سطور في كتاب (76): من كتاب الوساطة بين المتنبي وخصومه للجرجاني

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • مصطفى شعبان
    عضو نشيط
    • Feb 2016
    • 12782

    #1

    سطور في كتاب (76): من كتاب الوساطة بين المتنبي وخصومه للجرجاني

    الشعر علمٌ من علوم العرب
    من كتاب الوساطة بين المتنبي وخصومه للجرجاني



    إن الشعر علمٌ من علوم العرب يشترك فيه الطبعُ والرّواية والذكاء، ثم تكون الدُّرْبَة مادةً له، وقوة لكل واحد من أسبابه؛ فمن اجتمعت له هذه الخصال فهو المحسن المبرِّز؛ وبقدر نصيبه منها تكون مرتبته من الإحسان، ولست أفضّل في هذه القضية بين القديم والمحدث، والجاهلي والمُخضرِم، والأعرابي والمولَّد؛ إلا أنني أرى حاجة المحْدَث الى الرواية أمَسّ، وأجده الى كثرة الحفظ أفقر؛ فإذا استكشفْت عن هذه الحالة وحدت سببها والعلة فيها أن المطبوع الذكي لا يمكنه تناولُ ألفاظ العرب، إلا رِواية؛ ولا طريقَ للرواية إلا السمع؛ وملاكُ الرواية الحفظ، وقد كانت العرب تروي وتحفظ، ويُعرف بعضها برواية شعرِ بعض؛ كما قيل: إن زهيراً كان راوية أوْس، وإن الحُطيْئَة راوية زهير، وإن أبا ذؤيب راوية ساعدة بن جؤيّة؛ فبلغ هؤلاء في الشعر حيثُ تراهم، وكان عبيد راوية الأعشى ولم تُسمَع له كلمة تامة، كما لم يسمع لحسين راوية جرير، ومحمد بن سهل راوية الكميت، والسائب راوية كثيّر؛ غير أنها كانت بالطبع أشدّ ثقة وإليه أكثر استئناساً؛ وأنت تعلم أن العرب مشتركة في اللغة واللسان، وأنها سواء في المنطق والعبارة، وإنما تَفضُل القبيلةُ أختها بشيء من الفصاحة. ثم تجد الرجل منها شاعراً مُفْلقاً، وابنَ عمه وجار جَنابه ولصيقَ طُنُبه بكيئاً مفحَماً؛ وتجد فيها الشاعرَ أشعرَ من الشاعر، والخطيبَ أبلغَ من الخطيب؛ فهل ذلك إلا من جهة الطبع والذكاء وحدّة القريحة والفِطنة!
    وهذه أمور عامة في جنس البشر لا تخصيص لها بالأعْصار، ولا يتّصف بها دهر دون دهر. فإن قلت: فما بالُ المتقدمين خُصّوا بمتانة الكلام وجزالة المنطق وفخامة الشعر، حتى إن أعْلَمَنا باللغة وأكثرَنا رِواية للغريب لو حفظ كلّ ما ضمّت الدواوينُ المرويّة، والكتبُ المصنفة من شعر فحْل، وخبر فصيح، ولفظ رائع - ونحن نعلم أن معظم هذه اللغة مضبوط مرويّ، وجلّ الغريب محفوظ منقول - ثم أعانه الله بأصحّ طبع وأثقب ذهن وأنفذ قريحة، ثم حاول أن يقول قصيدة، أو يقرضَ بيتاً يُقارب شعر امرئ القيس وزهير، في فخامته وقوة أسْره، وصلابة معجَمه لوجده أبعد من العيّوق مُتناولاً، وأصعبَ من الكبريت الأحمر مطلباً؟ قلت: أحلتُك على ما قالت العلماء في حمّاد وخلَف وابن دأْب وأضرابِهم، ممن نحلَ القدماء شعرَه فاندمج في أثناء شعرهم، وغلب في أضعافه، وصعُب على أهل العناية إفرادُه وتعسّر، مع شدة الصعوبة حتى تكلّف فلْي الدواوين واستقراءُ القصائد فنُفِي منها ما لعلّه أمتن وأفخم، وأجمع لوجوه الجوْدة وأسباب الاختيار مما أثبت وقُبِل. وهؤلاء مُحدثون حضريّون، وفي العصر الذي فسد فيه اللسان، واختلطت اللغة وحُظِر الاحتجاجُ بالشعر، وانقضى مَنْ جعله الرواة ساقة الشعراء.
