أغراض تقييد الفعل
أ.د محمد محمد أبو موسى
أما أغراض تقييد الفعل بمفعول، ونحوه من المتعلقات، فقد قال الخطيب: إنه يكون لتربية الفائدة أي تكثيرها، ومعنى ذلك أنك إذا قلت: ضربت فقد أفدت فائدة، فإذا قلت: ضربت زيدا كانت الفائدة أكثر، فإذا قلت: ضربت زيدا يوم الجمعة زادت عن سابقتها، وهكذا كلما زاد الحكم قيدا زاد فائدة، ألا ترى أنك في المثال الأول أفدت وقوع الضرب منك فقط، وفي الثاني أفدت وقوع الضرب منك على زيد، وفي الثالث أفدت وقوع الضرب منك على زيد يوم الجمعة، وهكذا كل مثال كان أكثر فائدة مما قبله باعتبار ما قد أضيف إليه.
وتربية الفائدة تعني أيضا تقرير المعنى وتأكيده، انظر إلى قوله تعالى: {ذلكم قولكم بأفواهكم}، فقد ذكر بأفواهكم قيدا للفعل، ولو حذف لفهم معناه؛ لأن القول لا يكون إلا بالفم، ولكن لما كان هذا القول فيه افتراء على الله تعالى شدد على قائله لتقير الوعيد في النفس، وبثه في أنحائها حتى تنجز عن هذا القول الزور.
ومثله قوله تعالى في قضية الإفك: {إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ} 2، ففي هذا القيد إشعار بتعظيم الأمر المقول، وأنه مقول بالأفواه من غير أن يتصل بالقلوب التي تعلم كذبه واختلاقه، ونلحظ أن مثل هذا الأسلوب يأتي في القرآن الكريم في مواقف التشديد، والإنكار لتربية المعاني وتقريرها في النفوس، انظر إلى قوله تعالى: {مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ}، والمراد: إنكار أن يقول الرجل لزوجته: أنت علي كظهر أمي، وللتشديد والمبالغة في هذا الإنكار صور الجمع بين الزوجية، والأمومة في صورة جمع القلبين لرجل واحد، وذكر القيد وهو قوله: {فِي جَوْفِهِ} ، والقلب لا يكون إلا في الجوف ليقوي التصوير على التأثير بوضع جوف يشتمل على قلبين، وتصوير هذه الصورة الغريبة الشاذة أمام الحس والشعور، فيكون ذلك أدعى إلى أن تنكر النفس جعل الزوجة أما، وفي هذه الآية كثير من الإشارات استوفينا مزيدا منها في دراستنا لسورة الأحزاب.
ومثله قوله تعالى: {قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ}، وخرور السقف لا يكون إلا من فوق، وقد قال ابن الأثير في قيمة هذا القيد: "ولذكر لفظة فوقهم فائدة لا توجد مع إسقاطها، من هذا الكلام، وأنت تحس هذا من نفسك، فأنت إذا تلوت هذه الآية تخيل إليك سقف خر على أولئك من فوقهم، وحصل في نفسك من الرعب ما لا يحصل مع إسقاطه تلك اللفظة".
تذكر ما قلناه عن ابن الأثير، وكيف يرى الصور وكأنها تنخلع من الكلمات، وتصير أحداثا تتحرك على وفق ورودها في سياق البناء اللغوي.
ومنه قوله تعالى في قصة موسى عليه السلام مع صاحبه:
{فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا، قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا، قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا، فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا، قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا}.
قال في آية السفينة: {أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا} ، ثم قال في آية قتل الغلام: {أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا} ، فزاد قيدا للمسند في الثانية لتربية الفائدة أعني لتأكيد اللوم في الثانية؛ لأن المخالفة الثانية أحوج إلى مزيد من اللوم بتقريره وتأكيده.
