فتِّشوا عن عبقرية العربية وعلِّموها طلابكم
د. محمد مصطفى الكنز
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم، وبعد
فإن الناظر إلى هذه اللغة الشريفة يدرك أن وراء كل كلمة من كلماتها، وكل تركيب من تراكيبها حكما وأسرارا عجيبة، بالغة الدقة والنظام والإحكام، حريٌّ بنا أبناء العربية أن نفتش عنها ، ونعلمها طلابنا .
ودائما أقول: قبل أن تعلموا طلابكم قواعد العربية، علموهم جمالها، سيروا بهم نحو وادي حِكمتها .
وقد شدَّد ابنُ الأثير – رحمه الله – النكير، على الذين لا يفتشون عن أسرار العربية ؛ حيث وصف من يقولون : “كذلك كانت عادةُ العرب في أساليب كلامها” ؛ بقوله: “وهذا القول هو عكاز العميان، ونحن إنما نسأل عن السبب الذي قصدت العربُ ذلك من أجله”.
وقد أشار النبي – صلى الله عليه وسلم – إلى حكمة هذه اللغة وسحرها، حين قال : “إن من الشعر لحكمًا، وإن من البيان لسحرًا “.
ويبين ابن جني – رحمه الله – سر إعجاب النبي صلى الله عليه وسلم بهذه اللغة الشريفة بأن “ألفاظ هؤلاء القوم جُعِلَتْ مصايد وأشراكًا للقلوب، وسببًا وسُلَّمًا إلى تحصيل المطلوب”.
ولا غرو إذن أن يقف القدماءُ والمحدَثُون من علماء العرب والعجم – على حد سواء – أمام العربية موقف المأخوذ المندهش المتعجب الأسير ؛ يقول ابن جني : ” إذا تأملتُ حال هذه اللغة الشريفة الكريمة اللطيفة، وجدتُ فيها من الحكمة والدقة والإرهاف والرقة ما يملك عليَّ جانب الفكر حتى يكاد يطمح به أمام غَلْوَة السِّحْر” .
ولعل هذه العبقرية هي التي جعلت البِـيروني – وهو فارسي الأصل – يقول : “لأن أُشْتَمَ بالعربية أحَبُّ إلي من أنْ أُمْدَحَ بالفارسية” .
وجعلت المستشرقة الألمانية زيجريد هونكه تقول : ” كيف يستطيع الإنسان أن يُقاوم جمالَ هذه اللغة، وسحرَها الفريد؟ فجيرانُ العرب أنفسهم في البلدان التي فتحوها سقطوا صرعى سحر تلك اللغة، حتى إن اللغة القبطية مثلاً ماتت تماماً، بل إن اللغة الآرامية لغة المسيح قد تخلّت إلى الأبد عن مركزها لتحتلّ مكانها لغة محمد” .
وتتعدد ملامح هذه العبقرية لتشمل: هيئات الحروف وخصائصها، مرورا بالألفاظ والتراكيب ودلالاتها ، ولعل أظهر ملمح لعبقرية العربية – هو قدرتها على تصوير خلجات النفس، والإعراب عن كوامن الأعماق، ودفائن الوجدان تصويرا دقيقا ؛ يقول د. عبد الوهاب عزام : “العربية لغة كاملة محببة عجيبة، تكاد تصور ألفاظها مشاهد الطبيعة، وتمثل كلماتُها خطراتِ النفوس، وتكاد تتجلى معانيها في أجراس الألفاظ، كأنما كلماتها خطوات الضمير، ونبضات القلوب، ونبرات الحياة ” .
وفي هذا يقول المستشرق الفرنسي ماسينيون: “أما الألفاظ العربية المعبّرة عن المعاني الجدلية والنفسانية والصوفية، فإنها لم تحتفظ بقيمتها فحسب، بل استطاعت أن تؤثر في الفكر الغربي وتنشّطه”.
لهذا كله وجب على أبناء العربية التفتيش عن عبقرية هذه اللغة، والبحث عن سمات جمالها ومظاهر سحرها وروعتها، وتقديمها غضةً بهية لطلابنا ، الذين لا يعرفون عن عربيتهم إلا صعوبة قواعدها، وقسوة نظرياتها، عسى أن تستعيد هذه اللغة أمجادها ورونقها وبهاءها .
