أوابد العرب
من كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب للنويري
ومعنى الأوابد هاهنا: الدواهى؛ وهى مما حمى الله تعالى هذه الملّة الإسلاميّة منها، وحذر المؤمنين عنها. فقال تعالى (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ)
وقال تعالى (ما جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حامٍ)
وقال تعالى (إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عاماً)
وكانت للعرب أوابد جعلوها بينهم أحكاما ونسكا وضلالة وعادة ومداواة ودليلا وتفاؤلا وطيرة. فمنها:
البحيرة:
قالوا: كان أهل الوبر يعطون لآلهتهم من اللحم، وأهل المدر يعطون لها من الحرث، فكانت الناقة اذا أنتجت خمسة أبطن عمدوا الى الخامس ما لم يكن ذكرا فشقّوا أذنها، فتلك: البخيرة؛ فربما اجتمع منها هجمة من البحر فلا يجزّ لها وبر ولا يذكر عليها إن ركبت اسم الله، ولا إن حمل عليها شىء، فكانت ألبانها للرجال دون النساء.
الوصيلة:
كانت الشاة اذا وضعت سبعة أبطن عمدوا الى السابع، فإن كان ذكرا ذبح، وإن كانت أنثى تركت في الشاء، فان كان ذكرا وأنثى قيل: وصلت أخاها، فحرّما جميعا، وكانت منافعها، ولبن الأنثى منها للرجال دون النساء.
السائبة:
كان الرجل يسيّب الشىء من ماله، إما بهيمة أو إنسانا، فتكون حراما أبدا، منافعها للرجال دون النساء.
الحامى:
كان الفحل اذا أدركت أولاده فصار ولده جدّا قالوا: حمى ظهره، اتركوه فلا يحمل عليه، ولا يركب، ولا يمنع ماء، ولا مرعى، فاذا ماتت هذه التى جعلوها لآلهتهم، اشترك في أكلها الرجال والنساء، وذلك قوله تعالى (وَقالُوا ما فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا وَمُحَرَّمٌ عَلى أَزْواجِنا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكاءُ)
قالوا: وكان أهل المدر والحرث اذا حرثوا حرثا، أو غرسوا غرسا، خطّوا في وسطه خطّا، فقسموه بين اثنين فقالوا: مادون هذا الخط: لآلهتهم؛ وما وراءه: لله؛ فإن سقط ممّا جعلوه لآلهتهم شىء فيما جعلوه لله وردّوه، وإن سقط مما جعلوه لله فيما جعلوه لآلهتهم أقرّوه، واذا أرسلوا الماء في الذى لآلهتهم. فانفتح في الذى سموه لله سدّوه، وإن انفتح من ذاك في هذا قالوا: اتركوه فإنه فقير اليه، فأنزل الله عزّوجلّ (وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيباً فَقالُوا هذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهذا لِشُرَكائِنا فَما كانَ لِشُرَكائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَما كانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلى شُرَكائِهِمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ) .
الأزلام:
قالوا: كانوا اذا كانت مداراة أو نكاح أو أمر يريدونه. ولا يدرون ما الامر فيه ولم يصحّ لهم أخذوا قداحا لهم فيها: أفعل ولا أفعل لا يفعل؛ نعم لا خير، شرّ بطىء سريع، فأما المداراة فإن قداحا لهم فيها بيضا ليس فيها شىء فكانوا يحيلونها فمن خرج سهمه فالحقّ له، وللحضر والسفر سهمان؛ فيأتون السادن من سدنة الأوثان فيقول السادن: اللهم أيّهما كان خيرا فأخرجه لفلان، فيرضى بما يخرج له، فاذا شكّوا فى نسب الرجل أجالوا له القداح وفيها: صريح، وملصق؛ فإن خرج الصريح ألحقوه بهم، وإن خرج الملصق نفوه، وإن كان صريحا فهذه قداح الاستقسام.
الميسر:
قالوا في الميسر: إن القوم كانوا يجتمعون فيشترون الجزور بينهم، فيفصّلونها على عشرة أجزاء؛ ثم يؤتى بالحرضة وهو رجل يتألّه عندهم لم يأكل لحما قط بثمن، ويؤتى بالقداح وهو أحد عشر قدحا، سبعة منها لها حظّ إن فازت، وعلى أهلها غرم إن خابت، بقدر ما لها من الحظّ إن فازت، وأربعة ينقل بها القداح، لا حظّ لها إن فازت، ولا غرم عليها إن خابت.