ومما يأتي على هذه الطريقة قولهم: رأيته بعيني، ووطئته بقدمي، وقبضته بيدي، وذقته بفمي، وقد يظن من لا معرفة له بأسرار الكلام، وخصائص التراكيب أن هذه القيود فضلات ثقيلة في الكلام، إذ الرؤية لا تكون إلا بالعين، والوطء لا يكون إلا بالقدم، والقبض لا يكون إلا باليد، والذوق لا يكون إلا بالفم، ولكن المعنى هنا بالقيد أكبر منه بدونه، فليس المعنى على أنه رآه، ووطئه وذاقه فحسب، وإنما يضاف إلى ذلك قدر كبير من التصوير والتقرير، لذلك لا يقولون هذا إلا في شيء يعظم مثاله، ويعز الوصول إليه، فيؤكد القول فيه دلالة على نيله والحصول عليه، وقريب من هذا ما يقال في الحروف التي يقولون: إنها زائدة ويريدون أن أصل المعنى يبقى مع إسقاطها، كما يبقى أصل المعنى في قولك: رأيته من غير أن تضيف بعيني.
ومما يتصل بأحوال متعلقات الفعل، أو بالقول في تقييد المسند القول في معاني الحروف الجارة التي تتعلق بهذه الأفعال، وهو باب خصب في المعاني الأدبية، ودرس جليل في فهم اللغة وسرائرها، وقد نبه إليه الدارسون لأسلوب القرآن، وانتفع به البلاغيون وأخذوه عنهم، وكان الزمخشري من أكثر المفسرين التفاتا إلى هذه الحروف.
يقول في قوله تعالى: {أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ}مشيرا إلى خلابة لام الجر، وكيف نهضت ببعث مشهد ساخر: "فإن قلت: فما معنى اللام في قوله: {أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا} ؟ وما هو الفرق بينه وبين قولك: أكان عند الناس عجبا؟ قلت: معناه أنهم جعلوه لهم أعجوبة يتعجبون منها، ونصبوه علما لهم يوجهون نحوه استهزاءهم، وإنكارهم وليس في عند الناس هذا المعنى".
وانظر إلى الفرق بين علي واللام حيث يقع الفعل مرة معدى بعلي، وأخرى باللام، وذلك كقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى}.
وقوله: {وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ} 1، وقال معديا الفعل بعلي، {وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ}، فجاء بعلي عند سبق الضار؛ لأنهم يلحظون فيها معنى القهر، والاستعلاء يقولون: اللهم عليه لا له، كما جاء باللام عند سبق النافع، ومثله: {لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ}.
وقول عمر: "ليتها كانت كفافًا لا علي ولا ليا".
وانظر إلى الفرق بين "علي"، و"في" في قوله تعالى: {وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ}، قال الزمخشري: فإن قلت: كيف خولف بين حرفي الجر الداخلين على الحق والضلال؟ قلت: لأن صاحب الحق كأنه مستعل على فرس، أو جواد يركضه حيث شاء، والضال كأنه منغمس في ظلام مرتبك فيه لا يرى أين يتوجه.
وللزمخشري مقدرة عجيبة في لمح ما رواء الحروف من تصوير وتجسيد.
وانظر كيف أشار القرآن بالمحافظة بين "اللام"، و"في" في آية الصدقة إلى الأهلية، وأولوية الاستحقاق في قوله تعالى: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ}.
قالوا: فهذه أصناف ثمانية جعل الله الصدقات مصروفة فيهم لكونهم أهلا لها، ومستحقين لصرفها، لكن الله تعالى خص المصارف الأربعة الأولى باللام دون علي، دلالة على الملك والأهلية للاستحقاق، وعدل عن اللام إلى حرف الوعاء في الأصناف الأربعة الأخر، وما ذلك إلا للإيذان بأن أقدامهم أرسخ في الاستحقاق للصدقة، وأعظم حاجة في الافتقار من حيث كانت "في" دالة على الوعاء فنبه على أنهم أحقاء بأن توضع فيهم الصدقات، كما يوضع الشيء في الوعاء، وأن يجعلوا مظنة لها، وذلك لما في فك الرقاب. وفي الغرم من الخلاص من الرق، والدين اللذين يشتملان على النفس، وشغل القلب بالعبودية والغرم، ثم تكرر الحرف في قوله: {وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ} قرينة مرجحة له على الرقاب والغارمين، وكان سياق الكلام يقتضي أن يقال: وفي الرقاب والغارمين، وسبيل الله وابن السبيل، فلما جيء بفي مرة ثانية مع سبيل الله علم أن السبيل آكد في الاستحقاق بالصرف فيه من أجل عمومه، وشموله لجميع القربات".
