دراسة مظاهر التطور الأدبي في العصر الأندلسي
د. إحسان عباس
شهد الأدب في هذا العصر تطورا واسعا من نواحيه المختلفة، حتى ليصح القول بأن صور الأدب الأندلسي في عهد الطوائف والمرابطين، قد اكتملت أو كادت، وبلغت مرحلة من التطور لا بد لها بعدها من جنوح أو هبوط أو جمود. فقد اتسع النطاق المكاني لهذا الأدب وتعددت أسماء الأدباء الذين يستوقفون الدارس الأدبي، وبعد أن كانت قرطبة من قبل هي الدائرة الكبرى التي ينجذب إليها الأدباء من شتى النواحي، تكاثرت المراكز الأدبية، وكثر الممدوحون وحماة الأدب ورعاته، وكثرت دواوين الإنشاء، وتعدد الوزراء الكتاب الشعراء، وأصبحت المنافسة أشد وأقوى. على أنا يجب أن نحذر في هذا المقام من الخلط بين النوع والكم في حال الأدب حينئذ، فتلك الزيادة المستفيضة في كميته لم يلازمها اطراد في جودة النوع. وقد نفينا من قبل أن تكون الجودة وليدة التشجيع " الرسمي " وحده، بل لعل التطور الطبيعي للأدب، إنما تم تحت وطأة الظروف المحلية والمؤثرات الخارجية على نحو لا يحتاج إلا قليلا من التشجيع، فالحركة الطبيعية في لتطور هي رائدنا في تقدير ما بقي لدينا من أدب ذلك العصر، وإبراز معالم الجدة أو التغير هو سبيلنا إلى دراسة ذلك التطور، وهذا يعني أننا قد نقف في الأكثر عند المعالم الجديدة أو الأخرى التي أصابها ضرب من التحول بأكثر من وقوفنا عند العناصر الثابتة التي يعتورها تبدل أو تجدد.
- 1 -
التطور في الشكل
أو
الصراع بين طريقة العرب وطريقة المحدثين
حاولت في كتاب سابق أن أترسم حال المذهب الأدبي العام بين ما سماه الأندلسيون طريقة المحدثين وما سموه طريقة العرب، وبينت كيق أن التنافس اشتد بين المذهبين، وبخاصة بعد أن كثر تلامذة القالي في الأندلس، وكان من ثمرات ذلك التنافس أن شهد هذا العصر الذي أؤرخه هنا اشتداد مذهب العرب في مبنى الشعر وموضوعه. ويقوم مذهب العرب من حيث مبناه على قاعدتين هامتين تتصلان بموسيقاه العامة وهما: الجزالة وشدة التدفق؛ ومن ثم نفهم قول ابن بسام إن أكثر أهل وقته وجمهور شعراء عصره يذهبون إلى طريقة ابن هانيء وعلى قالبه يضربون فليست تعدو طريقة ابن هانيء؟ من حيث المبني - الركنين المذكورين من جزالة وتدفق. على أنه إن كانت طريقة ابن هانيء مشمولة بجلبة لفظية عامة حتى شبه المعري شعره برحى تطحن قرونا، فليس معنى ذلك أن اجتماع الجزالة والتدفق يفترض دائما ان تكون الموسيقى المدوية جوفاء ليس وراءها طائل كثير. وقد استطاعت طريقة العرب أن تمسح عن اكثر الشعر الأندلسي ما وجدناه؟ من قبل - من خشونة في التركيب ناجمة عن عدم خلوص التعبير من اصطناع التقليد المباشر، كما أنها أكسبت الشعر الجديد خشونة الموضوع البدوي، مما قد لا يتلاءم وطبيعة الاتجاه الحضاري الذي كانت الأندلس آخذة بأسبابه، ولكن الشعر في هذا المجال يمثل جانبا من الثورة على الإغراق في الحضارة، فإذا لم نعد ذلك ثورة صريحة عددنا تكاملا لا بد منه من أجل خلق التعادل بين منحيين متطرفين.