    فإن قلت: فما بالُ هذا النّمط والطريقة، وهذه المنقَبة والفضيلة ينفردُ بها الواحد في العصر وهو مشحون بالشعر، وكان فيما مضى يشمل الدّهْماء ويعم الكافة؟ قلت لك: كانت العرب ومَنْ تبعها من السلَف تجري على عادةٍ في تفخيم اللفظ وجمال المنطق لم تألفْ غيرَه، ولا أنِسها سواه، وكان الشعرُ أحدَ أقسام منطقها، ومن حقّه أن يُختص بفضل تهذيب، ويُفرَد بزيادة عناية، فإذا اجتمعت تلك العادة والطبيعة، وانضاف إليها التعمّل والصنعة خرج كما تراه فخماً جزْلاً قوياً متيناً.
    وقد كان القومُ يختلفون في ذلك، وتتباينُ فيه أحوالهم، فيرقّ شعرُ أحدهم، ويصلُب شعرُ الآخر، ويسهل لفظُ أحدهم، ويتوعّر منطقُ غيره؛ وإنما ذلك بحسَبِ اختلاف الطبائع، وتركيب الخلْق؛ فإن سلامةَ اللفظ تتبعُ سلامة الطبع، ودماثة الكلام بقدر دماثة الخِلقة. وأنت تجدُ ذلك ظاهراً في أهل عصرك وأبناء زمانك، وترى الجافي الجِلْف منهم كزّ الألفاظ، معقّد الكلام، وعْر الخطاب؛ حتى إنك ربما وجدتَ ألفاظه في صوته ونغمته، وفي جرْسه ولهجته. ومن شأن البداوة أن تُحْدث بعض ذلك؛ ولأجله قال النبي صلى الله عليه وسلم: مَنْ بَدا جَفا. ولذلك تجد شعر عَديّ - وهو جاهلي - أسلسَ من شعر الفرزدق ورجَز رؤبة وهما آهلان؛ لملازمة عديّ الحاضرة وإيطانه الريف، وبُعده عن جلافة البدْو وجفاء الأعراب، وترى رقةَ الشعر أكثرَ ما تأتيك من قِبَل العاشق المتيّم، والغزِل المتهالك؛ فإن اتفقت لك الدماثةُ والصّبابة، وانضاف الطبعُ الى الغزل؛ فقد جُمِعت لك الرقةُ من أطرافها.
    فلما ضرب الإسلام بجِرانه، واتسعت ممالك العرب، وكثُرت الحواضر، ونزعت البوادي الى القرى، وفشا التأدّب والتظرّف اختار الناسُ من الكلام ألينَه وأمهَله، وعمَدوا الى كل شيء ذي أسماء كثيرة اختاروا أحسنَها سمعاً، وألطفها من القلب موقِعاً؛ والى ما للعرب فيه لغاتٌ فاقتصروا على أسلسها وأشرفها؛ كما رأيتهم يختصرون ألفاظ الطويل؛ فإنهم وجدوا للعرب فيه نحواً من ستين لفظة؛ أكثرها بشِع شنع؛ كالعشنّط والعنَطْنَط والعشنّق، والجسْرَب والشّوْقَب والسّلْهب والشّوْذب، والطّاط والطّوط، والقاق والقوق، فنبذوا جميع ذلك وتركوه، واكتَفوا بالطويل لخفّته على اللّسان، وقلة نبُوّ السمع عنه. وتجاوزوا الحدّ في طلب التسهيل حتى تسمّحوا ببعض اللّحن، وحتى خالطتهم الركاكة والعُجْمة، وأعلنهم على ذلك لينُ الحضارة وسهولةُ طباع الأخلاق، فانتقلت العادة، وتغير الرّسم، وانتسخت هذه السنة، واحتذَوا بشعرهم هذا المثال، وترقّقوا ما أمكن، وكسَوا معانيَهم ألطفَ ما سنح من الألفاظ، فصارت إذا قيسَت بذلك الكلام الأول يتبيّن فيها اللين، فيُظَنّ ضعفاً، فإذ أُفرِد عاد ذلك اللّين صفاءً ورونقاً، وصار ما تخيلته ضعفاً رشاقة ولُطفاً؛ فإن رام أحدُهم الإغراب والاقتداءَ بمَن مضى من القدماء لم يتمكن من بعض ما يرومه إلا بأشدّ تكلّف، وأتم تضنع؛ ومع التكلف المقْت، وللنفس عن التصنّع نُفْرة، وفي مفارقة الطبع قلةُ الحلاوة وذهاب الرونق، وإخلاقُ الديباجة.
