إن الجَمَالَ بِحُسْنِهَا يَتَجَمَّلُ!..عن ملكة اللغات أتحدَّثُ...

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • مصطفى شعبان
    عضو نشيط
    • Feb 2016
    • 12782

    #1

    إن الجَمَالَ بِحُسْنِهَا يَتَجَمَّلُ!..عن ملكة اللغات أتحدَّثُ...

    إن الجَمَالَ بِحُسْنِهَا يَتَجَمَّلُ!..عن ملكة اللغات أتحدَّثُ...
    د. مصطفى شعبان




    عن ملكة اللغات أتحدَّثُ، عن سيِّدة البيان أتكلم...عن اللغة العربية أقول..!
    -------------------------------
    كان الناسُ أمَّةً واحدةً فاختلفوا وتَدَافَعُوا فَتَنَافَرُوا وتهاجَرُوا، وضَرَبوا في الأرضِ فعَمَرُوهََا، وتبوَّؤوا فيها دُورًا، واتخذوا مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا، فأَصْفَى اللهُ كلَّ أمةٍ بِخِصِّيصَى، وقسمَ لكلٍّ قسمةً ليستْ بِضِيزى، فأمةٌ تَتَفَاخَرُ بمُلكٍ أَثِيرِ هباتِ اللهِ الآمنةِ مِنَ الهلاكِ، وأمَّةٌ تختالُ بِعَظَائِمِ تَدْبِيرِهَا في الحُكْمِ والسَّوْسٍ بلا فِكَاكٍ، وأمَّةٌ تَتِيهُ بِصَنَائِعَ عزَّ أنْ يذْرَأَ الزمانُ لها نظيرًا في الأفلاكِ، وأمَّةٌ تتعالى بجُيُوشِهَا المُجَنْدَلَة وجنودِهَا المجنَّدَة التي لا تغيبُ الشُّمُوسُ عَنْ ممالكِهَا، ولا تجِفُّ دماءُ الآلهةِ مِنْ عُرُوقِ أباطِرَتِهَا!!!
    وكانت أمةُ العربِ مُسْتَوْحَشَةً بينَ الأممِ، فلا مُلكَ يجمَعُهُم، ولا مُجْتَمَعَ يَزْوِيهمْ سِوَى بَيْدَاءَ فَيْفَاءَ سَحْمَاءَ، فيها مُسْتَقَرُّهُمْ، ومنها مُسْتَوْدَعُهُمْ، فقَشْعٌ (بيتٌ من أَدَمٍ) يُؤْوِيهِمْ، وضِرْعٌ يُغَذِّيهِمْ، وسَيْفٌ يَحْمِيهِمْ، تَعْمَلُ فيهِمُ الكَلِمَةُ ما لا يَعْمَلُهُ سَّيْفٌ في جَسَدٍ، ويَطْعُنُ فيهمُ الهَجْوُ ما لا يَفعَلُهُ رُمْحٌ في رَمِيَّةٍ، وتَسْتَنْفِرُهُمُ النَّدْوَةٌ فَيَسْعَونَ إليها بَغْيًا وَعَدْوًا وطَيَرانًا، إِذَا الشَّرُّ أَبْدَى نَاجِذَيْهِ لَهُمْ ... طَارُوا إِلَيْهِ زَرَافَاتٍ ووُحْدَانَا، لا يلوِي على شيءٍ إذا خَفَر أحدُهُم جِوَارَهُ، ولا يُبْقِي على شيءٍ حتى يُدْرِكَ ثَأْرَهُ، يُدَمْدِمُ القبيلةَ على رأسِهَا لِهَيِّنٍ حَزَبَهُ مِنْ أَمْرِهَا فَسَوَّاها، ويُفْنِيهَا طُرًّا عَنْ بَكْرَةِ أبيهِا ولا يخافُ عُقْبَاها، يتنافسون في القِرَى ويَتَبَاهَوْنَ بالكَرَم،
    فبِأَبِهِ اقْتَدَى عَدِيٌّ في الكَرَمْ.....وَمَنْ يُشابِهُ أَبَهُ فَما ظَلَمْ!