وهذا ومثله إنما يكشف لنا جوانب من دقة اللغة، واستخدام القرآن الكريم لكلماتها، وحروفها استخداما بلغ الغاية في دقة التعبير، كما أنه كشف عن طاقة عجيبة تكمن في كلمات اللغة وتراكيبها.
ونحن وإن كنا نقع على أمثال هذه الفروق في الشعر، والكلام المختار إلا أنها لا تطرد، ولا تسخو كما تطرد وتسخو في القرآن.
- تقييد الفعل بالشرط:
عنى البلاغيون بتقييد المسند بأن -وإذا- لأن للتقييد بهما لطائف، واعتبارات بلاغية، أو لكثرة مباحثهما الشريفة المهملة في علم النحو كما يقول العلامة سعد الدين.
قالوا: إن "إن" للشرط في الاستقبال أي تقييد حصول الجزاء بحصول الشرط في الاستقبال مثل قولك: إن جئتني أكرمتك، ومثلها "إذا".
والفرق بينهما هو أن "إن" تستعمل في الشرط غير المقطوع بوقوعه، تقول: إن جئتني أكرمتك، إذا كنت غير قاطع بمجيئه، و"إذا" تستعمل في الشرط المقطوع بوقوعه تقول: إذا جئتني أكرمتك، إذا كنت قاطعا بمجيئه، أو مرجحا ذلك.
وهذا الفرق الكائن في أصل الدلالة كما ترى، هو الذي تتفرع عنه الدلالات البلاغية لهاتين الأداتين، ويظهر ذلك في تحليل الشواهد.
خذ قوله -تعالى-: {فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ}، فإنه لما كان مجيء الحسنة أمرا مقطوعا به جيء بلفظ إذا، عرفت الحسنة تعريف الجنس ليشتمل كل ما هو من جنس الحسنات، وشأن هذا أن يقع كثيرا، وذكر لفظ "إن" مع إصابة السيئة؛ لأن إصابة السيئة نادرة بالنسبة لإصابة الحسنة، وقد نكرت السيئة لإفادة التقليل، فأشارت إلى هذه الندرة.
ومثله قوله -تعالى-: {وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ} ، جيء بإذا في جانب الرحمة للإشارة إلى أن إذاقة الناس قدرا قليلا من الرحمة أمر مقطوع به، ولإفادة هذا المعنى نكرت الرحمة لتفيد التقليل، فيكون التقليل أقرب إلى القطع بالوقوع، وقال: {وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ} ، فأفاد أن إصابة السيئة لهم أمر غير مقطوع به، وأن الله لا يؤاخذهم دائما بما قدمت أيديهم، ولكنه يعفو عن كثير.
أما قوله تعالى: {وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ}، جيء فيه بلفظ: "إذا" مع الضر، وهذا بخلاف الطريقة في الآيتين السابقتين وذلك؛ لأنه ذكر هنا لفظ المس والمس أقل من الإصابة، ونكر الضر ليفيد قدرا يسيرا من الضر، وذكر لفظ الناس المستحقين أن يلحقهم كل ضر، والحديث عن الناس الذين إذا مسهم الضر دعو ربهم منيبين إليه، وإذا أذاقهم منه رحمة إذا فريق منهم بربهم يشركون، فكان في هذا إشارة إلى أن مس قدر يسير من الضر لأمثال هؤلاء، حقه أن يكون في حكم المقطوع به.
ومثله: {وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ} ، جاء بلفظ "إذا" مع مس الشر؛ لأن المراد مسا لإنسان الذي إذا أنعم الله عليه أعرض، ونأى باجنبه أي أعرض عن شكر الله وذهب بنفسه، ومثله بحق أن يكون تكبر، ومثله بحق أن يكون ابتلاؤه بالشر مقطوعًا به.