فأما التى لها الحظّ: فأوّلها الفذّ في صدره حزّ واحد؛ فإن خرج أخذ نصيبا، وإن خاب غرم صاحبه ثمن نصيب، ثم التوأم، له نصيبان إن فاز، وعليه ثمن نصيبين إن خاب، ثم الضّريب، وله ثلاثة أنصباء، ثم الحلس وله أربعة، ثم النافس، وله خمسة، ثم المسبل، وله ستة، ثم المعلّى وله سبعة. قالوا: والمسبل يسمّى:
المصفح، والضريب يقال له: الرقيب.
وقد جمع الصاحب بن عبّاد هذه الأسماء ونظمها في أبيات فقال
إنّ القداح أمرها عجيب ... الفذّ، والتوأم، والرقيب،
والحلس، ثم النّافس المصيب ... والمصفح المشتهر النجيب،
ثم المعلّى حظّه الترغيب ... هاك فقد جاء بها الترتيب، وأما الأربعة التى ينقل بها القداح فهى: السّفيح، والمنيح، والمضعف، والوغد.
قال ابن قتيبة: والمنيح له موضعان: أحدهما لا حظّ له، والثانى له حظّ.
فكأته الذى يمنح حظّه، وعلى ذلك دلّ قول عمرو بن قبيصة
بأيديهم مقرومة ومغالق ... يعود بأرزاق العيال منيحها
قالوا: فيؤتى بالقداح كلها وقد عرف كلّ ما اختار من السبعة ولا يكون الأيسار إلا سبعة، لا يكونون أكثر من ذلك، فإن نقصوا رجلا أو رجلين، فأحب الباقون أن يأخذوا ما فضل من القداح، فيأخذ الرجل القدح والقدحين فيأخذ فوزهما إن فازا، ويغرم عنهما إن خابا ويدعى ذلك: التّميم قال النابغة
إنى أتمّم أيسارى وأمنحهم ... من الأيادى وأكسوا الجفنة الأدما
فيعمدوا الى القداح؛ فتشدّ مجموعة في قطعة جلد ثم يعمد الى الحرضة فيلفّ على يده اليمنى ثوبا لئلا يجد مس قدح له في صاحبه هوى، فيحابيه في إخراجه، ثم يؤتى بثوب أبيض يدعى. المجول، فيبسط بين يدى الحرضة، ثم يقوم على رأسه رجل يدعى: الرقيب، ويدفع ربابة القداح الى الحرضة وهو محوّل الوجه عنها.
والرّبابة: ما يجمع فيها القداح، فيأخذها ويدخل شماله من تحت الثوب، فينكر القداح بشماله، فاذا نهد منها قدح تناوله فدفعه إلى الرقيب. فإن كان مما لا حظّ له ردّ الى الرّبابة، فإن خرج بعده المسبل، أخذ الثلاثة الباقية، وغرم الذين خابوا ثلاثة أنصباء من جزور أخرى، وعلى هذه الحال يفعل بمن فاز ومن خاب، فربما نحروا عدة جزور ولا يغرم الذين فازوا من ثمنها شيئا، وإنما الغرم على الذين خابوا ولا يحلّ للخائبين أن يأكلوا من ذلك اللحم شيئا، فإن فاز قدح الرجل فأرادوا أن يعيدوا قدحه ثانية على خطار فعلوا ذلك به.
ومنها: نكاح المقت:
كان الرجل اذا مات قام أكبر ولده فألقى ثوبه على امرأة أبيه فورث نكاحها، فإن لم يكن له فيها حاجة تزوّجها بعض إخوته بمهر جديد، فكانوا يرثون نكاح النساء كما يرثون المال، فأنزل الله تعالى (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً وَلا تَعْضُلُوهُنَّ) .