    يأتيه الرَّجُلُ مُسْتَجِيرًا ولا وَضَمَ في بَيْتِهِ ولا شَعَرَ، فَيَفْزَعُ إلى نَاقَتِهِ التي عليها رَكُوبُهُ وحَمُولُهُ، وتَعَاطَى سَيْفَهُ فَعَقَرَ.
    فشاء اللهُ أنْ يَبْعَثَ هذه الأمةَ مِنْ أَجْدَاثِهَا سِراعًا بعدَ رَقْدَةٍ طويلةٍ في مَقْبَرَةِ الأمَمِ، وأرادَ أنْ يرفعَ بها دِينَ القَيِّمَةِ، ويُقِيمُ به البيِّنةَ، فنظر فيما بينَ أيدِيهِمْ فلمْ يجِدْ سوى لغةٍ قدْ أخْرَجَتْ شطْأهَا، واسْتَوتْ على سُوقِهَا، فَمَدَّ الله بُنْيَانَهَا وزيَّنَهَا فما لها مِن فُرُوجٍ، وألْقَى فِيهَا مِنْ أسْبَابِ الخُلودِ رَوَاسِيَ شامخاتٍ، وأنبتَ في بَيَانِهَا مِنْ كُلِّ زوجٍ بهيجٍ، وجَعَلَهَا لسَانَ البَيَانِ الخَاتَمِ فَسَطَعَ به نُورُهَا وتَلألأ شُروقُهَا، وبَلَغَ مجدُهَا السماءَ لمَّا بسَقَتْ بِصُروُفِ بلاغَتِهِ فُرُوعُهَا، ورَسَخَتْ بِضُرُوبِ فَصَاحَتِهِ عُرُوقُهَا، وعَظُمَ بِتَبَؤُّئِهَا عَرَشَ اللُّغاتِ فَخْرُها فما فوقَ البَسِيطَةِ فَخْرٌ يفُوقُهَا، حيثُ الجلالُ قد رَسَتْ على مُلكِها هِضَابُهُ، والجمالُ قدِ الْتَحَفَتْ بِزِينَتِهَا قِبَابُه، ولمَّا شَنَّفَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلمَ ببلاغَتِهَا الأسماعَ، طارتْ حتى لم يَبْقَ طَائِرٌ في سَمَائِهَا إلا سَجَعَ بها وصَدَحَ، ولا شِهابُ دُجُنَّةٌ إلا اقْتَبَسَ مِنْ نُورِهَا واقْتَدَحَ، صلوات ربي عليه:
    بَكَت لَهُ اللُغَةُ الفُصحى وَحَقَّ لَهُ .... بُكاءَ كُلِّ كَلامٍ جاءَ عَن مُضَر..!
    ثم شاءَ اللهُ أنْ تَتَقَلَّبَ الفُصْحَى مِنَ الأَصْلابِ الطَّاهِرَةِ إلى الأرحام الطَّاهِرَةِ فَذَرَأَ لها مِنْ أرْبَابِ البَيَانِ شُعَرَاءَ وكُتَّابًا في كُلِّ عَصْرٍ يُعِيدون ما انطَمَسَ مِنْ مَعَالِمِهَا، ويُجَدِّدُونَ ما دَرَسَ مِنْ مَحَاسِنِهَا...:
    وبكلِّ أرضٍ تستنيرُ بذكرها ... خُطَبٌ منَ الفصحاءِ أو أشعارُ..!
    فخلَفَ مِنْ بعدهم خَلْفٌ أضَاعُوا اللغةَ واتبَّعوا الدَّعةَ مِنْ لُعَاعَاتِ لهجاتٍ سَقِيمَةٍ أَوْجَبَها على الأمةِ فسادُ خلاقٍ أو فرضَهَا خُبْثُ مُسْتَعْمِرٍ، فَمَكروا بالعربيةِ مكرًا كُبَّارًا، وقالوا: لا تذرُنَّ لُغةً ولا فَصَاحةً ولا بَلاغةً، وشاءوا أنْ يجيئوا بها مِن حَسِّهِمْ وبَسِّهِمْ، يبغُونها عِوَجًا، لتستقيمَ-كما زعموا- معَ حاجةِ العَصْرِ و متطلباتِ المِصْرِ، يزعمونَ أنهم بذلك قدْ أَسْدَوا للفُصحى خِدمةً غاليةً، ويالَيْتَهَا كانتْ عَلَيْهِمُ القَاضِيَةَ.. فشَرُّ الرَّعَاءِ الُحْطَمَةُ، ...