    وربما كان ذلك سبباً لطَمْس المحاسن؛ كالذي نجده كثيراً في شعر أبي تمام، فإنه حاول من بين المحدَثين الاقتداءَ بالأوائل في كثير من ألفاظه، فحصل منه على توعير اللفظ، فقبح في غير موضع من شعره، فقال:
    فكأنّما هي في السّماع جنادِلٌ ... وكأنّما هي في القلوب كَواكبُ
    فتعسّف ما أمكن، وتغلغل في التصعّب كيف قدر، ثم لم يرضَ بذلك حتى أضاف إليه طلَب البديع، فتحمّله من كل وجْه، وتوصّل إليه بكل سبب، ولم يرض بهاتين الخَلتين حتى اجتلب المعاني الغامضة، وقصد الأغراض الخفيّة، فاحتمل فيها كل غثٍّ ثقيل، وأرْصد لها الأفكار بكل سبيل؛ فصار هذا الجنسُ من شعره إذا قرع السمعَ لم يصل الى القلب إلا بعد إتعاب الفِكْر، وكدّ الخاطر، والحَمْل على القريحة؛ فإن ظفر به فذلك من بعد العناء والمشقة، وحين حسَره الإعياء، وأوْهن قوّتَه الكَلال. وتلك حالٌ لا تهَشّ فيها النفس للاستماع بحسَن، أو الالتذاذُ بمُستظرف؛ وهذه جريرةُ التكلف! ولست أقول هذا غضّاً من أبي تمام، ولا تهْجيناً لشعره، ولا عصبيّة عليه لغيره. فكيف وأنا أدينُ بتفضيله وتقديمه، وأنتحلُ موالاتَه وتعظيمه، وأراه قِبْلة أصحاب المعاني، وقُدْوة أهلِ البديع! لكن ما سمعتني أشترطُه في صدْر هذه الرسالة أنه يُحْظر إلا إتباع الحق وتحرّي العدل والحكم به لي أو عليّ. وما عدوْت في هذا الفصل قضية أبي تمام، ولا خرجت عن شرطه أن يقول في يوصف السراج شاعر مصر في وقته:
    فلو تُبش المقابر عن زهير ... لعوّل بالبكاء وبالنّحيب
    متى كانت مَعانيه عِيالاً ... على تفسير بُقراط الطبيب
    وكيف لم يزل للشعر ماءٌ ... يرِفّ عليه ريحانُ القُلوبِ
    فخبّرني هل تعرفُ شعراً أحوج الى تفسير بقراط وتأويل أرسطوليس من قوله:
    جهميّةُ الأوصاف إلا أنهم ... قد لقّبوها جوْهَرَ الأشياء
    وقوله:
    يومٌ أفاض جوى أغاضَ تعزِّيا ... خاض الموى بحْرَيْ حجاه المزبِد
    وأيّ شعر أقلّ ماء، وأبعد من أن يرِفّ عليه رَيْحان القلوب من قوله:
    خشُنْتِ عليه أخت بني الخُشَيْن ... وأنجح فيك قول العاذِلَيْنِ
    ألمْ يُقْنعك فيه الهجرُ حتى ... بكَلْت لقلبه هجرا ببَيْن
    فهل رأيت أغثّ من بكلت في بيت نسيب! ومن قوله:
    أأطلالَ الرسوم لطالَما قد ... أطلّت منك أجيادُ الظباء
    بها شُغِلت دبابيج البهاء ... فضحوَة وجهها نشر الضَّحاء
    لنا أيام لم تُدْمِ الليالي ... بذكر البَيْن عِرنينَ الصفاء
    فأضحى البينُ لا يرضَى لطَرْفي ... نواه بالبكيِّ من البكاء
    لقد طلع الفراقُ على ابن صبْري ... فأثكَله جلابيبَ العَزاء
    فالعجب كل العجب من خاطرٍ قدح بمثل قوله:
    أأيامَنا ما كُنتِ إلا مَواهبا ... وكنتِ بإسعاف الحبيبِ حَبائبا
    سنُغرِب تجديداً لعهْدِك في البُكا ... فما كنتِ في الأيام إلا غرائبا
    ومعتَركٍ للشوق أهدي به الهوى ... الى ذي الهوى نُجْلَ العيون ربائبا
    كواعب زارت في ليالٍ قصيرة ... يخيّلْن لي من حُسْنِهنّ كَواعبا
