مُنَمْنَماتٌ عَلى جُدْرانِ الْمَجالِسِ الْعَربيَّةِ=10
انْتَزَعَها الدُّكْتورُ مُحَمَّدْ جَمالْ صَقْرْ
ذاتُ الْمَثَلِ
" قالَ بَشّارٌ :
دَعاني عُقْبَةُ بْنُ سَلْمٍ ، وَدَعا بِحَمّادِ عَجْرَدٍ وَأَعْشى باهِلَةَ ، فَلَمّا اجْتَمَعْنا عِنْدَه قالَ لَنا :
إِنَّه خَطَرَ بِبالي الْبارِحَةَ مَثَلٌ يَتَمَثَّلُه النّاسُ " ذَهَبَ الْحِمارُ يَطْلُبُ قَرْنَيْنِ ؛ فَجاءَ بِلا أُذُنَيْنِ " ! فَأَخْرِجوهُ مِنَ الشِّعْرِ ، وَمَنْ أَخْرَجَه فَلَه خَمْسَةُ آلافِ دِرْهَمٍ ، وَإِنْ لَمْ تَفْعَلوا جَلَدْتُكُمْ كُلَّكُمْ خَمْسَمِئَةٍ !
فَقالَ حَمّادٌ : أَجِّلْنا - أَعَزَّ اللّهُ الْأَميرَ ! - شَهْرًا !
وَقالَ الْأَعْشى : أَجِّلْنا أُسْبوعَيْنِ !
قالَ : وَبَشّارٌ ساكِتٌ ، لا يَتَكَلَّمُ ؛ فَقالَ لَه عُقْبَةُ :
ما لَكَ - يا أَعْمى - لا تَتَكَلَّمُ ! أَعْمى اللّهُ قَلْبَكَ !
فَقالَ : أَصْلَحَ اللّهُ الْأَميرَ ! قَدْ حَضَرَني شَيْءٌ ، فَإِنْ أَمَرْتَ قُلْتُه !
فَقالَ : قُلْ !
فَقالْ :
شَطَّ بِسَلْمى عاجِلُ الْبَيْن وَجاوَزَتْ أُسْدَ بَني الْقَيْن
وَرَنَّتِ النَّفْسُ لَها رَنَّةً كادَتْ لَها تَنْشَــــقُّ نِصْفَيْن
يا ابْنَةَ مَنْ لا أَشْتَهي ذِكْرَه أَخْشى عَلَيْه عُلَقَ الشَّـيْن
وَاللّهِ لَوْ أَلْقـــــــاكِ لا أَتَّقي عَيْنًا لَقَبَّلْتُكِ أَلْفَيْن
طالَبْتُها دَيْني فَراغَتْ بِه وَعَلَّقَـــتْ قَلْبي مَعَ الدَّيْن
فَصِـــرْتُ كَالْعَيْرِ غَدا طالِبًا قَرْنًا فَلَمْ يَرْجِعْ بِأُذْنَيْن
قالَ : فَانْصَرَفَ بَشّارٌ بِالْجائِزَةِ " !
عن الأصفهاني في " الأغاني "
ذاتُ الْأَمْثالِ
" أَخْبَرَني أَبو دُلَفٍ هِشامُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قالَ :
تَذاكَروا شِعْرَ أَبي الْعَتاهِيَةِ بِحَضْرَةِ الْجاحِظِ ، إِلى أَنْ جَرى ذِكْرُ أُرْجوزَتِه الْمُزْدَوِجَةِ الَّتي سَمّاها ذاتَ الْأَمْثالِ ؛ فَأَخَذَ بَعْضُ مَنْ حَضَرَ يُنْشِدُها ، حَتّى أَتى عَلى قَوْلِه :
يا لَِلشَّبابِ الْمَرِحِ التَّصابي
رَوائِحُ الْجَنَّةِ في الشَّـباب
فَقالَ الْجاحِظُ لِلْمُنْشِدِ :
قِفْ !
ثُمَّ قالَ :
انْظُروا إِلى قَوْلِه :
رَوائحُ الْجَنَّةِ في الشَّباب " ؛
فَإِنَّ لَه مَعْنًى كَمَعْنى الطَّرَبِ الَّذي لا يَقْدِرُ عَلى مَعْرِفَتِه إِلّا الْقُلوبُ ، وَتَعْجِزُ عَنْ تَرْجَمَتِه الْأَلْسِنَةُ إِلّا بَعْدَ التَّطْويلِ وَإِدامَةِ التَّفْكيرِ ! وَخَيْرُ الْمَعاني ما كانَ الْقَلْبُ إِلى قَبولِه أَسْرَعَ مِنَ اللِّسانِ إِلى وَصْفِه .