فقاموا في هدمها بكل مِعْوَلٍ، وجاؤوا بالضَّلالِ ابنِ السَّبَهْلَلِ، وانطلقوا على حُماة العربيةِ ورِجَالها ومَعَاقِلِهَا بأقلامِهِمْ وأقْوَالِهِمْ يُفَجِّرُونها تَفْجِيرًا، وكانُوا عليها وعَلَينَا شَرًّا مُسْتَطِيرًا، لولا قَدَرُ اللهِ السابقُ، وقَضَاؤُهُ الغالبُ :
    كَم ذادَ عَنْ حَوزَةِ الفُصْحى دُعاةَ هَوىً .... تَكادُ فِتنَتُهم تُودِي بِها بَدَدا!
    ونافِخٌ آخرُ جاء في يومنا ينفُخُ في سَاحَاتِ الأَدَبِ كِيرًا، ويصُولُ ويجُولُ في حَلْبَتِهَا يحسَبُ أنه على شيءٍ، ويزعم أنَّ العربيةَ لا تَرْقَى لتَكُونَ لُغةَ العِلْمِ، ولا لغةَ الحضارةِ، ورَاحَ وغَدَا يَنْفُثُ سُمُومَ التَّغْرِيبِ والفَرْنَجَةِ في رُوعِ الشَّبَابَ والسَّاسَةِ، ومَا هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا..! ويدعو لِعَوْدَةِ كُلِّ أمةٍ إلى سِيرَتِهَا الأُولى، فهذهِ فِرْعَونِيَّةٌ، وهذهِ قِبْطِيَّةٌ، وهذهِ أَمَازِيغِيَّةٌ، وهذه فرانكفونيةٌ، ويَسْتَمِيتُ في أُمْنِيَتِهِ اسْتِمَاتَةَ أَجْوَعَ مِنْ قُرَادٍ، ويَسْتَبْسِلُ في دَعْوَتِهِ بمنطقٍ أفصحَ منْ قُسِّ بن إيادٍ.
    فكان هؤلاء وأولئك كجَنْدَلَتَينِ اصْطَكَّتَا، فلا نَقَصُوا مِنَ العربيةِ بُرَّةً ولا هزُّوا من رأسِها شعرةً..وكانوا:
    كَناطِحٍ صَخرَةً يَوماً لِيَفلِقَها..... فَلَم يَضِرها وَأَوهى قَرنَهُ الوَعِلُ
    ولهم يقول القائل:
    يا أَيُّها التَيْسُ المجمَّرُ قل مَتى .... حُزت السِباقَ بِحَلْبَةِ الفُصَحَاءِ!
    لكنَّ سنةَ الله قضَتْ أنَّ الأرضَ لا تخلُو مِنْ قَائِمٍ بالحُجَّةِ إلى أَوَانِ الانْتِهَاءِ، والعَرَبِيَّةُ مِنْ دَعَائِمِ شَرِيعَةِ اللهِ الغَرَّاءِ، فكانَ أنْ أقامَ اللهُ لها مَنْ يُقِيمُ على أهْلِهَا بها الحُجَّة، ويُظهِرُ بجَلالِ بَيَانها لهُمُ أنْوَارَ المحجَّة، و:
    ويجددُ العربيةَ الأولى وقدْ .....صارتْ بغفلةِ أهْلِهَا آثَارا
    ورحم الله القائل:
    لَنْ تَرْجِعَ العَرَبِيَّةُ الفُصْحَى إِلَى..... مَا كَانَ مِنْهَا فِي الزَّمَانِ الأَقْدَمِ
    مَا لَمْ يَعُدْ ذَاكَ الزَّمَانُ وَأَهْلُهُ.....وَالعَادُ وَالأَخْلاقُ حَتَّى جُرْهُمِ
يعمل...