ولنا أن نعزو هذا الاتجاه إلى طبيعة الدراسات التي جنحت إليها مدرسة القالي، وهذا يتجلى بوضوح من مراجعة الكتب التي اهتمت بتدريسها وشرحها وتقريبها للطلبة، وكلها من النوع الذي يقدم نماذج من طريقة العرب أو نماذج تحتذيها. هذا الاعلم الشنتمري شرح الأشعار الستة، وشرح أبو عبيد البكري أمالي القالي نفسها، وتوفر البكري وغيره على شرح الأمثال، واخذ ابن السيد البطليموسي إلى جانب شروحه اللغوية بشرح سقط الزند لأبي العلاء وديوان المتنبي. وقد كانت هذه الشروح تقريرا لطريقة العرب في الشعر.
وكان أن خضع الشعر نفسه لقوة مؤثر خارجي جديد تمثل في ديوان المتنبي وشعر المعري، وهما اللذان ارتدا إلى المعين البدوي ومزجا ما اغترفا منه بالتجربة العميقة والآراء الفلسفية، فكان ما حققاه في هذا المجال تجديدا من داخل المحافظة على الشكل القديم. وكان لهذين الأديبين مكانة سامية في نفوس الأندلسيين في هذا العصر الذي أؤرخه. ومن تصفح الذخيرة لابن بسام استطاع أن يرى مدى اتكاء الشعراء الأندلسيين في توليد المعاني على هذين الشاعرين، فأما معارضة قصائدهما فشيء واضح للعيان. وقد أصبحت معارضة المتنبي محكما للجودة عند الأندلسيين منذ أيام ابن شهيد وظلت كذلك حتى عهود متأخرة، حتى أن ابن شرف طلب في مجلس المأمون ابن ذي النون أن يشير المأمون إلى أي قصيدة شاء من شعر أبي الطيب ليعارضه بقصيدة " تنسي اسمه وتعفي رسمه، فتثاقل ابن ذي النون عن جوابه، علما بضيق جنابه، وإشفاقا من فضيحته وانتشا به " ولكنه بعد إلحاح طلب إليه أن يعارض: " لعينيك ما يلقى الفؤاد وما لقي " - وفيها البيت:
إذا شاء أن يلهو بلحية أحمق ... أراه غباري ثم قال له الحق والقصة تروى أيضا بمثل هذا النحو في المشرق، ولا يبعد أن تكون البيئة الأندلسية هي مصدرها فإن مكانة المتنبي في الأندلس لم تكن لتقل عنها في المشرق.
وأشد الشعراء الأندلسيين نسجا على طريقة المتنبي في السياق والبناء مع استقلال غير ضئيل في العناصر الذاتية: أحدهما هو عبد المجيد ابن عبدون الذي عاش في كنف المتوكل صاحب بطليموس، بعد أن حاول الحظوة لدى المعتمد بن عباد، فلم يجد لديه قبولا، فلما انتهى عهد الطوائف قضى بقية حياته ببلده يابرة .
فمن شعره الذي يذكر بطريقة أبي الطيب:
هيهات لا أبتغي منكم هوى بهوى ... حسبي أكون محبا غير محبوب
فما أراح لذكرى غير عالية ... ولا ألذ بحب دون تعذيب
ولا أصالح أيامي على دخن ... ليس النفاق إلى خلقي بمنسوب
يا دهر أن توسع الأحرار مظلمة ... فاستثني إن غيلي غير مقروب
ولا تخل أنني ألقاك منفردا ... إن القناعة جيش غير مغلوب ذلك إنه يبنيه على القوة، ويستأنف بعد قطع الكلام بإرسال الحكمة والمثل، إلا أنه قد يخالف المتنبي في فلسفته إذ يقول: " ولا ألذ بحب دون تعذيب "، كما يخالفه ويبتعد عن طريقه في قوله: " إن القناعة جيش غير مغلوب "، ولكن السياق العام في القصيدة فيه احتذاء شديد لأبي الطيب.
ومن نغماته التي يعيد فيها بعض التدفق في أسلوب المتنبي قوله :
فما أبقوا ولا هموا ببقيا ... ونقل الطبع ليس بمستطاع
فلو سقت السماء الشري أريا ... لما احلولت مراعيه لراع
بدهر ضاعت الأحساب فيه ... ضياع الرأي في السر المذاع
فبعتهم بتاتا لا بثنيا ... ولا شرط ولا درك ارتجاع
ولم أجعل قرابي غير بيتي ... وحسبي ما تقدم من قراع
والفرق بينه وبين أبي الطيب ليس في النغمة العامة، وإنما في ان فلسفة تقوم على قوة نفسية مستمدة من الزهد في الناس ومن القناعة وليس هذا من مذهب المتنبي.