وقال عبد الرحمن بن حسان يخاطب بعض الولاة، وقد سأله حاجة، فلم يقضها:
ذممت ولم تحمد وأدركت حاجتي ... تولى سواكم أجرها واصطناعها
أبى لك كسب الحمد رأي مقصر ... ونفس أضاق الله بالخير باعها
إذا هي حثته على الخير مرة ... عصاها وإن همت بشر أطاعها
واضح أن الشاعر يذم الرجل ويهجوه هجاء صريحًا، ويذكر رأيه المقصر ونفسه الضائقة بالخير، وقوله: إذا هي حثته على الخير مرة، يفيد: أن حث نفسه على الخير أم مقطوع به، وقوله: وإن همت بشر يفيد: أن همها بالشر أمر نادر، والنفس التي تحدث على الخير قطعا، وتهم بالشر نادرًا نفس ممدوحة محمودة، فكيف يتفق هذا مع سياق الذم، وتصريحه بأن نفسه أضاق الله بالخير باعها، ولو قال: إن هي حثته على الخير مرة عصاها، وإذا همت بشر أطاعها لاستقام المعنى، ولذلك قال الزمخشري رحمه الله: وللجهل بموقع إن وإذا يزيغ كثير من الخاصة عن الصواب فيغلطون، ألا ترى إلى عبد الرحمن بن حسان كيف أخطأ بهما الموقع.. ثم ذكر القطعة والأبيات، وقال: لو عكس لأصاب.
وقد سمعت من بعض شيوخنا أن ابن حسان أعلم بطبائع اللغة من البلاغيين، وأن الزمخشري مع سعة ذرعه لم يتنبه إلى قوله مرة: ومهما كانت النفس قد أضاق الله بالخير باعها، فإن حثها على الخير مرة أمر متوقع؛ لأن الله ألهمها فجورها وتقواها، وهو كلام واقع.
وترى في الشعر المطبوع الذي يقوم على الخبرة العميقة لطائبع الكلمات، ودقيق دلالاتها ترى فيه هاتين الأداتين، ووراءهما إشارات لطيفة.
أ.د محمد محمد أبو موسى
أما أغراض تقييد الفعل بمفعول، ونحوه من المتعلقات، فقد قال الخطيب: إنه يكون لتربية الفائدة أي تكثيرها، ومعنى ذلك أنك إذا قلت: ضربت فقد أفدت فائدة، فإذا قلت: ضربت زيدا كانت الفائدة أكثر، فإذا قلت: ضربت زيدا يوم الجمعة زادت عن سابقتها، وهكذا كلما زاد الحكم قيدا زاد فائدة، ألا ترى أنك في المثال الأول أفدت وقوع الضرب منك فقط، وفي الثاني أفدت وقوع الضرب منك على زيد، وفي الثالث أفدت وقوع الضرب منك على زيد يوم الجمعة، وهكذا كل مثال كان أكثر فائدة مما قبله باعتبار ما قد أضيف إليه.
وتربية الفائدة تعني أيضا تقرير المعنى وتأكيده، انظر إلى قوله تعالى: {ذلكم قولكم بأفواهكم}، فقد ذكر بأفواهكم قيدا للفعل، ولو حذف لفهم معناه؛ لأن القول لا يكون إلا بالفم، ولكن لما كان هذا القول فيه افتراء على الله تعالى شدد على قائله لتقير الوعيد في النفس، وبثه في أنحائها حتى تنجز عن هذا القول الزور.
ومثله قوله تعالى في قضية الإفك: {إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ} 2، ففي هذا القيد إشعار بتعظيم الأمر المقول، وأنه مقول بالأفواه من غير أن يتصل بالقلوب التي تعلم كذبه واختلاقه، ونلحظ أن مثل هذا الأسلوب يأتي في القرآن الكريم في مواقف التشديد، والإنكار لتربية المعاني وتقريرها في النفوس، انظر إلى قوله تعالى: {مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ}، والمراد: إنكار أن يقول الرجل لزوجته: أنت علي كظهر أمي، وللتشديد والمبالغة في هذا الإنكار صور الجمع بين الزوجية، والأمومة في صورة جمع القلبين لرجل واحد، وذكر القيد وهو قوله: {فِي جَوْفِهِ} ، والقلب لا يكون إلا في الجوف ليقوي التصوير على التأثير بوضع جوف يشتمل على قلبين، وتصوير هذه الصورة الغريبة الشاذة أمام الحس والشعور، فيكون ذلك أدعى إلى أن تنكر النفس جعل الزوجة أما، وفي هذه الآية كثير من الإشارات استوفينا مزيدا منها في دراستنا لسورة الأحزاب.
