قياسية المصادر

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • مصطفى شعبان
    عضو نشيط
    • Feb 2016
    • 12782

    #1

    قياسية المصادر

    قياسية المصادر
    د. محمد بن زين العابدين حسن سلامة


    من أقسام الكلمة العربية الاسم، وهو قسمان: جامد ومشتق.
    فالجامد: ما لم يؤخذ من غيره، فهو قد وضع على صورته الحالية ابتداء، فليس له أصل يرجع إليه، وهو إما ذات وإما معنى.
    فالذات: ما تقوم بنفسها، أي تدل على مجسم محسوس، وذلك كأسماء الأجناس مثل: رجل- جمل - شجر- بيت- والدال على الذات هو اسم العين.
    والمعنى: ما يقوم بغيره، لأنه يدل على شيء معنوي محض لا وجود له في غير الذهن ويدركه العقل، وذلك مثل: النصر- الضرب - الفتح - الفرح - والدال على المعنى هو المصدر، ومنه يكون الاشتقاق، وقد يجيء من أسماء الأجناس المحسوسة.
    والمشتق: ما أخذ من غيره ودل على ذات وحدث، فهو يدل على شيئين، وله أصل ينتسب إليه يقاربه في المعنى ويشاركه في الحروف الأصلية، كالضارب والمضروب ... الخ
    فالمصدر قسم من قسمي الجامد، إذ هو اسم المعنى الذي هو أحد قسمي الجامد، إذن فالمصدر جامد.
    وضابطه: هو اسم دال على الحدث - إلى المعنى المجرد- جار على فعله، فلا دلالة على ذات أو زمان أو مكان أو تذكير أو تأنيث أو مثنى أو جمع أو علمية، فلا شيء أكثر من هذا المعنى المجرد، وهذا هو الغالب الأعم، لأنه قد يدل على المرة مثل جال جولة، قال تعالى: {فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ} [1] أو الهيئة مثل: جلسة المعتدل مريحة، قال صلى الله عليه وسلم: "إذا قتلتم فأحسنوا القتلَةَ وإذا ذبحتم فأحسنوا الذّبحةَ" [2] .
    والمراد بالحدث: الذي لا يستقل، بل يكون معنى قائما بغيره. ومعنى جريانه على الفعل: اشتماله على حروف فعله لفظا مثل: إكرام، أو تقدير بدون تعويض مثل: قتال- فإن ألف فعل هذا المصدر وهو (قاتل) وإن نقصت منه إلا أنها موجودة تقديرا، بدليل ظهورها أحيانا مقلوبة ياء لوقوعها بعد الكسرة فيقال: قيتال في نطق لبعض قبائل العرب- وهذا لغة أهل اليمن- أو تقديرا مع التعويض مثل: زنة، فالتاء عوض عن فاء الفعل وهو وزن، ومثل: تقديس، فالتاء عوض عن الدال المكررة في الفعل وهو قدّس.
    والمصادر لها أبنية معروفة في علم الصرف، وهذه الأبنية هل لها قياس مطرد لا تخرج عنه ولا تحيد، أو هي سماعية المعول فيها على السماع وممنوع الخروج عليه؟.
    اتفق على أن مصادر الفعل غير الثلاثي- الرباعي والخماسي والسداسي- تسير على نظام معين مستقر، لا يتغير ولا يتبدل، فلها قاعدة ثابتة قياسية لا تحيد عنها، فمثلا إذا قيل: كل فعل رباعي على (أفْعل) مصدره (الإفعال) فإنا نرى جميعها مثل: أكرم- أوعد- أفاد- أعطى- لا يخرج مصدرها عن الإفعال، مع قلب أو حذف وتعويض أو إبدال في بعضها، وكذا إذا قيل: (تفعّل) مصدره (تفعُّل) .
    أما مصادر الفعل الثلاثي فقد اختلف العلماء في قياستها، وفي معنى هذا القياس على ثلاثة مذاهب.
    1- يرى بعض العلماء أن مصادر الثلاثي لم تجْر على أوزان معينة، بل وردت على أوزان شتى متباينة لا ضابط لها ولا قياس يجمعها، فهي إذن سماعية نتيجة لهذا، ويجب أن نقف عند المسموع فلو وجد فعل وأردنا معرفة مصدره نقف عند نطق العرب فيه، ولو ورد فعل ولم يعلم كيف نطق العرب بمصدره فلا مصدر له، ولا يجوز النطق بمصدر له على قياس أمثاله.
    ولا يخفى ما يستلزمه هذا من التعويق والتعنت، والوقوف أما بلوغ اللغة درجة الكمال، والوفاء بحاجات الإنسان المتجددة، وتعطيل الكثير من الكلمات التي يجوز لنا أن نحصل عليها بالقياس على أمثالها، وذلك لكثرة أفعال هذا النوع كثرة يتبعها الكثير من المصادر.
    2- ويرى سيبويه وتبعه الأخفش أن مصدر الثلاثي قياسي، فله ضوابط يخضع لها، ولكن هذه الضوابط لا يصح استخدامها قياسيا مطردا قبل الرجوع إلى السماع في مظانة، ويجب الاقتصار على المسموع وحده بعد البحث عنه والعثور عليه ويوقف عنده، فإن لم يوجد سمات تستخدم الضوابط والأقيسة للحصول على المصدر، بمعنى أنه إذا وَرَد فعل وسمع له مصدر أخِذ به، لأننا مقيدون بالمصدر الذي نطقت به العرب وعرفناه عنهم، ولا داعي معه لإيجاد مصدر جديد لم تنطق به نصا، أما إذا لم يعلم لهذا الفعل مصدر، فإننا نأتي بمصدره على الوزن الغالب المقرر في أمثاله، لأن كثرة استعمال بناء أي مصدر لأي فعل مصححة للقياس عليه، قال سيبويه: "ولكن الأكثر يقاس عليه" [3] .
