الإذاعة
الإذاعة
خواطر

المكتبة الشعرية العربية وصياغة المفاهيم ...الفخر في شعر النقائض نموذجًا

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • مصطفى شعبان
    عضو نشيط
    • Feb 2016
    • 12782

    #1

    المكتبة الشعرية العربية وصياغة المفاهيم ...الفخر في شعر النقائض نموذجًا

    المكتبة الشعرية العربية وصياغة المفاهيم ...الفخر في شعر النقائض نموذجًا
    أ. د.أحمد يحيى علي
    أستاذ مشارك الأدب والنقد، كلية الألسن، جامعة عين شمس، مصر




    غرض الفخر من الأغراض الأدبية المعروفة في فن الشعر العربي منذ القدم، ويرتبط هذا الغرض ارتباطًا وثيقًا بالبيئة الاجتماعية العربية التي ترى في الجماعة/القبيلة حصنًا يلوذ به الفرد ويكتسب حضوره من خلاله؛ ومن ثم فإن الاحتفاء بهذا الحصن والدفاع عنه والنيل ممن يسعى للاقتراب منه بسوء يشكل سلوكًا ينسحب من سياق الواقع إلى سياق الفن حيث الإبداع. والقارئ لمعلقة عمرو بن كلثوم – على سبيل المثال- يجد فيها مثالاً واضحًا على هذا الغرض الذي يعكس جزءًا من شخصية العربي في جاهليته:
    - ألا لا يجهلن أحد علينا...فنجهلُ فوق جهل الجاهلينا
    ويبقى هذا الحال الاجتماعي والثقافي وما يترتب عليه من آثار فنية خيطًا رابطًا وواصلا بين أجيال من الشعراء تمثل أبناء لبيئتها ومرآة يُرى فيها ملامحُ هذه البيئة بوضوح؛ ففي عصر بني أمية نجد ظاهرة فنية قُدِّر لها الانتشار؛ ألا وهي ظاهرة النقائض‘ عندما ينسج الشاعر قصيدة على وزن محدد وقافية بعينها تجمع بين الفخر والهجاء؛ فخر بذاته وبحسبه وأصله وهجاء ينتقص وينال من خصم يتوجه إليه بضمير المخاطب. وما على الجماعة إلا الوقوف موقف المتفرج المستمع إلى فعاليات هذه المباراة الفنية المثيرة بين طرفين، والتصفيق بإعجاب سيكون بلا شك حليف الكلمة الحلوة البليغة التي تحمل في ثوب شعري معنى ينطلق كالسهم في اتجاه الطرف الثاني الكائن في الموقع المضاد.
    والحديث عن هذه الظاهرة يأخذ إلى بطلين شهيرين، هما جرير والفرزدق، اللذان تبادلا موقع الفعل ورد الفعل في هذه السجالات الشعرية، ويتشكل مفهوما الفخر والهجاء إبداعيا من خلال الصيغة الشكلية وحركة ضمائر المتكلمين والمخاطبين؛ بوصفها أدوات أسلوبية لنقل المعنى الذي يقصده الشاعر، وهاهو ذا الفرزدق يقول من بحر الكامل وعلى قافية منتهاها حرف الروي الممثل في اللام المضمومة مخاطبًا جرير:
    إن الذي سمك السماء بنى لنا... بيتًا دعائمه أعزُّ وأطولُ
    بيتًا بناه لنا المليكُ وما بنى... حَكَمُ السماءِ فإنه لا يُنقلُ