ومثله قوله تعالى: {قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ}، وخرور السقف لا يكون إلا من فوق، وقد قال ابن الأثير في قيمة هذا القيد: "ولذكر لفظة فوقهم فائدة لا توجد مع إسقاطها، من هذا الكلام، وأنت تحس هذا من نفسك، فأنت إذا تلوت هذه الآية تخيل إليك سقف خر على أولئك من فوقهم، وحصل في نفسك من الرعب ما لا يحصل مع إسقاطه تلك اللفظة".
تذكر ما قلناه عن ابن الأثير، وكيف يرى الصور وكأنها تنخلع من الكلمات، وتصير أحداثا تتحرك على وفق ورودها في سياق البناء اللغوي.
ومنه قوله تعالى في قصة موسى عليه السلام مع صاحبه:
{فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا، قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا، قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا، فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا، قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا}.
قال في آية السفينة: {أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا} ، ثم قال في آية قتل الغلام: {أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا} ، فزاد قيدا للمسند في الثانية لتربية الفائدة أعني لتأكيد اللوم في الثانية؛ لأن المخالفة الثانية أحوج إلى مزيد من اللوم بتقريره وتأكيده.
ومما يأتي على هذه الطريقة قولهم: رأيته بعيني، ووطئته بقدمي، وقبضته بيدي، وذقته بفمي، وقد يظن من لا معرفة له بأسرار الكلام، وخصائص التراكيب أن هذه القيود فضلات ثقيلة في الكلام، إذ الرؤية لا تكون إلا بالعين، والوطء لا يكون إلا بالقدم، والقبض لا يكون إلا باليد، والذوق لا يكون إلا بالفم، ولكن المعنى هنا بالقيد أكبر منه بدونه، فليس المعنى على أنه رآه، ووطئه وذاقه فحسب، وإنما يضاف إلى ذلك قدر كبير من التصوير والتقرير، لذلك لا يقولون هذا إلا في شيء يعظم مثاله، ويعز الوصول إليه، فيؤكد القول فيه دلالة على نيله والحصول عليه، وقريب من هذا ما يقال في الحروف التي يقولون: إنها زائدة ويريدون أن أصل المعنى يبقى مع إسقاطها، كما يبقى أصل المعنى في قولك: رأيته من غير أن تضيف بعيني.
ومما يتصل بأحوال متعلقات الفعل، أو بالقول في تقييد المسند القول في معاني الحروف الجارة التي تتعلق بهذه الأفعال، وهو باب خصب في المعاني الأدبية، ودرس جليل في فهم اللغة وسرائرها، وقد نبه إليه الدارسون لأسلوب القرآن، وانتفع به البلاغيون وأخذوه عنهم، وكان الزمخشري من أكثر المفسرين التفاتا إلى هذه الحروف.
يقول في قوله تعالى: {أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ}مشيرا إلى خلابة لام الجر، وكيف نهضت ببعث مشهد ساخر: "فإن قلت: فما معنى اللام في قوله: {أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا} ؟ وما هو الفرق بينه وبين قولك: أكان عند الناس عجبا؟ قلت: معناه أنهم جعلوه لهم أعجوبة يتعجبون منها، ونصبوه علما لهم يوجهون نحوه استهزاءهم، وإنكارهم وليس في عند الناس هذا المعنى".
وانظر إلى الفرق بين علي واللام حيث يقع الفعل مرة معدى بعلي، وأخرى باللام، وذلك كقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى}.