    وقال بذلك ابن مالك، وردده الشيخ خالد [4] والأشموني [5] في كتبهم، وهذا الرأي هو الذي جرى عليه علماء الصرف واعتمدوه في كتبهم.
    وتطبيقا لهذا الرأي فالفعل مثلا (علم) لا يأتي مصدره على (فعْل) - بفتح الفاء وسكون العين- فيقال: (علْم) كما هو مقتضى قياس أمثاله- وهي الفعل الثلاثي المتعدي- لأنه قد سمع فيه (علْم) ، فيؤخذ بهذا المصدر في هذا الفعل، بدون قياس على الوزن الغالب وهو (فعْل) .
    3- ويرى الفراء أن مصادر الأفعال الثلاثية قياسية، ومعنى القياس عنده: أنه يجوز القياس على الكثير الشائع، سواء ورد السماع به أو بخلافه، أي يسوغ لنا في كل فعل ثلاثي أن نأتي بمصدره على الوزن الغالب في أمثاله، وإن سمع له مصدره على خلاف هذا الوزن، لأن ما قيس على كلام العرب فهو من كلامهم، ويجوز استعمال أي المصدرين شئت، القياسي أو السماعي إن عرفته.
    فمثلا (علم) فعل ثلاثي متعد، وقياس مصدر مثله أن يكون على (فعْل) فلك أن تقول في مصدره (علْم) - بفتح العين وسكون اللام- وإن كان قد سمع له آخر هو (علم) - بكسر العين وسكون اللام- ولا يهمل المسموع بل أنت بالخيار في استعمال أحدهما.
    وهنا وقفة مؤيدة لما ذهب إليه الفراء لما يأتي:
    1- الفراء إمام كبير له مكانته اللغوية والنحوية، يقول ثعلب - إمام الكوفة في عصره -: "لولا الفراء ما كانت عربية، لأنه خلّصها وضبطها" [6] . وقيل فيه: "الفراء أمير المؤمنين في النحو" [7] وقيل أيضا: "لو لم يكن لأهل بغداد من علماء العربية إلا الكسائي والفراء لكان بهما الافتخار على جميع الناس" [8] وكذلك افتخر به أهل الكوفة [9] ، وكذلك قيل فيه: "كان ثقة إماما" [10] وقال فيه الفقيه محمد بن الحسن - صاحب أبي حنيفة - بعد مناقشة علمية: "ما ظننت آدميا يلد مثلك" [11] ، وأخيرا قال فيه أستاذه الكسائي - رأس المدرسة ومؤسسها: "الفراء أحسن عقلا، وأنفذ فكرا، وأعلم بما يخرج من رأسه" [12] ، وغير ذلك كثير [13] .
    وأمام هذه العقلية التي أخذ صاحبها هذه النعوت، والتي ورثت علم الكسائي وأصبح إمام الكوفيين بعده لا ضير ولا تثريب إذا أخذ بمذهبه في قياسية مصدر الثلاثي، وبخاصة إذا كان في هذا الرأي إفادة اللغة.
    2- ما قال به الفراء مستنبط من أكثر الكلام العربي فصاحة وصحة وشيوعا، فالعمل بما استنبطه إنما هو تطبيق صحيح على ذلك الكثير المسموع، ومجاراة سليمة للشائع الوارد عن العرب، ومحاكاة سائغة لصحيح نطقهم.
    وهذا هو معنى القاعدة، فهو حكم عام مستنبط من الكثير الوارد عن العرب، منتزع من الغالب الذي استعملوه، وعلى ذلك كيف نمتنع عن القياس على ذلك الكثير حين يوجد ما يخالفه في نطق القليل، وأن نقتصر على ذلك المخالف وحده دون استخدام القياس الذي يجري على نهج المخالف له؟ أليس من الأولى أن نعتبره شاذا خارجا عن الكثرة كما نصف الفاعل؟
    3- قصر القياس على الأفعال التي لم يرد لها مصادر مسموعة، يقتضينا أن نرجع لكل المظان المختلفة ونطيل البحث، وذلك حتى نطمئن إلى عدم وجود مصدر سماعي للفعل كي نستبيح استعمال المصدر القياسي، وفي هذا من الجهد المضني والوقت الطويل ما لا يقدر عليه خاصة الناس، فكيف الحال مع الذي يطلب تعلم اللغة؟ ولو أخذنا به قبل استعمال كل مصدر لحملنا أنفسنا مالا نطيق، ودفعناها دفعا عن الانصراف إلى لغتنا، حتى مع وجود المعاجم فيه جهد ووقت وبخاصة مع المتعلم، وليس كل مبتدئ أو شاذ في اللغة يملك معاجم أو أحدها، يضاف إلى ذلك أن هذا العمل جهد ضائع وعمل مكرر، فلقد استنفد ثقات الأئمة والعلماء جهدهم في استنباط قواعدهم، وانتزاع أحكامهم من غالب كلام العرب الفصيح في دقة وأمانة، فلا مكان لإيجاب الرجوع إلى المسموع قبل استعمال الضوابط والقواعد، لأن في الرجوع إضاعة للجهد والوقت، وتعجيز لغير المتفرغين المشتغلين باللغويات، وإهمال لرأي الثقات من العلماء المتخصصين المتفرغين، إهمالا يستحيل معه أن تستقيم أمور، أو يستقر لها وضع صالح واضح.