ومنها: رمى البعرة:
كانت المرأة في الجاهليّة اذا توفى عنها زوجها، دخلت حفشا، والحفش: الخصّ، ولبست شرّ ثيابها ولم تمسّ طيبا ولا شيئا، حتى تمرّ لها سنة ثم تؤتى بدابة: حمار أو شاة أو طير فتفتضّ به أى تمسح به، فقلّما تفتضّ بشىء إلا مات، ثم تخرج على رأس الحول، فتعطى بعرة فترمى بها، ثم تراجع ما شاءت من طيب أو غيره ومعنى رميها بالبعرة: أنها ترى أن هذا الفعل هيّن عليها مثل البعرة المرميّة، فنسخ الإسلام ذلك بقوله تعالى: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً) .
ومنها: ذبح العتائر:
قالوا: كان الرجل منهم يأخذ الشاة، وتسمّى العتير والمعتورة فيذبحها ويصبّ دمها على رأس الصنم، وذلك يفعلونه في رجب، والعتر قيل: هو مثل الذبح، وقيل: هو الصنم الذى يعتر له. قال الطرمّاح
فخرّ صريعا مثل عاترة النسك
أراد بالعاترة: الشاة المعتورة.
عقد السّلع والعشر: وقد تقدم ذكره عند ذكر أسماء نيران العرب.
ذبح الظبى: كان الرجل ينذر أنه إذا بلغت إبله أو غنمه مبلغا فأذبح عنها كذا، فاذا بلغت ضنّ بها، وعمد الى الظّباء فيصطادها ويذبحها وفاء بالنذر؛ قال الشاعر
عنتا باطلا وزورا كما يعتر ... عن حجرة الرّبيض الظباء
ومنها: حبس البلايا:
كانوا اذا مات الرجل يشدّون ناقته الى قبره، ويعكسون رأسها الى ذنبها، ويغطّون رأسها بولّية وهى البردعة، فإن أفلتت لم تردّ عن ماء ولا مرعى، ويزعمون أنهم إنما يفعلون ذلك، ليركبها صاحبها في المعاد، ليحشر عليها، فلا يحتاج أن يمشى؛ قال أبو زبيد
كالبلايا رءوسها في الولايا ... مانحات السّموم حرّ الخدود
ومنها: خروج الهامة: زعموا أن الإنسان اذا قتل، ولم يطالب بثأره، خرج من رأسه طائر يسمّى: الهامة، وصاح على قبره: اسقونى! اسقونى! الى أن يطلب بثأره؛ قال ذو الإصبع
يا عمرو إن لا تدع شتمى ومنقصتى ... أضربك حتى تقول الهامة: اسقونى
ومنها: إغلاق الظهر:
كان الرجل منهم اذا بلغت إبله مائة، عمد الى البعير الذى أمات به، فأغلق ظهره لئلا يركب، ويعلم أن صاحبه حمى ظهره، وإغلاق ظهره أن ينزع سناسن فقرته ويعقر سنامه.
ومنها: التعمية والتفقئة:
وكان الرجل إذا بلغت إبله ألفا فقأ عين الفحل يقول: إن ذلك يدفع عنها العين والغارة؛ قال الشاعر
وهبتها وأنت ذو امتنان ... تفقأ فيها أعين البعران
فإن زادت عن ألف فقأ العين الأخرى، فهو التعمية.
ومنها: بكاء المقتول:
كان النساء لا يبكين المقتول إلا أن يدرك بثأره، واذا أدرك بثأره بكينه؛ قال شاعر
من كان مسرورا بمقتل مالك ... فليأت نسوتنا بوجه نهار
يجد النساء حواسرا ينبنه ... يلطمن حرّ الوجه بالأسحار
ومنها: رمى السنّ في الشمس:
يقولون: إن الغلام اذا ثغر، فرمى سنّه فى عين الشمس بسبّابته وإبهامه وقال: أبدلينى أحسن منها، أمن على أسنانه العوج، والفلج، والثّعل؛ قال طرفة
بدّلته الشمس من منبته ... بردا أبيض مصقول الأشر
ومنها: خضاب النحر:
كانوا اذا أرسلوا الخيل على الصّيد فسبق واحد منها، خضبوا صدره بدم الصّيد علامة له؛ قال الشاعر
كأن دماء العاديات بنحره ... عصارة حنّاء بشيب مرجّل
ومنها: التصفيق:
كانوا اذا ضلّ الرجل منهم في الفلاة، قلب ثيابه، وحبس ناقته، وصاح في أذنها كأنه يومىء الى إنسان، وصفّق بيديه: الوحا الوحا، النجا النجا، هيكل، الساعة الساعة، الىّ الىّ، عجّل؛ ثم يحرّك الناقة فيهتدى؛ قال الشاعر
وأذّن بالتصفيق من ساء ظنّه ... فلم يدر من أىّ اليدين جوابها
يعنى: يسوء ظنّه بنفسه اذا ضل.