وقوله: {وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ} 1، وقال معديا الفعل بعلي، {وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ}، فجاء بعلي عند سبق الضار؛ لأنهم يلحظون فيها معنى القهر، والاستعلاء يقولون: اللهم عليه لا له، كما جاء باللام عند سبق النافع، ومثله: {لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ}.
وقول عمر: "ليتها كانت كفافًا لا علي ولا ليا".
وانظر إلى الفرق بين "علي"، و"في" في قوله تعالى: {وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ}، قال الزمخشري: فإن قلت: كيف خولف بين حرفي الجر الداخلين على الحق والضلال؟ قلت: لأن صاحب الحق كأنه مستعل على فرس، أو جواد يركضه حيث شاء، والضال كأنه منغمس في ظلام مرتبك فيه لا يرى أين يتوجه.
وللزمخشري مقدرة عجيبة في لمح ما رواء الحروف من تصوير وتجسيد.
وانظر كيف أشار القرآن بالمحافظة بين "اللام"، و"في" في آية الصدقة إلى الأهلية، وأولوية الاستحقاق في قوله تعالى: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ}.
قالوا: فهذه أصناف ثمانية جعل الله الصدقات مصروفة فيهم لكونهم أهلا لها، ومستحقين لصرفها، لكن الله تعالى خص المصارف الأربعة الأولى باللام دون علي، دلالة على الملك والأهلية للاستحقاق، وعدل عن اللام إلى حرف الوعاء في الأصناف الأربعة الأخر، وما ذلك إلا للإيذان بأن أقدامهم أرسخ في الاستحقاق للصدقة، وأعظم حاجة في الافتقار من حيث كانت "في" دالة على الوعاء فنبه على أنهم أحقاء بأن توضع فيهم الصدقات، كما يوضع الشيء في الوعاء، وأن يجعلوا مظنة لها، وذلك لما في فك الرقاب. وفي الغرم من الخلاص من الرق، والدين اللذين يشتملان على النفس، وشغل القلب بالعبودية والغرم، ثم تكرر الحرف في قوله: {وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ} قرينة مرجحة له على الرقاب والغارمين، وكان سياق الكلام يقتضي أن يقال: وفي الرقاب والغارمين، وسبيل الله وابن السبيل، فلما جيء بفي مرة ثانية مع سبيل الله علم أن السبيل آكد في الاستحقاق بالصرف فيه من أجل عمومه، وشموله لجميع القربات".
وهذا ومثله إنما يكشف لنا جوانب من دقة اللغة، واستخدام القرآن الكريم لكلماتها، وحروفها استخداما بلغ الغاية في دقة التعبير، كما أنه كشف عن طاقة عجيبة تكمن في كلمات اللغة وتراكيبها.
ونحن وإن كنا نقع على أمثال هذه الفروق في الشعر، والكلام المختار إلا أنها لا تطرد، ولا تسخو كما تطرد وتسخو في القرآن.
- تقييد الفعل بالشرط:
عنى البلاغيون بتقييد المسند بأن -وإذا- لأن للتقييد بهما لطائف، واعتبارات بلاغية، أو لكثرة مباحثهما الشريفة المهملة في علم النحو كما يقول العلامة سعد الدين.
قالوا: إن "إن" للشرط في الاستقبال أي تقييد حصول الجزاء بحصول الشرط في الاستقبال مثل قولك: إن جئتني أكرمتك، ومثلها "إذا".
والفرق بينهما هو أن "إن" تستعمل في الشرط غير المقطوع بوقوعه، تقول: إن جئتني أكرمتك، إذا كنت غير قاطع بمجيئه، و"إذا" تستعمل في الشرط المقطوع بوقوعه تقول: إذا جئتني أكرمتك، إذا كنت قاطعا بمجيئه، أو مرجحا ذلك.
وهذا الفرق الكائن في أصل الدلالة كما ترى، هو الذي تتفرع عنه الدلالات البلاغية لهاتين الأداتين، ويظهر ذلك في تحليل الشواهد.