    فدفعا لهذا يؤخذ بما استنبطه ثقات العلماء ويستند إليه من غير بحث في كلام عربي، أو في مرجع لغوي أو غيره، ولو كان البحث لا يكلفنا جهدا ولا وقتا ...
    وهذا ما درجنا عليه في التعليم والتعلّم، يذكر الفعل وتطبق عليه القاعدة للحصول على مصدره بدون رجوع إلى مظان السماع، تطبيقا لرأي الفراء، ولم يكن لرأي سيبويه من نصيب سوى السطور التي تكتب تبيانا لرأيه.
    4- لم يقتصر الأمر على الفرَاء بل جاء بعده غيره ممن له مكانته وقال بمثل ذلك.
    كابن جني فهو القائل: "ما قيس على كلام العرب فهو من كلام العرب" [14] والقائل: "ليس كل ما يجوز في القياس يخرج به سماع. فإذا أخذ إنسان على مثالهم وأمّ مذهبهم لم يجب عليه أن يورد في ذلك سماعا، ولا أن يرويه رواية" [15] .
    وقال بقياسية مصدر الثلاثي أيضا الزمخشري. ومكانته معروفة [16] .
    ونقل عن أبي حيان أنه قال: "إنما نبني المقايس العربية على وجود الكثرة" [17] .
    وعلى ذلك تصاغ مصادر الفعل الثلاثي على النهج الغالب في كلام العرب، وقد يكون هذا المصدر الذي تنطق العرب بلفظه نصا غريبا على الأسماع، ولكن هذه الغرابة وتلك الوحشة تزولان بالاستعمال.
    ولا يتحتم استعمال هذا القليل. بل يعتبر من النادر في كلامهم الذي لا يقاس عليه. ويسمى: مصادر سماعية- مصادر شاذة- مصادر قليلة الاستعمال- أو غير ذلك من الأسماء الدالة على قلتها وندرتها.
    ولذلك نظير في مصادر الأفعال الرباعية التي قال الصرفيون بقياسيتها، فقد قالوا: فاعل مصدره-. (المفاعلة) و (الفعال) والثاني قليل بالنسبة للأول، ويتعين تركه فيما فاؤه ياء مثل (ياسر- يامن) - أخذ بيساره أو بيمينه- وتجب فيه (المفاعلة) فنقول: ميامنة ومياسرة ويمتنع أن نقول على الوزن: يمان ويسار بكسر الياء فيهما، لثقل الكسرة على الياء في أول الكلمة وشذ ياومة يواما ـ المعاملة بالأيام ـ حكاه ابن سيده وحكى مياومة على القياس [18] فنقول في مصدر الثلاثي أيضا: علم مصدر (علم) وشذ (علم) على أنه يجوز استعمال هذا المصدر المسموع مع المصدر القياسي، فمن شاء استعمال المسموع أو القياس فله ما شاء، فإن استعمال أحدهما مباح، فورود السماع لا يلغي القياس، ولا يمنع استخدام القاعدة المخالفة له.
    ولعل ما سبق كان في ذهن أعضاء مجمع اللغة العربية بالقاهرة، فلقد أصدر قرارات قياسية مصادر الثلاثي فقال: للأفعال الثلاثية مصادر تأتي على أوزان شتى، منها الكثير المشهور، ومنها القليل المهجور، فجعل بعض النحويين كثير الورود قياسيا، وجعل بعضهم جميع المصادر الثلاثية سماعية، فاختار المجمع المذهب الأول، وهو مذهب سيبويه والأخفش وابن مالك وكثير ممن تابعهم، ومنهم الفراء - وهو يجيز القياس على جميع المصادر الثلاثية القياسية ولو سمع غيرها من وزن آخر [19] .
    ويقول في موطن آخر، في تكملة مادة لغوية لم تذكر بقيتها، كإذا لم تذكر من مادة لغوية في المعجمات ونحوها إلا ألفاظها، كالمصدر أو الفعل أو أحد المشتقات الأخرى.
    وكل ما تقدم جائز ما لم ينص على أن الفعل مُمات أو محظور، وما لم يسمع عن العرب ما يخالفه، فإن سمع عملنا بالمسموع فقط، أو عملنا بالمسموع والقياس [20] .
    ويقول الأستاذ عبد الحميد حسن في كتابه (الألفاظ اللغوية خصائصها وأنواعها) : "فماذا يمنعنا من زيادة أوزان وصيغ نرتضيها في عصرنا وفي عصور قادمة، مادامت جارية على سمت ما نطق به العرب، ومقيسة على كلامهم" [21] .
    ويقول:"وإن مجمع اللغة العربية بالقاهرة، قد قطع شوطا محمودا وبذل همة مشكورة في البحث والدرس، للوصول إلى التوسع في صيغ الأفعال المزيدة، وصيغ بعض الأسماء والمشتقات، ووصل في هذا المجال إلى قرارات لها عظيم الأثر في تنمية اللغة وتوسيع آفاقها، وقد سار في ذلك على السنن اللغوي القويم، المستمد من الأشباه والنظائر، ومن الأصول اللغوية التي تساير نمو اللغة واكتمالها" [22] .
    ومن هذه القرارت قرار قياسية المصادر الثلاثية على مذهب على الفراء السابق ذكره.