    سلَبْن غِطاء الحُسْن عن حُرِّ أوْجُهٍ ... تظل للُبِّ السّالِبيها سوالبا
    وجوهٌ لو أن الأرض فيها كواكب ... توقّدُ للساري لكانت كواكِبا
    وقوله:
    ولقد أراكَ فهل أراكَ بغبطة ... والعيشُ غضٌّ والزمانُ غلامُ
    أعوام وصْلٍ كان يُنسي طولَها ... ذكرُ النوى، فكأنها أيامُ
    ثم انبرت أيامُ هجْرٍ أردفَتْ ... بجَوى أسى، وكأنها أعوامُ
    ثم انقضت تلك السنون وأهلها ... فكأنها وكأنهم أحْلامُ
    كيف يتصور فيه ذلك الكلام الغثّ! وأعجب من ذلك شاعر يرى هذه الغُرَر في ديوانه كيف يرضى أن يقرن إليها تلك الغُرَر! وما عليه لو حذف نصف شعره، فقطع ألسنَ العيب عنه، ولم يشْرَعْ للعدوّ باباً في ذمّه!
    ومن جنايات هذا الاختيار على أبي تمام وأتباعِه أن أحدَهُم بينا هو مسترسِل في طريقته، وجارٍ على عادته يختلِجه الطّبع الحَضري، فيعدل به متسهلاً، ويرمي بالبيت الخَنث، فإذا أُنشد في خِلال القصيدة، وُجِد قلقاً بينها نافراً عنها؛ وإذا أُضيف الى ما وراءه وأمامه تضاعفت سُهولته، فصارت رَكاكة. وربما افتتح الكلمة وهو يجري مع طبْعه، فينظم أحسن عِقْد، ويختال في مثل الروضة الأنيقة، حتى تعارضه تلك العادةُ السيئة فيتسنّم أوْعرَ طريق، ويتعسّف أخشن مرْكب، فيطمس تلك المحاسن، ويمحو طُلاوة ما قد قدّم؛ كما فعل أبو تمام في كثير من شعره؛ ومنه قوله:
    لو حار مرتادُ المنية لم يجد ... إلا الفراقَ على النفوس دليلا
    قالوا الرحيل؛ فما شككت بأنها ... نفسي من الدنيا تريدُ رَحيلا
    الصبر أجملُ غير أنّ تلذذاً ... في الحب أحرى أن يكون جَميلا
    أتظنني أجد السّبيل الى العَزا ... وجد الحِمام إذاً إليّ سبيلا
    ردّ الجَموحِ الصّعبِ أسهلُ مُطلبا ... ؤمن ردّ دمْعٍ قد أصابَ مَسيلا
    ذكرتكُم الأنواء ذِكْرى بعضكم ... فبكت عليكم بُكْرةً وأصيلا
    إني تأملت النوى فوجدتها ... سيفاً على أهل الهوَى مسلولا
    ثم عدل عن النسيب فقال:
    لو جاز سلطان القُنوع وحُكْمه ... في الخلق ما كان القليلُ قليلا
    من كان مَرْعى عزمِه وهمومه ... روضَ الأماني لم يزَل مهزولا
    فهو كما تراه يعرض عليك هذا الديباج الخُسْرُواني، والوشي المنمنم، حتى يقول:
    لله درُّك أيُّ مِعْبر قَفْرَةٍ ... لا يوحشُ ابنَ البيضة الإجْفيلا
    أو ما تراها لا تراها هزة ... تشْأى العيون تعجرُفاً وذَميلا
    فنغّص عليك تلك اللذة، وأحدث في نشاطك فترة؛ وهذه الطريقة أحد ما نُعِي على أبي الطيّب، وسنقول فيها وفي غيرها إذا استوفينا هذه المقدمة. ولو لم تكن هذه الأبيات متناسقة مقترنة، ولم يكن يجمعها قصيدة، وتسمع في حال واحدة لكان أخفى لعَيبِها، وأسترَ لشيْنها؛ فإنك تعلم بُعد ما بين قوله:
    كادت لعِرْفان النوى ألفاظها ... من رِقّةِ الشكوى تكونُ دُموعا
    وقوله:
    هنّ البجاريُّ يا بُجَيْرُ ... أهدى لها الأبؤس الغُوير
    وقوله:
    أهيسٌ أليسٌ لجّاء إلى هِممٍ ... تغرق الأسد في آذيّها اللِّيسا
    لكنها افترقت فغابت، ولم تقترن فتُعرَف وتُشْهَر.