ومنها: جز النواصى.
كانوا اذا أسروا رجلا، ومنّوا عليه فأطلقوه، جزّوا ناصيته ووضعوها في الكنانة؛ قال الحطيئة
قدنا سلول فسلّوا من كنانتهم ... مجدا تليدا ونبلا غير أنكاس
يعنى بالنّبل: الرجال؛ وقالت الخنساء
جززنا نواصى فرسانهم ... وكانوا يظنون أن لا تجزّا
ومنها: كىّ السليم عن الجرب:
زعموا أن الإبل اذا أصابها العرّ فأخذوا الصحيح وكووه زال العرّ عن السقيم؛ قال النابغة
وكلّفتنى ذنب امرىء وتركته ... كذى العرّ يكوى غيره وهو راتع
ويقال: إنهم كانوا يفعلون ذلك، ويقولون: تؤمن معه العدوى.
ومنها: ضرب الثور:
وزعموا أن الجنّ تركب الثيران فتصدّ البقر عن الشرب؛ قال الأعشى
وإنى وما كلفتمانى وربّكم ... ليعلم من أمسى أعق وأحوبا
لكالثور والجنىّ يركب ظهره ... وما ذنبه إن عافت الماء مشربا
وما ذنبه إن عافت الماء باقر ... وما إن تعاف الماء إلا ليضربا
وقال آخر
كذاك الثور يضرب بالهراوى ... اذا ما عافت البقر الظّلماء.
ومنها: كعب الأرنب:
كانوا يعلّقونه على أنفسهم ويقولون: إن من فعل ذلك لم تصبه عين ولا سحر، وذلك أن الجنّ تهرب من الأرنب، لأنها ليست من مطايا الجنّ لأنها تحيض؛ قال الشاعر
ولا ينفع التعشير إن حمّ واقع ... ولا زعرع يغنى ولا كعب أرنب
وقيل لزيد بن كثوة: أحقّ ما يقولون: إن من علّق على نفسه كعب أرنب لم يقربه جنّان الحىّ وعمّار الدار؟ فقال: إى والله! ولا شيطان الحماطة، الحماطة:
شجرة التين؛ وجان العشرة، وغول العقر، وكلّ الخوافى، إى والله يطفىء نيران السّعالى.
ومنها: حيض السّمرة:
يزعمون أن الصبى اذا خيف عليه نظرة أو خطفة، فعلّق عليه سنّ ثعلب؛ أو سنّ هرة، أو حيض سمرة، أمن، فإن الجنيّة اذا أرادته لم تقدر عليه، فاذا قال لها صواحباتها في ذلك، قالت
كانت عليه نفره ... ثعالب وهرره
والحيض حيض السّمره
ومنها: الطارف والمطروف:
يزعمون أن الرجل اذا طرف عين صاحبه، فهاجت فمسح الطارف عين المطروف سبع مرات وقال في كلّ مرة: بإحدى جاءت من المدينة، باثنتى جاءتا من المدينة، بثلاث جئن من المدينة، الى سبع، سكن هيجانها.