وَهذِه الْأُرْجوزَةُ مِنْ رَوائِعِ أَبي الْعَتاهِيَةِ ، وَيُقالُ إِنَّ لَه فيها أَرْبَعَةَ آلافِ مَثَلٍ ، مِنْها قَوْلُه :
حَسْبُكَ مِمّا تَبْتَغيهِ الْقـــــوت
ما أَكْثَرَ الْقــــوتَ لِمَنْ يَموت
اَلْفَقْـــــرُ فيما جاوَزَ الْكَفافا
مَـــــنِ اتَّقى اللّهَ رَجا وَخافا
هِيَ الْمَقــــاديرُ فَلُمْني أَوْ فَذَرْ
إِنْ كُنْتُ أَخْطَـأْتُ فَما أَخْطا الْقَدَرْ
لِكُــــلِّ ما يُؤْذي وَإِنْ قَلَّ أَلَمْ
ما أَطْوَلَ اللَّيْــلَ عَلى مَنْ لَمْ يَنَمْ
ما انْتَفَعَ الْمَــــرْءُ بِمِثْلِ عَقْلِه
وَخَيْرُ ذُخْرِ الْمَرْءِ حُسْـــنُ فِعْلِه
إِنَّ الْفَسادَ ضِدُّه الصَّـــــلاح
وَرُبَّ جِدٍّ جَرَّه الْمُـــــزاح
مَنْ جَعَلَ النَّمّــــامَ عَيْنًا هَلَكا
مُبْلِغُكَ الشَّـــــرَّ كَباغيهِ لِكا
إِنَّ الشَّـــبابَ وَالْفَراغَ وَالْجِدَهْ
مَفْسَدَةٌ لِلْمَرْءِ أَيُّ مَفْسَـــــدَهْ
يُغْنيكَ عَنْ كُلِّ قَبيــــحٍ تَرْكُه
يَرْتَهِنُ الرَّأْيَ الْأَصـــيلَ شَكُّه
ما عَيْـــــشُ مَنْ آفَتُه بَقاؤُه
نَغَّــــــصَ عَيْشًا كُلَّه فَناؤُه
يا رُبَّ مَنْ أَسْــــخَطَنا بِجَهْدِه
قَدْ سَـــــرَّنا اللّهُ بِغَيْرِ حَمْدِه
ما تَطْلُعُ الشَّــــمْسُ وَلا تَغيب
إِلّا لِأَمْرٍ شَـــــــأْنُه عَجيب
لِكُلِّ شَــــيْءٍ مَعْدِنٌ وَجَوْهَر
وَأَوْسَطٌ وَأَصْـــــغَرٌ وَأَكْبَر
مَنْ لَكَ بِالْمَحْــضِ وَكُلٌّ مُمْتَزِجْ
وَساوِسٌ في الصَّـدْرِ مِنْه تَعْتَلِجْ
وَكُلُّ شَــــيْءٍ لاحِقٌ بِجَوْهَرِهْ
أَصْغَرُه مُتَّصِـــــلٌ بِأَكْبَرِهْ
ما زالَتِ الدُّنْيـــا لَنا دارَ أَذى
مَمْزوجَةَ الصَّـفْوِ بِأَلْوانِ الْقَذى
اَلْخَيْرُ وَالشَّــــرُّ بِها أَزْواج
لِذا نِتـــاجٌ وَلِذا نِتــــاج
مَنْ لَكَ بِالْمَحْـضِ وَلَيْسَ مَحْض
يَخْبُثُ بَعْــضٌ وَيَطيبُ بَعْض
لِكُلِّ إِنْســــــانٍ طَبيعَتان
خَيْرٌ وَشَرٌّ وَهُما ضِــــدّان
إِنَّكَ لَوْ تَسْتَنْشِقُ الشَّـــحيحا
وَجَدْتَه أَخْبَثَ شَـــيْءٍ ريحا
وَالْخَيْرُ وَالشَّـــرُّ إِذا ما عُدّا
بَيْنَهـــــما بَوْنٌ بَعيدٌ جِدّا
عَجِبْتُ حَتّى غَمَّني السُّــكوت
صِــرْتُ كَأَنّي حائِرٌ مَبْهوت
كَذا قَضى اللّهُ فَكَيْفَ أَصْــنَع
اَلصَّمْتُ إِنْ ضاقَ الْكَلامُ أَوْسَع
وَهِيَ طَويلَةٌ جِدًّا ، وَإِنَّما ذَكَرْتُ هذا الْقَدْرَ مِنْها حَسَبَ ما اسْتاقَ الْكَلامُ مِنْ صِفَتِها " .