وإذا كان ابن عبدون يترسم مبنى المتنبي وحده دون فلسفته فان ابن وهبون يترسم الاثنين معا في مثل قوله :
وإني لفي دهر قرائس أسده ... سدى عبثت فيها نيوب كلاب
أتخفى على الأيام غر مناقبي ... وقد بز شأوي شأو كل نقاب
ويركبني رسم الخمول وقد غدت ... خصال العلا والمجد طوع ركابي
سأرقى بهماتي قصارى مراتبي ... وإن كان أدناها يطيل طلابي
لتعلم أطراف الأسنة أنني ... كفيل لها عند الصدا بشراب
وتشهد أطراف اليراعات أنني ... بهن مصيب فصل كل خطاب
وليس نديمي غير أبيض صارم ... وليس سميري غير شخص كتابي
مضمخة لا بالمخلوق أناملي ... مزعفرة بابعير حرابي
ولكن بنفح بخجل الروض زاهرا ... ولكن بدعس في كلى ورقاب
ومن لم يخضب رمحه في عداته ... تساوت به في الحي ذات خضاب
ومن لم يحل السيف من بهم العدا ... تحلى بخزي في الحياة وعاب
إذا ورق الفولاذ هز تساقطت ... ثمار حتوف أو ثمار رقاب
ومن يتخذ غير الحسام مخالبا ... فما هو إلا وارد بسراب
ومن غره من ذا الأنام تبسم ... فبالعقل قد أضحى أحق مصاب
ولا ريب في أن عبد الجليل أقل عنفا من المتنبي، ولكن حديثه عن أطراف الأسنة وعن صديقيه الحسام والكتاب وعن المخدوعين بالتبسم إنما هو ترديد لمعاني أبي الطيب، أو إن شئت فقل إنه يرى انعكاس صورة أبي الطيب في مرآة أبي فراس الحمداني.
وأما أثر العلاء فواضح كل الوضوح في الاتجاه الفلسفي العام؟ الذي سأتحدث عنه في موضعه - ولكن الأندلسيين أنفسهم يشهدون بمدى إقبالهم على شعره ونثره ومعارضتهما. ولنقف مرة أخرى عند محمد ابن عبد الغفور الكلاعي الذي أورد في كتابه " أحكام صفة الكلام " ثبثا بأسماء ما كان يتداوله الأندلسيون من كتب أبي العلاء. فيحدثنا ابن عبد الغفور كيف اجتمع وصديقا له في بعض المجالس، وأخذا في ضروب الفصاحة فاتهمه صاحبه بأنه لا يعرف كيف يكتب في السلطانيات، فحمله ذلك علي تأليف كتاب على مثال " السجع السلطاني " لأبي العلاء. وكيف تذاكر هو وصاحبه ما لأبي العلاء من تواليف بديعة فقال صاحبه أن ابا العلاء لا يجارى ولا يبارى ولا يعارض في واحد منها، فأحب ابن عبد الغفور ان يثبت تفوقه فكتب رسالة " الساجعة والغربيب " معارضة لرسالة " الصاهل والشاحج " لأبي العلاء، ثم عارضه بتأليف سماه " ثمرة الألباب " مضاهيا بذلك " سقط الزند "، وعرضه في خطبة كتاب الفصيح وهذا جهد معجب واحد من المعجبين بأبي العلاء وهناك آخرون غيره منهم ابن الخصال الذي عارضه في ملتقى السبيل، والسرقسطي الذي تأثر خطاه في المقامات فبناها على لزوم ما لا يلزم، وتأثره ابن خفاجة من حيث الشكل حين استعمل اللزوم في شعره. وليس من السهل ان نمثل على تأثر الأندلسيين بالمبنى الشعري عند ابي العلاء فأن سقط الزند الذي استأثر باهتمامهم فيه الشيء من اثر المتنبي نفسه.
