تتساقط على ضفة الفرات،نظرت وجهي في مرآة السيارة،الشعر اشتعل نارا،ياقة قميصي تهرأت،خطوط جلدي تراخت،لم أعد ذلك الفتى بل رجلا في نهاية ممر الزمن،أشاحت بوجهها،أعرضت وناءت بجانبها،الحماقات ارتدت مسوح رهبان،أنيابها تقطر دما،ساعتها أيقنت أنه تلاشى ومضة لاتدرك،أخرجت ورقة وقلما سردت وقائع ذلك الحلم قبل أن يتوارى خلف أقبية النسيان.
يعمل...