ومنها: وطء المقاليت:
يزعمون أن المرأة المقلات اذا وطئت قتيلا شريفا بقى أولادها، وفي ذلك يقول بشر بن أبى خازم
تظلّ مقاليت النساء يطأنه ... يقلن ألا يلقى على المرء مئزر
ومنها: تعليق الحلى على السليم:
كانوا يعلّقون الحلى على الملسوع ويقولون إنه اذا علّق عليه أفاق، فيلقون عليه الأسورة والرّعاث، ويتركونها عليه سبعة أيام ويمنع من النوم؛ قال النابغة
يسهّد في وقت العشاء سليمها ... لحلى النساء في يديه قعاقع
من كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب للنويري
ومعنى الأوابد هاهنا: الدواهى؛ وهى مما حمى الله تعالى هذه الملّة الإسلاميّة منها، وحذر المؤمنين عنها. فقال تعالى (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ)
وقال تعالى (ما جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حامٍ)
وقال تعالى (إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عاماً)
وكانت للعرب أوابد جعلوها بينهم أحكاما ونسكا وضلالة وعادة ومداواة ودليلا وتفاؤلا وطيرة. فمنها:
البحيرة:
قالوا: كان أهل الوبر يعطون لآلهتهم من اللحم، وأهل المدر يعطون لها من الحرث، فكانت الناقة اذا أنتجت خمسة أبطن عمدوا الى الخامس ما لم يكن ذكرا فشقّوا أذنها، فتلك: البخيرة؛ فربما اجتمع منها هجمة من البحر فلا يجزّ لها وبر ولا يذكر عليها إن ركبت اسم الله، ولا إن حمل عليها شىء، فكانت ألبانها للرجال دون النساء.
الوصيلة:
كانت الشاة اذا وضعت سبعة أبطن عمدوا الى السابع، فإن كان ذكرا ذبح، وإن كانت أنثى تركت في الشاء، فان كان ذكرا وأنثى قيل: وصلت أخاها، فحرّما جميعا، وكانت منافعها، ولبن الأنثى منها للرجال دون النساء.
السائبة:
كان الرجل يسيّب الشىء من ماله، إما بهيمة أو إنسانا، فتكون حراما أبدا، منافعها للرجال دون النساء.
الحامى:
كان الفحل اذا أدركت أولاده فصار ولده جدّا قالوا: حمى ظهره، اتركوه فلا يحمل عليه، ولا يركب، ولا يمنع ماء، ولا مرعى، فاذا ماتت هذه التى جعلوها لآلهتهم، اشترك في أكلها الرجال والنساء، وذلك قوله تعالى (وَقالُوا ما فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا وَمُحَرَّمٌ عَلى أَزْواجِنا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكاءُ)
قالوا: وكان أهل المدر والحرث اذا حرثوا حرثا، أو غرسوا غرسا، خطّوا في وسطه خطّا، فقسموه بين اثنين فقالوا: مادون هذا الخط: لآلهتهم؛ وما وراءه: لله؛ فإن سقط ممّا جعلوه لآلهتهم شىء فيما جعلوه لله وردّوه، وإن سقط مما جعلوه لله فيما جعلوه لآلهتهم أقرّوه، واذا أرسلوا الماء في الذى لآلهتهم. فانفتح في الذى سموه لله سدّوه، وإن انفتح من ذاك في هذا قالوا: اتركوه فإنه فقير اليه، فأنزل الله عزّوجلّ (وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيباً فَقالُوا هذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهذا لِشُرَكائِنا فَما كانَ لِشُرَكائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَما كانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلى شُرَكائِهِمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ) .
الأزلام:
قالوا: كانوا اذا كانت مداراة أو نكاح أو أمر يريدونه. ولا يدرون ما الامر فيه ولم يصحّ لهم أخذوا قداحا لهم فيها: أفعل ولا أفعل لا يفعل؛ نعم لا خير، شرّ بطىء سريع، فأما المداراة فإن قداحا لهم فيها بيضا ليس فيها شىء فكانوا يحيلونها فمن خرج سهمه فالحقّ له، وللحضر والسفر سهمان؛ فيأتون السادن من سدنة الأوثان فيقول السادن: اللهم أيّهما كان خيرا فأخرجه لفلان، فيرضى بما يخرج له، فاذا شكّوا فى نسب الرجل أجالوا له القداح وفيها: صريح، وملصق؛ فإن خرج الصريح ألحقوه بهم، وإن خرج الملصق نفوه، وإن كان صريحا فهذه قداح الاستقسام.
الميسر:
قالوا في الميسر: إن القوم كانوا يجتمعون فيشترون الجزور بينهم، فيفصّلونها على عشرة أجزاء؛ ثم يؤتى بالحرضة وهو رجل يتألّه عندهم لم يأكل لحما قط بثمن، ويؤتى بالقداح وهو أحد عشر قدحا، سبعة منها لها حظّ إن فازت، وعلى أهلها غرم إن خابت، بقدر ما لها من الحظّ إن فازت، وأربعة ينقل بها القداح، لا حظّ لها إن فازت، ولا غرم عليها إن خابت.