عن الأصفهاني في " الأغاني "
انْتَزَعَها الدُّكْتورُ مُحَمَّدْ جَمالْ صَقْرْ
ذاتُ الْمَثَلِ
" قالَ بَشّارٌ :
دَعاني عُقْبَةُ بْنُ سَلْمٍ ، وَدَعا بِحَمّادِ عَجْرَدٍ وَأَعْشى باهِلَةَ ، فَلَمّا اجْتَمَعْنا عِنْدَه قالَ لَنا :
إِنَّه خَطَرَ بِبالي الْبارِحَةَ مَثَلٌ يَتَمَثَّلُه النّاسُ " ذَهَبَ الْحِمارُ يَطْلُبُ قَرْنَيْنِ ؛ فَجاءَ بِلا أُذُنَيْنِ " ! فَأَخْرِجوهُ مِنَ الشِّعْرِ ، وَمَنْ أَخْرَجَه فَلَه خَمْسَةُ آلافِ دِرْهَمٍ ، وَإِنْ لَمْ تَفْعَلوا جَلَدْتُكُمْ كُلَّكُمْ خَمْسَمِئَةٍ !
فَقالَ حَمّادٌ : أَجِّلْنا - أَعَزَّ اللّهُ الْأَميرَ ! - شَهْرًا !
وَقالَ الْأَعْشى : أَجِّلْنا أُسْبوعَيْنِ !
قالَ : وَبَشّارٌ ساكِتٌ ، لا يَتَكَلَّمُ ؛ فَقالَ لَه عُقْبَةُ :
ما لَكَ - يا أَعْمى - لا تَتَكَلَّمُ ! أَعْمى اللّهُ قَلْبَكَ !
فَقالَ : أَصْلَحَ اللّهُ الْأَميرَ ! قَدْ حَضَرَني شَيْءٌ ، فَإِنْ أَمَرْتَ قُلْتُه !
فَقالَ : قُلْ !
فَقالْ :
شَطَّ بِسَلْمى عاجِلُ الْبَيْن وَجاوَزَتْ أُسْدَ بَني الْقَيْن
وَرَنَّتِ النَّفْسُ لَها رَنَّةً كادَتْ لَها تَنْشَــــقُّ نِصْفَيْن
يا ابْنَةَ مَنْ لا أَشْتَهي ذِكْرَه أَخْشى عَلَيْه عُلَقَ الشَّـيْن
وَاللّهِ لَوْ أَلْقـــــــاكِ لا أَتَّقي عَيْنًا لَقَبَّلْتُكِ أَلْفَيْن
طالَبْتُها دَيْني فَراغَتْ بِه وَعَلَّقَـــتْ قَلْبي مَعَ الدَّيْن
فَصِـــرْتُ كَالْعَيْرِ غَدا طالِبًا قَرْنًا فَلَمْ يَرْجِعْ بِأُذْنَيْن
قالَ : فَانْصَرَفَ بَشّارٌ بِالْجائِزَةِ " !
عن الأصفهاني في " الأغاني "
ذاتُ الْأَمْثالِ
" أَخْبَرَني أَبو دُلَفٍ هِشامُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قالَ :
تَذاكَروا شِعْرَ أَبي الْعَتاهِيَةِ بِحَضْرَةِ الْجاحِظِ ، إِلى أَنْ جَرى ذِكْرُ أُرْجوزَتِه الْمُزْدَوِجَةِ الَّتي سَمّاها ذاتَ الْأَمْثالِ ؛ فَأَخَذَ بَعْضُ مَنْ حَضَرَ يُنْشِدُها ، حَتّى أَتى عَلى قَوْلِه :
يا لَِلشَّبابِ الْمَرِحِ التَّصابي
رَوائِحُ الْجَنَّةِ في الشَّـباب
فَقالَ الْجاحِظُ لِلْمُنْشِدِ :
قِفْ !
ثُمَّ قالَ :
انْظُروا إِلى قَوْلِه :
رَوائحُ الْجَنَّةِ في الشَّباب " ؛
فَإِنَّ لَه مَعْنًى كَمَعْنى الطَّرَبِ الَّذي لا يَقْدِرُ عَلى مَعْرِفَتِه إِلّا الْقُلوبُ ، وَتَعْجِزُ عَنْ تَرْجَمَتِه الْأَلْسِنَةُ إِلّا بَعْدَ التَّطْويلِ وَإِدامَةِ التَّفْكيرِ ! وَخَيْرُ الْمَعاني ما كانَ الْقَلْبُ إِلى قَبولِه أَسْرَعَ مِنَ اللِّسانِ إِلى وَصْفِه .
