مجالي الاستصحاب عند النحاة العرب (6): ابن يعيش (ت 643 هـ)
د. تامر عبدالحميد أنيس
استعمل ابن يعيش مصطلح (الاستصحاب) في شرحه على المفصَّل مرتينِ فقط:
الأولى: في قولِه - بعد أن ذكر أنَّ أصلَ الأفعال البناءُ، وبَيَّنَ علةَ إعراب المضارع -: "فإذا أمرنا منه [أي من المضارع]، ونزَعْنا حرفَ المضارعة مِن أوله، فقلنا: اضرِبْ، اذهَبْ، فتتغير الصورة والبِنْية التي ضارَع بها الاسمَ، فعاد إلى أصله مِن البناءِ استصحابًا للحال الأُولى"[1].
والثانية: في قوله: "وأما (فعلى)، فلا نَعلمهم غيَّروه، بل أتَوا به على الأصل، والشيء إذا جاء على أصله فلا عِلة له ولا كلام أكثر مِن استصحاب الحال، وأما إذا خرَج عن أصله، فيسأل عن العلة الموجبة لذلك؛ فاعْرِفه"[2].
كما أنه أضاف في التعبير عن مفهوم الاستصحاب تعبيرًا جديدًا هو (انكشاف الأصل)، وذلك قوله عن خبر (عسى): "ولا يكون الخبر إلا فعلًا مستقبلًا مشفوعًا بأن الناصبة للفعل: ï´؟ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ ï´¾ [المائدة: 52]، فزِيدَ [في (عسى زيد أن يقوم)] اسم (عسى)، وموضع أن مع الفعل نصب؛ لأنه خبر، والذي يدل على ذلك قولُهم: (عسى الغُوَيْرُ أبؤسًا)[3]، والمرادُ أن يَبْأَسَ، فقد انكشَف الأصل، كما انكشَف أصل (أقام) و(أطال) بقوله:
صَدَدْتِ فأَطْوَلْتِ الصُّدودَ وقلَّما ♦♦♦ وِصالٌ على طُولِ الصُّدودِ يَدُومُ[4]"[5].
فمرادُه بانكشافِ الأصل ظهورُ الأصل، وظهورُ الأصل في كلام يعني أنَّ هذا الكلام جاء على أصله.
ويضاف إلى ذلك استعمالُه لمراعاةِ الأصل؛ كما في قوله عن نحو: (بُوْيِعَ زيد) و(سُوْيرَ خالد):
"قد عُلِمَ أنه متى اجتمعتِ الواو والياء في الثاني؛ نحو: طويته طيًّا، وشويته شيًّا، وها هنا قد اجتمعَتَا على ما ترى، ومع ذلك لم تُقلَب وتُدغَم؛ لأنَّ الواو مَدَّة منقلبة مِن ألف (ساير) و(بايع)، فكما لا يصحُّ الإدغام في (ساير) و(بايع)، فكذلك لا يصحُّ في (فُوْعِلَ) منه؛ مراعاةً للأصل وإيذانًا بأنه منه"[6].
كما أنه استعمَل تعبيرين مشهورين عند سابقيه، وهما: عدم التغيير والبقاء على الحال، وذلك في قوله: "الذي يُفارِق به المبتدأُ الفصلَ ها هنا أنَّ الضمير إذا كان مبتدأً، فإنه يُغيِّر إعراب ما بعده، فيَرفعه البتةَ بأنه خبرُ المبتدأ، وإذا كان فصلًا لا يُغير الإعراب عمَّا كان عليه، بل يبقى على حاله، كما لو لم يكن موجودًا، فتقول في المبتدأ: كان زيدٌ هو القائم، ترفع بعد أن كان منصوبًا، وتكون الجملة في موضع الخبر"[7].
وأحيانًا يُعبِّر عن الاستصحاب بنحو: الدليل على الحكم أنَّ الأصل كذا، كما سبق عند العُكْبَري، ويتَّضح ذلك المسألة التالية:
ذهب ابن يعيش إلى أنَّ متعلَّق الظرفِ الواقع خبرًا يُقدَّر فِعْلًا، وذكر أنَّ الأكثر على هذا، وقال: "ويدل على ذلك أمران: أحدُهما: جوازُ وقوعِه صلةً؛ نحو قولك: الذي في الدارِ زيدٌ، والصلة لا تكون إلا جملة...، والأمر الثاني: أنَّ الظرف والجار والمجرور لا بدَّ لهما مِن متعلَّق به، والأصل أن يتعلق بالفعل، وإنما يتعلق بالاسم إذا كان في معنى الفعل ومِن لفظه، ولاشك أنَّ تقدير الأصل الذي هو الفعل أَولى"[8].