فأما التى لها الحظّ: فأوّلها الفذّ في صدره حزّ واحد؛ فإن خرج أخذ نصيبا، وإن خاب غرم صاحبه ثمن نصيب، ثم التوأم، له نصيبان إن فاز، وعليه ثمن نصيبين إن خاب، ثم الضّريب، وله ثلاثة أنصباء، ثم الحلس وله أربعة، ثم النافس، وله خمسة، ثم المسبل، وله ستة، ثم المعلّى وله سبعة. قالوا: والمسبل يسمّى:
المصفح، والضريب يقال له: الرقيب.
وقد جمع الصاحب بن عبّاد هذه الأسماء ونظمها في أبيات فقال
إنّ القداح أمرها عجيب ... الفذّ، والتوأم، والرقيب،
والحلس، ثم النّافس المصيب ... والمصفح المشتهر النجيب،
ثم المعلّى حظّه الترغيب ... هاك فقد جاء بها الترتيب، وأما الأربعة التى ينقل بها القداح فهى: السّفيح، والمنيح، والمضعف، والوغد.
قال ابن قتيبة: والمنيح له موضعان: أحدهما لا حظّ له، والثانى له حظّ.
فكأته الذى يمنح حظّه، وعلى ذلك دلّ قول عمرو بن قبيصة
بأيديهم مقرومة ومغالق ... يعود بأرزاق العيال منيحها
قالوا: فيؤتى بالقداح كلها وقد عرف كلّ ما اختار من السبعة ولا يكون الأيسار إلا سبعة، لا يكونون أكثر من ذلك، فإن نقصوا رجلا أو رجلين، فأحب الباقون أن يأخذوا ما فضل من القداح، فيأخذ الرجل القدح والقدحين فيأخذ فوزهما إن فازا، ويغرم عنهما إن خابا ويدعى ذلك: التّميم قال النابغة
إنى أتمّم أيسارى وأمنحهم ... من الأيادى وأكسوا الجفنة الأدما
فيعمدوا الى القداح؛ فتشدّ مجموعة في قطعة جلد ثم يعمد الى الحرضة فيلفّ على يده اليمنى ثوبا لئلا يجد مس قدح له في صاحبه هوى، فيحابيه في إخراجه، ثم يؤتى بثوب أبيض يدعى. المجول، فيبسط بين يدى الحرضة، ثم يقوم على رأسه رجل يدعى: الرقيب، ويدفع ربابة القداح الى الحرضة وهو محوّل الوجه عنها.
والرّبابة: ما يجمع فيها القداح، فيأخذها ويدخل شماله من تحت الثوب، فينكر القداح بشماله، فاذا نهد منها قدح تناوله فدفعه إلى الرقيب. فإن كان مما لا حظّ له ردّ الى الرّبابة، فإن خرج بعده المسبل، أخذ الثلاثة الباقية، وغرم الذين خابوا ثلاثة أنصباء من جزور أخرى، وعلى هذه الحال يفعل بمن فاز ومن خاب، فربما نحروا عدة جزور ولا يغرم الذين فازوا من ثمنها شيئا، وإنما الغرم على الذين خابوا ولا يحلّ للخائبين أن يأكلوا من ذلك اللحم شيئا، فإن فاز قدح الرجل فأرادوا أن يعيدوا قدحه ثانية على خطار فعلوا ذلك به.
ومنها: نكاح المقت:
كان الرجل اذا مات قام أكبر ولده فألقى ثوبه على امرأة أبيه فورث نكاحها، فإن لم يكن له فيها حاجة تزوّجها بعض إخوته بمهر جديد، فكانوا يرثون نكاح النساء كما يرثون المال، فأنزل الله تعالى (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً وَلا تَعْضُلُوهُنَّ) .