    في إطار توظيف الفرزدق لضمير المتكلمين "نحن" ولضمير المخاطب "أنت" يقدم رؤية للفخر الذي يتيح له عضوية بارزة في بيئة اجتماعية ترتهن فيها قيمة الفرد – بدرجة كبيرة – بالجماعة القريبة/القبيلة،
    لكن هل سيتعامل جرير في موقع رد الفعل مع هذا الطرح كما هو ؟ أم سيسعى على مستوى الفن إلى تقديم رؤية تتضمن قدرًا من التغيير؟ يمكن تلمس الجواب من خلال هذه الأبيات من قصيدة له على البحر نفسه (الكامل) وعلى قافية منتهاها (اللام المكسورة) يرد بها على الفرزدق:
    لو كنتُ أعلم أن آخر عهدكم يومُ الرحيلِِ فعلتُ ما لم أَفعـــــلِِِ
    أو كنتُ أرهبُ وَشْك بينٍ عاجلٍ... لقنعتُ أو لسألتُ ما لم يُسألِِ
    أعددتُ للشعراء سما ناقعًا.... فسقيتُ آخرهم بكأس الأولِِ
    إذا كان الفرزدق في مفهومه للفخر يحتمي بالفائت، بما صنعته يد الجماعة، ويرتقي على خصمه بهذه الصلة التي يعقدها مع القبيلة يُجلي ذلك استخدامه لضمير المتكلمين (نحن) فإن جرير يسعى إلى النأي بنفسه عن هذه المنهجية في الفكر؛ إنه يخاطب خصمه بضمير المتكلم (أنا) متفاديًا بذلك وبشكل ذكي دنو منزلة وضعف مكانة كانت عليها قبيلته إذا قورنت بجماعة الفرزدق، هذا من جانب، من جانب ثانٍ يحاول بطرح فني يرد به سهام الفزدق أن يقدم ثوبًا فكريًا للفخر يقوم على ما تنجزه الذات من أفعال بنفسها محتفظة بقوة ذهنية ونفسية لا تغادرها مهما طال بها الوقت، يكشف عن ذلك هذا التركيب شديد الجمال من زاوية معناه: "فسقيت آخرهم بكأس الأول"؛ إنه يحتفظ بقدرته على المواجهة مع خصومه دون تراجع أو ضعف؛ فآخر من يواجهه ينال القدر نفسه من الهزيمة التي يلاقيها الأول؛ إن الأول والآخر هاهنا تعطي دلالة على الزمن عند اللقاء/الصراع، وتعطي دلالة على وضعية اجتماعية؛ إن جرأته في المواجهة تتضح جلية في تعامله مع الخصوم على اختلاف شرائحهم، الأول/عالي المنزلة فيهم، والآخر/الأقل منزلة.
    إننا نستطيع وفق هذا الاقتراب مما هو تراثي أن نقول: إن الرؤية التراثية لقضية الفخر بالمُنجز يتنازعها رافدان:
    - الأول: تقليدي يأتي امتدادًا لنظرة الجماعة العربية منذ جاهليتها إلى جماعة الفرد ومنزلتها وحتمية ارتباطه بها ودفاعه عنها في صلة قد تصل إلى حد ذوبان هذا المفرد في المجموع، تأتي مصحوبة بحفاوة بما كان في الماضي..يعبر عن ذلك نص الفرزدق سالف الذكر.
    - الثاني: ذو صبغة مبتكرة إلى حد كبير يقدم معالجة مغايرة لفكرة الفخر بالمُنجز تتأسس على الذات الفردية وما تنتجه من أفعال تكشف عن إمكانات هذه الذات وعن وجود عبقري لابد منه لكل من ينشد تميزًا في داخل السياق،وتتضح هذه الصورة في مرآة الإبداع من خلال هذا الحضور الجاذب للانتباه لضمير المتكلم أنا في نص جرير السابق، وعبر معاني: القوة، والجرأة والصبر والاحتفاظ بطاقة النجاح دون تراجع أو فتور منذ بداية المواجهة حتى نهايتها، كما يُظهر ذلك تعبيره الشعري "فسقيت آخرهم بكأس الأول"، وتقترب رؤية جرير هذه مع فلسفات طرأت على الساحة الفكرية العالمية حديثًا، بعضها تطرف كثيرًا في هذا الاحتفاء بوجود الذات بعيدًا عن أية مرجعيات فكرية سابقة التجهيز قد صدرت من قبل جماعة الفرد المحيطة أو جماعات أخرى مغايرة لها ثقافةً، في مقدمتها بلا شك وجودية جان بول سارتر ومن سار على دربه..
    وما من شك في أن الرؤية التي ترنو إنصافا وشمولية هي تلك التي تحرص على الجمع بين طرفين نقيضين، فلا هي تنحاز إلى الجماعة وتركن إلى ما أنجزته في جمود وتوقف عن العمل وتعطيل لسنن الكون، ولا هي تنفصل عن الجماعة مستقلة بشكل مطلق بأفعالها عنها؛ فالإفادة من عمل السابقين ومن الحاصل أمر ينسجم تمامًا مع واقع البشر وآلية إنجاز الحضارة، والإضافة إليه وتطويره في اعتراف بأهمية دور الفرد في البناء والتقويم مسألة تمنح لهذا الفرد الإنساني قيمة تغلف حضوره؛ بوصفه خليفة الله في أرضه.
يعمل...