د. إحسان عباس
شهد الأدب في هذا العصر تطورا واسعا من نواحيه المختلفة، حتى ليصح القول بأن صور الأدب الأندلسي في عهد الطوائف والمرابطين، قد اكتملت أو كادت، وبلغت مرحلة من التطور لا بد لها بعدها من جنوح أو هبوط أو جمود. فقد اتسع النطاق المكاني لهذا الأدب وتعددت أسماء الأدباء الذين يستوقفون الدارس الأدبي، وبعد أن كانت قرطبة من قبل هي الدائرة الكبرى التي ينجذب إليها الأدباء من شتى النواحي، تكاثرت المراكز الأدبية، وكثر الممدوحون وحماة الأدب ورعاته، وكثرت دواوين الإنشاء، وتعدد الوزراء الكتاب الشعراء، وأصبحت المنافسة أشد وأقوى. على أنا يجب أن نحذر في هذا المقام من الخلط بين النوع والكم في حال الأدب حينئذ، فتلك الزيادة المستفيضة في كميته لم يلازمها اطراد في جودة النوع. وقد نفينا من قبل أن تكون الجودة وليدة التشجيع " الرسمي " وحده، بل لعل التطور الطبيعي للأدب، إنما تم تحت وطأة الظروف المحلية والمؤثرات الخارجية على نحو لا يحتاج إلا قليلا من التشجيع، فالحركة الطبيعية في لتطور هي رائدنا في تقدير ما بقي لدينا من أدب ذلك العصر، وإبراز معالم الجدة أو التغير هو سبيلنا إلى دراسة ذلك التطور، وهذا يعني أننا قد نقف في الأكثر عند المعالم الجديدة أو الأخرى التي أصابها ضرب من التحول بأكثر من وقوفنا عند العناصر الثابتة التي يعتورها تبدل أو تجدد.
- 1 -
التطور في الشكل
أو
الصراع بين طريقة العرب وطريقة المحدثين
حاولت في كتاب سابق أن أترسم حال المذهب الأدبي العام بين ما سماه الأندلسيون طريقة المحدثين وما سموه طريقة العرب، وبينت كيق أن التنافس اشتد بين المذهبين، وبخاصة بعد أن كثر تلامذة القالي في الأندلس، وكان من ثمرات ذلك التنافس أن شهد هذا العصر الذي أؤرخه هنا اشتداد مذهب العرب في مبنى الشعر وموضوعه. ويقوم مذهب العرب من حيث مبناه على قاعدتين هامتين تتصلان بموسيقاه العامة وهما: الجزالة وشدة التدفق؛ ومن ثم نفهم قول ابن بسام إن أكثر أهل وقته وجمهور شعراء عصره يذهبون إلى طريقة ابن هانيء وعلى قالبه يضربون فليست تعدو طريقة ابن هانيء؟ من حيث المبني - الركنين المذكورين من جزالة وتدفق. على أنه إن كانت طريقة ابن هانيء مشمولة بجلبة لفظية عامة حتى شبه المعري شعره برحى تطحن قرونا، فليس معنى ذلك أن اجتماع الجزالة والتدفق يفترض دائما ان تكون الموسيقى المدوية جوفاء ليس وراءها طائل كثير. وقد استطاعت طريقة العرب أن تمسح عن اكثر الشعر الأندلسي ما وجدناه؟ من قبل - من خشونة في التركيب ناجمة عن عدم خلوص التعبير من اصطناع التقليد المباشر، كما أنها أكسبت الشعر الجديد خشونة الموضوع البدوي، مما قد لا يتلاءم وطبيعة الاتجاه الحضاري الذي كانت الأندلس آخذة بأسبابه، ولكن الشعر في هذا المجال يمثل جانبا من الثورة على الإغراق في الحضارة، فإذا لم نعد ذلك ثورة صريحة عددنا تكاملا لا بد منه من أجل خلق التعادل بين منحيين متطرفين.