خذ قوله -تعالى-: {فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ}، فإنه لما كان مجيء الحسنة أمرا مقطوعا به جيء بلفظ إذا، عرفت الحسنة تعريف الجنس ليشتمل كل ما هو من جنس الحسنات، وشأن هذا أن يقع كثيرا، وذكر لفظ "إن" مع إصابة السيئة؛ لأن إصابة السيئة نادرة بالنسبة لإصابة الحسنة، وقد نكرت السيئة لإفادة التقليل، فأشارت إلى هذه الندرة.
ومثله قوله -تعالى-: {وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ} ، جيء بإذا في جانب الرحمة للإشارة إلى أن إذاقة الناس قدرا قليلا من الرحمة أمر مقطوع به، ولإفادة هذا المعنى نكرت الرحمة لتفيد التقليل، فيكون التقليل أقرب إلى القطع بالوقوع، وقال: {وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ} ، فأفاد أن إصابة السيئة لهم أمر غير مقطوع به، وأن الله لا يؤاخذهم دائما بما قدمت أيديهم، ولكنه يعفو عن كثير.
أما قوله تعالى: {وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ}، جيء فيه بلفظ: "إذا" مع الضر، وهذا بخلاف الطريقة في الآيتين السابقتين وذلك؛ لأنه ذكر هنا لفظ المس والمس أقل من الإصابة، ونكر الضر ليفيد قدرا يسيرا من الضر، وذكر لفظ الناس المستحقين أن يلحقهم كل ضر، والحديث عن الناس الذين إذا مسهم الضر دعو ربهم منيبين إليه، وإذا أذاقهم منه رحمة إذا فريق منهم بربهم يشركون، فكان في هذا إشارة إلى أن مس قدر يسير من الضر لأمثال هؤلاء، حقه أن يكون في حكم المقطوع به.
ومثله: {وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ} ، جاء بلفظ "إذا" مع مس الشر؛ لأن المراد مسا لإنسان الذي إذا أنعم الله عليه أعرض، ونأى باجنبه أي أعرض عن شكر الله وذهب بنفسه، ومثله بحق أن يكون تكبر، ومثله بحق أن يكون ابتلاؤه بالشر مقطوعًا به.
وقال عبد الرحمن بن حسان يخاطب بعض الولاة، وقد سأله حاجة، فلم يقضها:
ذممت ولم تحمد وأدركت حاجتي ... تولى سواكم أجرها واصطناعها
أبى لك كسب الحمد رأي مقصر ... ونفس أضاق الله بالخير باعها
إذا هي حثته على الخير مرة ... عصاها وإن همت بشر أطاعها
واضح أن الشاعر يذم الرجل ويهجوه هجاء صريحًا، ويذكر رأيه المقصر ونفسه الضائقة بالخير، وقوله: إذا هي حثته على الخير مرة، يفيد: أن حث نفسه على الخير أم مقطوع به، وقوله: وإن همت بشر يفيد: أن همها بالشر أمر نادر، والنفس التي تحدث على الخير قطعا، وتهم بالشر نادرًا نفس ممدوحة محمودة، فكيف يتفق هذا مع سياق الذم، وتصريحه بأن نفسه أضاق الله بالخير باعها، ولو قال: إن هي حثته على الخير مرة عصاها، وإذا همت بشر أطاعها لاستقام المعنى، ولذلك قال الزمخشري رحمه الله: وللجهل بموقع إن وإذا يزيغ كثير من الخاصة عن الصواب فيغلطون، ألا ترى إلى عبد الرحمن بن حسان كيف أخطأ بهما الموقع.. ثم ذكر القطعة والأبيات، وقال: لو عكس لأصاب.
وقد سمعت من بعض شيوخنا أن ابن حسان أعلم بطبائع اللغة من البلاغيين، وأن الزمخشري مع سعة ذرعه لم يتنبه إلى قوله مرة: ومهما كانت النفس قد أضاق الله بالخير باعها، فإن حثها على الخير مرة أمر متوقع؛ لأن الله ألهمها فجورها وتقواها، وهو كلام واقع.
وترى في الشعر المطبوع الذي يقوم على الخبرة العميقة لطائبع الكلمات، ودقيق دلالاتها ترى فيه هاتين الأداتين، ووراءهما إشارات لطيفة.