وَهذِه الْأُرْجوزَةُ مِنْ رَوائِعِ أَبي الْعَتاهِيَةِ ، وَيُقالُ إِنَّ لَه فيها أَرْبَعَةَ آلافِ مَثَلٍ ، مِنْها قَوْلُه :
حَسْبُكَ مِمّا تَبْتَغيهِ الْقـــــوت
ما أَكْثَرَ الْقــــوتَ لِمَنْ يَموت
اَلْفَقْـــــرُ فيما جاوَزَ الْكَفافا
مَـــــنِ اتَّقى اللّهَ رَجا وَخافا
هِيَ الْمَقــــاديرُ فَلُمْني أَوْ فَذَرْ
إِنْ كُنْتُ أَخْطَـأْتُ فَما أَخْطا الْقَدَرْ
لِكُــــلِّ ما يُؤْذي وَإِنْ قَلَّ أَلَمْ
ما أَطْوَلَ اللَّيْــلَ عَلى مَنْ لَمْ يَنَمْ
ما انْتَفَعَ الْمَــــرْءُ بِمِثْلِ عَقْلِه
وَخَيْرُ ذُخْرِ الْمَرْءِ حُسْـــنُ فِعْلِه
إِنَّ الْفَسادَ ضِدُّه الصَّـــــلاح
وَرُبَّ جِدٍّ جَرَّه الْمُـــــزاح
مَنْ جَعَلَ النَّمّــــامَ عَيْنًا هَلَكا
مُبْلِغُكَ الشَّـــــرَّ كَباغيهِ لِكا
إِنَّ الشَّـــبابَ وَالْفَراغَ وَالْجِدَهْ
مَفْسَدَةٌ لِلْمَرْءِ أَيُّ مَفْسَـــــدَهْ
يُغْنيكَ عَنْ كُلِّ قَبيــــحٍ تَرْكُه
يَرْتَهِنُ الرَّأْيَ الْأَصـــيلَ شَكُّه
ما عَيْـــــشُ مَنْ آفَتُه بَقاؤُه
نَغَّــــــصَ عَيْشًا كُلَّه فَناؤُه
يا رُبَّ مَنْ أَسْــــخَطَنا بِجَهْدِه
قَدْ سَـــــرَّنا اللّهُ بِغَيْرِ حَمْدِه
ما تَطْلُعُ الشَّــــمْسُ وَلا تَغيب
إِلّا لِأَمْرٍ شَـــــــأْنُه عَجيب
لِكُلِّ شَــــيْءٍ مَعْدِنٌ وَجَوْهَر
وَأَوْسَطٌ وَأَصْـــــغَرٌ وَأَكْبَر
مَنْ لَكَ بِالْمَحْــضِ وَكُلٌّ مُمْتَزِجْ
وَساوِسٌ في الصَّـدْرِ مِنْه تَعْتَلِجْ
وَكُلُّ شَــــيْءٍ لاحِقٌ بِجَوْهَرِهْ
أَصْغَرُه مُتَّصِـــــلٌ بِأَكْبَرِهْ
ما زالَتِ الدُّنْيـــا لَنا دارَ أَذى
مَمْزوجَةَ الصَّـفْوِ بِأَلْوانِ الْقَذى
اَلْخَيْرُ وَالشَّــــرُّ بِها أَزْواج
لِذا نِتـــاجٌ وَلِذا نِتــــاج
مَنْ لَكَ بِالْمَحْـضِ وَلَيْسَ مَحْض
يَخْبُثُ بَعْــضٌ وَيَطيبُ بَعْض
لِكُلِّ إِنْســــــانٍ طَبيعَتان
خَيْرٌ وَشَرٌّ وَهُما ضِــــدّان
إِنَّكَ لَوْ تَسْتَنْشِقُ الشَّـــحيحا
وَجَدْتَه أَخْبَثَ شَـــيْءٍ ريحا
وَالْخَيْرُ وَالشَّـــرُّ إِذا ما عُدّا
بَيْنَهـــــما بَوْنٌ بَعيدٌ جِدّا
عَجِبْتُ حَتّى غَمَّني السُّــكوت
صِــرْتُ كَأَنّي حائِرٌ مَبْهوت
كَذا قَضى اللّهُ فَكَيْفَ أَصْــنَع
اَلصَّمْتُ إِنْ ضاقَ الْكَلامُ أَوْسَع
وَهِيَ طَويلَةٌ جِدًّا ، وَإِنَّما ذَكَرْتُ هذا الْقَدْرَ مِنْها حَسَبَ ما اسْتاقَ الْكَلامُ مِنْ صِفَتِها " .
عن الأصفهاني في " الأغاني "