ولنا أن نعزو هذا الاتجاه إلى طبيعة الدراسات التي جنحت إليها مدرسة القالي، وهذا يتجلى بوضوح من مراجعة الكتب التي اهتمت بتدريسها وشرحها وتقريبها للطلبة، وكلها من النوع الذي يقدم نماذج من طريقة العرب أو نماذج تحتذيها. هذا الاعلم الشنتمري شرح الأشعار الستة، وشرح أبو عبيد البكري أمالي القالي نفسها، وتوفر البكري وغيره على شرح الأمثال، واخذ ابن السيد البطليموسي إلى جانب شروحه اللغوية بشرح سقط الزند لأبي العلاء وديوان المتنبي. وقد كانت هذه الشروح تقريرا لطريقة العرب في الشعر.
وكان أن خضع الشعر نفسه لقوة مؤثر خارجي جديد تمثل في ديوان المتنبي وشعر المعري، وهما اللذان ارتدا إلى المعين البدوي ومزجا ما اغترفا منه بالتجربة العميقة والآراء الفلسفية، فكان ما حققاه في هذا المجال تجديدا من داخل المحافظة على الشكل القديم. وكان لهذين الأديبين مكانة سامية في نفوس الأندلسيين في هذا العصر الذي أؤرخه. ومن تصفح الذخيرة لابن بسام استطاع أن يرى مدى اتكاء الشعراء الأندلسيين في توليد المعاني على هذين الشاعرين، فأما معارضة قصائدهما فشيء واضح للعيان. وقد أصبحت معارضة المتنبي محكما للجودة عند الأندلسيين منذ أيام ابن شهيد وظلت كذلك حتى عهود متأخرة، حتى أن ابن شرف طلب في مجلس المأمون ابن ذي النون أن يشير المأمون إلى أي قصيدة شاء من شعر أبي الطيب ليعارضه بقصيدة " تنسي اسمه وتعفي رسمه، فتثاقل ابن ذي النون عن جوابه، علما بضيق جنابه، وإشفاقا من فضيحته وانتشا به " ولكنه بعد إلحاح طلب إليه أن يعارض: " لعينيك ما يلقى الفؤاد وما لقي " - وفيها البيت:
إذا شاء أن يلهو بلحية أحمق ... أراه غباري ثم قال له الحق والقصة تروى أيضا بمثل هذا النحو في المشرق، ولا يبعد أن تكون البيئة الأندلسية هي مصدرها فإن مكانة المتنبي في الأندلس لم تكن لتقل عنها في المشرق.
وأشد الشعراء الأندلسيين نسجا على طريقة المتنبي في السياق والبناء مع استقلال غير ضئيل في العناصر الذاتية: أحدهما هو عبد المجيد ابن عبدون الذي عاش في كنف المتوكل صاحب بطليموس، بعد أن حاول الحظوة لدى المعتمد بن عباد، فلم يجد لديه قبولا، فلما انتهى عهد الطوائف قضى بقية حياته ببلده يابرة .
فمن شعره الذي يذكر بطريقة أبي الطيب:
هيهات لا أبتغي منكم هوى بهوى ... حسبي أكون محبا غير محبوب
فما أراح لذكرى غير عالية ... ولا ألذ بحب دون تعذيب
ولا أصالح أيامي على دخن ... ليس النفاق إلى خلقي بمنسوب
يا دهر أن توسع الأحرار مظلمة ... فاستثني إن غيلي غير مقروب
ولا تخل أنني ألقاك منفردا ... إن القناعة جيش غير مغلوب ذلك إنه يبنيه على القوة، ويستأنف بعد قطع الكلام بإرسال الحكمة والمثل، إلا أنه قد يخالف المتنبي في فلسفته إذ يقول: " ولا ألذ بحب دون تعذيب "، كما يخالفه ويبتعد عن طريقه في قوله: " إن القناعة جيش غير مغلوب "، ولكن السياق العام في القصيدة فيه احتذاء شديد لأبي الطيب.
ومن نغماته التي يعيد فيها بعض التدفق في أسلوب المتنبي قوله :
فما أبقوا ولا هموا ببقيا ... ونقل الطبع ليس بمستطاع
فلو سقت السماء الشري أريا ... لما احلولت مراعيه لراع
بدهر ضاعت الأحساب فيه ... ضياع الرأي في السر المذاع
فبعتهم بتاتا لا بثنيا ... ولا شرط ولا درك ارتجاع
ولم أجعل قرابي غير بيتي ... وحسبي ما تقدم من قراع
والفرق بينه وبين أبي الطيب ليس في النغمة العامة، وإنما في ان فلسفة تقوم على قوة نفسية مستمدة من الزهد في الناس ومن القناعة وليس هذا من مذهب المتنبي.