ومنها: رمى البعرة:
كانت المرأة في الجاهليّة اذا توفى عنها زوجها، دخلت حفشا، والحفش: الخصّ، ولبست شرّ ثيابها ولم تمسّ طيبا ولا شيئا، حتى تمرّ لها سنة ثم تؤتى بدابة: حمار أو شاة أو طير فتفتضّ به أى تمسح به، فقلّما تفتضّ بشىء إلا مات، ثم تخرج على رأس الحول، فتعطى بعرة فترمى بها، ثم تراجع ما شاءت من طيب أو غيره ومعنى رميها بالبعرة: أنها ترى أن هذا الفعل هيّن عليها مثل البعرة المرميّة، فنسخ الإسلام ذلك بقوله تعالى: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً) .
ومنها: ذبح العتائر:
قالوا: كان الرجل منهم يأخذ الشاة، وتسمّى العتير والمعتورة فيذبحها ويصبّ دمها على رأس الصنم، وذلك يفعلونه في رجب، والعتر قيل: هو مثل الذبح، وقيل: هو الصنم الذى يعتر له. قال الطرمّاح
فخرّ صريعا مثل عاترة النسك
أراد بالعاترة: الشاة المعتورة.
عقد السّلع والعشر: وقد تقدم ذكره عند ذكر أسماء نيران العرب.
ذبح الظبى: كان الرجل ينذر أنه إذا بلغت إبله أو غنمه مبلغا فأذبح عنها كذا، فاذا بلغت ضنّ بها، وعمد الى الظّباء فيصطادها ويذبحها وفاء بالنذر؛ قال الشاعر
عنتا باطلا وزورا كما يعتر ... عن حجرة الرّبيض الظباء
ومنها: حبس البلايا:
كانوا اذا مات الرجل يشدّون ناقته الى قبره، ويعكسون رأسها الى ذنبها، ويغطّون رأسها بولّية وهى البردعة، فإن أفلتت لم تردّ عن ماء ولا مرعى، ويزعمون أنهم إنما يفعلون ذلك، ليركبها صاحبها في المعاد، ليحشر عليها، فلا يحتاج أن يمشى؛ قال أبو زبيد
كالبلايا رءوسها في الولايا ... مانحات السّموم حرّ الخدود
ومنها: خروج الهامة: زعموا أن الإنسان اذا قتل، ولم يطالب بثأره، خرج من رأسه طائر يسمّى: الهامة، وصاح على قبره: اسقونى! اسقونى! الى أن يطلب بثأره؛ قال ذو الإصبع
يا عمرو إن لا تدع شتمى ومنقصتى ... أضربك حتى تقول الهامة: اسقونى
ومنها: إغلاق الظهر:
كان الرجل منهم اذا بلغت إبله مائة، عمد الى البعير الذى أمات به، فأغلق ظهره لئلا يركب، ويعلم أن صاحبه حمى ظهره، وإغلاق ظهره أن ينزع سناسن فقرته ويعقر سنامه.
ومنها: التعمية والتفقئة:
وكان الرجل إذا بلغت إبله ألفا فقأ عين الفحل يقول: إن ذلك يدفع عنها العين والغارة؛ قال الشاعر
وهبتها وأنت ذو امتنان ... تفقأ فيها أعين البعران
فإن زادت عن ألف فقأ العين الأخرى، فهو التعمية.
ومنها: بكاء المقتول:
كان النساء لا يبكين المقتول إلا أن يدرك بثأره، واذا أدرك بثأره بكينه؛ قال شاعر
من كان مسرورا بمقتل مالك ... فليأت نسوتنا بوجه نهار
يجد النساء حواسرا ينبنه ... يلطمن حرّ الوجه بالأسحار
ومنها: رمى السنّ في الشمس:
يقولون: إن الغلام اذا ثغر، فرمى سنّه فى عين الشمس بسبّابته وإبهامه وقال: أبدلينى أحسن منها، أمن على أسنانه العوج، والفلج، والثّعل؛ قال طرفة
بدّلته الشمس من منبته ... بردا أبيض مصقول الأشر
ومنها: خضاب النحر:
كانوا اذا أرسلوا الخيل على الصّيد فسبق واحد منها، خضبوا صدره بدم الصّيد علامة له؛ قال الشاعر
كأن دماء العاديات بنحره ... عصارة حنّاء بشيب مرجّل
ومنها: التصفيق:
كانوا اذا ضلّ الرجل منهم في الفلاة، قلب ثيابه، وحبس ناقته، وصاح في أذنها كأنه يومىء الى إنسان، وصفّق بيديه: الوحا الوحا، النجا النجا، هيكل، الساعة الساعة، الىّ الىّ، عجّل؛ ثم يحرّك الناقة فيهتدى؛ قال الشاعر
وأذّن بالتصفيق من ساء ظنّه ... فلم يدر من أىّ اليدين جوابها
يعنى: يسوء ظنّه بنفسه اذا ضل.