د. محمد مصطفى الكنز
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم، وبعد
فإن الناظر إلى هذه اللغة الشريفة يدرك أن وراء كل كلمة من كلماتها، وكل تركيب من تراكيبها حكما وأسرارا عجيبة، بالغة الدقة والنظام والإحكام، حريٌّ بنا أبناء العربية أن نفتش عنها ، ونعلمها طلابنا .
ودائما أقول: قبل أن تعلموا طلابكم قواعد العربية، علموهم جمالها، سيروا بهم نحو وادي حِكمتها .
وقد شدَّد ابنُ الأثير – رحمه الله – النكير، على الذين لا يفتشون عن أسرار العربية ؛ حيث وصف من يقولون : “كذلك كانت عادةُ العرب في أساليب كلامها” ؛ بقوله: “وهذا القول هو عكاز العميان، ونحن إنما نسأل عن السبب الذي قصدت العربُ ذلك من أجله”.
وقد أشار النبي – صلى الله عليه وسلم – إلى حكمة هذه اللغة وسحرها، حين قال : “إن من الشعر لحكمًا، وإن من البيان لسحرًا “.
ويبين ابن جني – رحمه الله – سر إعجاب النبي صلى الله عليه وسلم بهذه اللغة الشريفة بأن “ألفاظ هؤلاء القوم جُعِلَتْ مصايد وأشراكًا للقلوب، وسببًا وسُلَّمًا إلى تحصيل المطلوب”.
ولا غرو إذن أن يقف القدماءُ والمحدَثُون من علماء العرب والعجم – على حد سواء – أمام العربية موقف المأخوذ المندهش المتعجب الأسير ؛ يقول ابن جني : ” إذا تأملتُ حال هذه اللغة الشريفة الكريمة اللطيفة، وجدتُ فيها من الحكمة والدقة والإرهاف والرقة ما يملك عليَّ جانب الفكر حتى يكاد يطمح به أمام غَلْوَة السِّحْر” .
ولعل هذه العبقرية هي التي جعلت البِـيروني – وهو فارسي الأصل – يقول : “لأن أُشْتَمَ بالعربية أحَبُّ إلي من أنْ أُمْدَحَ بالفارسية” .
وجعلت المستشرقة الألمانية زيجريد هونكه تقول : ” كيف يستطيع الإنسان أن يُقاوم جمالَ هذه اللغة، وسحرَها الفريد؟ فجيرانُ العرب أنفسهم في البلدان التي فتحوها سقطوا صرعى سحر تلك اللغة، حتى إن اللغة القبطية مثلاً ماتت تماماً، بل إن اللغة الآرامية لغة المسيح قد تخلّت إلى الأبد عن مركزها لتحتلّ مكانها لغة محمد” .
وتتعدد ملامح هذه العبقرية لتشمل: هيئات الحروف وخصائصها، مرورا بالألفاظ والتراكيب ودلالاتها ، ولعل أظهر ملمح لعبقرية العربية – هو قدرتها على تصوير خلجات النفس، والإعراب عن كوامن الأعماق، ودفائن الوجدان تصويرا دقيقا ؛ يقول د. عبد الوهاب عزام : “العربية لغة كاملة محببة عجيبة، تكاد تصور ألفاظها مشاهد الطبيعة، وتمثل كلماتُها خطراتِ النفوس، وتكاد تتجلى معانيها في أجراس الألفاظ، كأنما كلماتها خطوات الضمير، ونبضات القلوب، ونبرات الحياة ” .
وفي هذا يقول المستشرق الفرنسي ماسينيون: “أما الألفاظ العربية المعبّرة عن المعاني الجدلية والنفسانية والصوفية، فإنها لم تحتفظ بقيمتها فحسب، بل استطاعت أن تؤثر في الفكر الغربي وتنشّطه”.
لهذا كله وجب على أبناء العربية التفتيش عن عبقرية هذه اللغة، والبحث عن سمات جمالها ومظاهر سحرها وروعتها، وتقديمها غضةً بهية لطلابنا ، الذين لا يعرفون عن عربيتهم إلا صعوبة قواعدها، وقسوة نظرياتها، عسى أن تستعيد هذه اللغة أمجادها ورونقها وبهاءها .