    ومتى سمعتَني أختارُ للمحدَث هذا الاختيار، وأبعثَهُ على الطبع، وأُحسِّن له
    التسهيل؛ فلا تظنن أني أريدُ بالسّمْح السّهل الضعيفَ الركيك، ولا باللطيف الرشيق الخنِثَ المؤنث؛ بل أريد النّمَط الأوسط؛ ما ارتفع عن الساقط السّوقيّ، وانحط عن البدويّ الوحشي، وما جاوز سَفْسَفة نصْر ونُظرائه، ولم يبلغ تعجرُف هِمْيان بن قُحافة وأضرابه؛ نعم، ولا آمرُك بإجراء أنواع الشعر كلّه مُجرى واحداً، ولا أن تذهب بجميعه مذهبَ بعضِه؛ بل أرى لك أن تقسّم الألفاظ على رتَب المعاني، فلا يكون غزلك كافتخارك، ولا مديحُك كوعيدك، ولا هجاؤك كاستبطائك؛ ولا هزْلك بمنزلة جِدِّك، ولا تعريضُك مثل تصريحك؛ بل ترتّب كلاً مرتبتَه وتوفّيه حقّه، فتلطِّف إذا تغزّلت، وتُفخِّم إذا افتخرت، وتتصرّف للمديح تصرُّف مواقعه؛ فإن المدح بالشجاعة والبأس يتميّز عن المدح باللباقة والظّرف، ووصف الحرب والسلاح ليس كوصف المجلس والمُدام؛ فلكل واحد من الأمرين نهْج هو أمْلك به، وطريق لا يشاركه الآخر فيه.
    وليس ما رسمتهُ لك في هذا الباب بمقصور على الشعر دون الكتابة، ولا بمختصّ بالنظم دون النثر؛ بل يجب أن يكون كتابك في الفتح أو الوعيد خلافَ كتابك في التشوق والتهنئة واقتضاء المواصلة، وخطابك إذا حذّرت وزجرت أفخم منه إذا وعدت ومنّيت.
    فأما الهجو فأبلغُه ما جرى مجْرى الهزل والتهافت، وما اعترض بين التصريح والتعريض، وما قرُبت معانيه وسهُل حفظه؛ وأسرع عُلوقُه بالقلب ولُصوقه بالنفس؛ فأما القذْف والإفحاش فسِباب محض، وليس للشاعر فيه إلا إقامة الوزن وتصحيح النظم.
    وإذا أردتَ أن تعرف موقعَ اللفظ الرشيق من القلب، وعِظَم غَنائه في تحسين الشعر، فتصفّح شعر جرير وذي الرّمة في القدماء، والبحتري في المتأخرين، وتتبّع نسيب متيّمي العرب، ومتغزّلي أهلِ الحجاز؛ كعُمر، وكُثيّر، وجميل، ونُصَيب، وأضرابهم، وقسْهم بمَن هو أجود منهم شعراً، وأفصح لفظاً وسبكاً؛ ثم انظر واحكم وأنْصف، ودعْني من قولك: هل زاد على كذا! وهل قال إلا ما قاله فلان! فإن روعة اللفظ تسبق بك الى الحكم، وإنما تفضي الى المعنى عند التفتيش والكشف. ومِلاكُ الأمر في هذا الباب خاصة تركُ التكلّف ورفضُ التعمّل والاسترسالُ للطبع، وتجنّب الحمْل عليه والعنف به؛ ولستُ أعني بهذا كلّ طبْع، بل المهذّب الذي قد صقله الأدب، وشحذَتْه الرّواية، وجلَتْه الفِطنة، وأُلْهِمَ الفصل بين الرديء والجيد، وتصوّرَ أمثلة الحسن والقبح.
يعمل...