    -------------------------
    مراجع البحث
    1- الكتاب لسيبويه.
    2 - الخصائص لابن جني.
    3 - التصريح للشيخ خالد الأزهري.
    4 - همع الهوامع للسيوطي.
    5- شرح ألفية ابن مالك للأشموني.
    6-إنباه الرواه للقفطي.
    7- تصريف الأسماء للشيخ محمد طنطاوي.
    8 - النحو الوافي للأستاذ عباس حسن.
    9 - الألفاظ اللغوي خصائصها وأنواعها للأستاذ عبد الحميد حسن.
    10 - تصريف الأسماء للدكتور محمد زين العابدين حسن سلامة.

    ---------------------------
    [1] سورة الحاقة 13.
    [2] الترمذي - الديات 14.
    [3] الكتاب 2/215.
    [4] انظر التصريح 2/73.
    [5] انظر حاشية الصبان 2/304.
    [6] إنباه الرواة 4/ ا-17
    [7] إنباه الرواة 4/ ا-17
    [8] إنباه الرواة 4/ ا-17
    [9] إنباه الرواة 4/ ا-17
    [10] إنباه الرواة 4/ ا-17
    [ٍ11] إنباه الرواة 4/ ا-17
    [12] إنباه الرواة 4/ ا-17
    [13] إنباه الرواة 4/ ا-17
    [14] الخصائص 1/362-367.
    [15] لخصائص 1/362-367.
    [16] النحو الوافي 3/190.
    [17] الهمع 1/217.
    [18] انظر التريح 2/76.
    [19] الألفاظ اللغوية خصائصها وأنواعها للأستاذ عبد الحميد حسن ص26 وما بعدها.
    [20] المرجع السابق 24- 25.
    [21] المرجع السابق 23.
    [22] المصدر السابق 23.
يعمل...