وإذا كان ابن عبدون يترسم مبنى المتنبي وحده دون فلسفته فان ابن وهبون يترسم الاثنين معا في مثل قوله :
وإني لفي دهر قرائس أسده ... سدى عبثت فيها نيوب كلاب
أتخفى على الأيام غر مناقبي ... وقد بز شأوي شأو كل نقاب
ويركبني رسم الخمول وقد غدت ... خصال العلا والمجد طوع ركابي
سأرقى بهماتي قصارى مراتبي ... وإن كان أدناها يطيل طلابي
لتعلم أطراف الأسنة أنني ... كفيل لها عند الصدا بشراب
وتشهد أطراف اليراعات أنني ... بهن مصيب فصل كل خطاب
وليس نديمي غير أبيض صارم ... وليس سميري غير شخص كتابي
مضمخة لا بالمخلوق أناملي ... مزعفرة بابعير حرابي
ولكن بنفح بخجل الروض زاهرا ... ولكن بدعس في كلى ورقاب
ومن لم يخضب رمحه في عداته ... تساوت به في الحي ذات خضاب
ومن لم يحل السيف من بهم العدا ... تحلى بخزي في الحياة وعاب
إذا ورق الفولاذ هز تساقطت ... ثمار حتوف أو ثمار رقاب
ومن يتخذ غير الحسام مخالبا ... فما هو إلا وارد بسراب
ومن غره من ذا الأنام تبسم ... فبالعقل قد أضحى أحق مصاب
ولا ريب في أن عبد الجليل أقل عنفا من المتنبي، ولكن حديثه عن أطراف الأسنة وعن صديقيه الحسام والكتاب وعن المخدوعين بالتبسم إنما هو ترديد لمعاني أبي الطيب، أو إن شئت فقل إنه يرى انعكاس صورة أبي الطيب في مرآة أبي فراس الحمداني.
وأما أثر العلاء فواضح كل الوضوح في الاتجاه الفلسفي العام؟ الذي سأتحدث عنه في موضعه - ولكن الأندلسيين أنفسهم يشهدون بمدى إقبالهم على شعره ونثره ومعارضتهما. ولنقف مرة أخرى عند محمد ابن عبد الغفور الكلاعي الذي أورد في كتابه " أحكام صفة الكلام " ثبثا بأسماء ما كان يتداوله الأندلسيون من كتب أبي العلاء. فيحدثنا ابن عبد الغفور كيف اجتمع وصديقا له في بعض المجالس، وأخذا في ضروب الفصاحة فاتهمه صاحبه بأنه لا يعرف كيف يكتب في السلطانيات، فحمله ذلك علي تأليف كتاب على مثال " السجع السلطاني " لأبي العلاء. وكيف تذاكر هو وصاحبه ما لأبي العلاء من تواليف بديعة فقال صاحبه أن ابا العلاء لا يجارى ولا يبارى ولا يعارض في واحد منها، فأحب ابن عبد الغفور ان يثبت تفوقه فكتب رسالة " الساجعة والغربيب " معارضة لرسالة " الصاهل والشاحج " لأبي العلاء، ثم عارضه بتأليف سماه " ثمرة الألباب " مضاهيا بذلك " سقط الزند "، وعرضه في خطبة كتاب الفصيح وهذا جهد معجب واحد من المعجبين بأبي العلاء وهناك آخرون غيره منهم ابن الخصال الذي عارضه في ملتقى السبيل، والسرقسطي الذي تأثر خطاه في المقامات فبناها على لزوم ما لا يلزم، وتأثره ابن خفاجة من حيث الشكل حين استعمل اللزوم في شعره. وليس من السهل ان نمثل على تأثر الأندلسيين بالمبنى الشعري عند ابي العلاء فأن سقط الزند الذي استأثر باهتمامهم فيه الشيء من اثر المتنبي نفسه.