ومنها: جز النواصى.
كانوا اذا أسروا رجلا، ومنّوا عليه فأطلقوه، جزّوا ناصيته ووضعوها في الكنانة؛ قال الحطيئة
قدنا سلول فسلّوا من كنانتهم ... مجدا تليدا ونبلا غير أنكاس
يعنى بالنّبل: الرجال؛ وقالت الخنساء
جززنا نواصى فرسانهم ... وكانوا يظنون أن لا تجزّا
ومنها: كىّ السليم عن الجرب:
زعموا أن الإبل اذا أصابها العرّ فأخذوا الصحيح وكووه زال العرّ عن السقيم؛ قال النابغة
وكلّفتنى ذنب امرىء وتركته ... كذى العرّ يكوى غيره وهو راتع
ويقال: إنهم كانوا يفعلون ذلك، ويقولون: تؤمن معه العدوى.
ومنها: ضرب الثور:
وزعموا أن الجنّ تركب الثيران فتصدّ البقر عن الشرب؛ قال الأعشى
وإنى وما كلفتمانى وربّكم ... ليعلم من أمسى أعق وأحوبا
لكالثور والجنىّ يركب ظهره ... وما ذنبه إن عافت الماء مشربا
وما ذنبه إن عافت الماء باقر ... وما إن تعاف الماء إلا ليضربا
وقال آخر
كذاك الثور يضرب بالهراوى ... اذا ما عافت البقر الظّلماء.
ومنها: كعب الأرنب:
كانوا يعلّقونه على أنفسهم ويقولون: إن من فعل ذلك لم تصبه عين ولا سحر، وذلك أن الجنّ تهرب من الأرنب، لأنها ليست من مطايا الجنّ لأنها تحيض؛ قال الشاعر
ولا ينفع التعشير إن حمّ واقع ... ولا زعرع يغنى ولا كعب أرنب
وقيل لزيد بن كثوة: أحقّ ما يقولون: إن من علّق على نفسه كعب أرنب لم يقربه جنّان الحىّ وعمّار الدار؟ فقال: إى والله! ولا شيطان الحماطة، الحماطة:
شجرة التين؛ وجان العشرة، وغول العقر، وكلّ الخوافى، إى والله يطفىء نيران السّعالى.
ومنها: حيض السّمرة:
يزعمون أن الصبى اذا خيف عليه نظرة أو خطفة، فعلّق عليه سنّ ثعلب؛ أو سنّ هرة، أو حيض سمرة، أمن، فإن الجنيّة اذا أرادته لم تقدر عليه، فاذا قال لها صواحباتها في ذلك، قالت
كانت عليه نفره ... ثعالب وهرره
والحيض حيض السّمره
ومنها: الطارف والمطروف:
يزعمون أن الرجل اذا طرف عين صاحبه، فهاجت فمسح الطارف عين المطروف سبع مرات وقال في كلّ مرة: بإحدى جاءت من المدينة، باثنتى جاءتا من المدينة، بثلاث جئن من المدينة، الى سبع، سكن هيجانها.
ومنها: وطء المقاليت:
يزعمون أن المرأة المقلات اذا وطئت قتيلا شريفا بقى أولادها، وفي ذلك يقول بشر بن أبى خازم
تظلّ مقاليت النساء يطأنه ... يقلن ألا يلقى على المرء مئزر
ومنها: تعليق الحلى على السليم:
كانوا يعلّقون الحلى على الملسوع ويقولون إنه اذا علّق عليه أفاق، فيلقون عليه الأسورة والرّعاث، ويتركونها عليه سبعة أيام ويمنع من النوم؛ قال النابغة
يسهّد في وقت العشاء سليمها ... لحلى النساء في يديه قعاقع