ثم ذكر المذهبَ الثاني، وهو أنَّ المحذوف المقدَّر اسم، وأنَّ الإخبار بالظرف مِن قبيل المفردات، قال: "والحُجة في ذلك أنَّ أصل الخبر أن يكونَ مفردًا على ما تقدَّم، والجملة واقعةٌ موقعَه، ولا شك أنَّ إضمار الأصل أَولى»[9].
ويلاحظ أنَّ كلا الفريقينِ قد اعتمَد على قاعدةٍ توجيهية واحدة، وهي أنَّ تقدير الأصل أَوْلَى، وإنما جاء الاختلاف مِن جهة الأصل المعتَبر عند كُلٍّ.
_______
[1] شرح المفصل 7/ 61.
[2] السابق 10/ 113.
[3] مجمع الأمثال للميداني 2/ 341؛ تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، ط/ عيسى البابي الحلبي وشركاه.
[4] البيت منسوب إلى عمر بن أبي ربيعة في الكتاب 1/ 31، وهو في ديوانه ص376؛ شرح ديوان عمر بن أبي ربيعة، شرحه وقدَّم له عبدالأعلى علي مهنا ط/ دار الكتب العلمية بيروت - لبنان، الأولى 1406هـ - 1986م، ونسبه في الخزانة إلى المرار الفقعسي 10/ 231.
[5] شرح المفصل 7/ 116.
[6] السابق 7/ 71.
[7] السابق 3/ 112.
[8] شرح المفصل 1/ 90.
[9] السابق 1/ 90.
د. تامر عبدالحميد أنيس
استعمل ابن يعيش مصطلح (الاستصحاب) في شرحه على المفصَّل مرتينِ فقط:
الأولى: في قولِه - بعد أن ذكر أنَّ أصلَ الأفعال البناءُ، وبَيَّنَ علةَ إعراب المضارع -: "فإذا أمرنا منه [أي من المضارع]، ونزَعْنا حرفَ المضارعة مِن أوله، فقلنا: اضرِبْ، اذهَبْ، فتتغير الصورة والبِنْية التي ضارَع بها الاسمَ، فعاد إلى أصله مِن البناءِ استصحابًا للحال الأُولى"[1].
والثانية: في قوله: "وأما (فعلى)، فلا نَعلمهم غيَّروه، بل أتَوا به على الأصل، والشيء إذا جاء على أصله فلا عِلة له ولا كلام أكثر مِن استصحاب الحال، وأما إذا خرَج عن أصله، فيسأل عن العلة الموجبة لذلك؛ فاعْرِفه"[2].
كما أنه أضاف في التعبير عن مفهوم الاستصحاب تعبيرًا جديدًا هو (انكشاف الأصل)، وذلك قوله عن خبر (عسى): "ولا يكون الخبر إلا فعلًا مستقبلًا مشفوعًا بأن الناصبة للفعل: ï´؟ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ ï´¾ [المائدة: 52]، فزِيدَ [في (عسى زيد أن يقوم)] اسم (عسى)، وموضع أن مع الفعل نصب؛ لأنه خبر، والذي يدل على ذلك قولُهم: (عسى الغُوَيْرُ أبؤسًا)[3]، والمرادُ أن يَبْأَسَ، فقد انكشَف الأصل، كما انكشَف أصل (أقام) و(أطال) بقوله:
صَدَدْتِ فأَطْوَلْتِ الصُّدودَ وقلَّما ♦♦♦ وِصالٌ على طُولِ الصُّدودِ يَدُومُ[4]"[5].
فمرادُه بانكشافِ الأصل ظهورُ الأصل، وظهورُ الأصل في كلام يعني أنَّ هذا الكلام جاء على أصله.
ويضاف إلى ذلك استعمالُه لمراعاةِ الأصل؛ كما في قوله عن نحو: (بُوْيِعَ زيد) و(سُوْيرَ خالد):
"قد عُلِمَ أنه متى اجتمعتِ الواو والياء في الثاني؛ نحو: طويته طيًّا، وشويته شيًّا، وها هنا قد اجتمعَتَا على ما ترى، ومع ذلك لم تُقلَب وتُدغَم؛ لأنَّ الواو مَدَّة منقلبة مِن ألف (ساير) و(بايع)، فكما لا يصحُّ الإدغام في (ساير) و(بايع)، فكذلك لا يصحُّ في (فُوْعِلَ) منه؛ مراعاةً للأصل وإيذانًا بأنه منه"[6].
كما أنه استعمَل تعبيرين مشهورين عند سابقيه، وهما: عدم التغيير والبقاء على الحال، وذلك في قوله: "الذي يُفارِق به المبتدأُ الفصلَ ها هنا أنَّ الضمير إذا كان مبتدأً، فإنه يُغيِّر إعراب ما بعده، فيَرفعه البتةَ بأنه خبرُ المبتدأ، وإذا كان فصلًا لا يُغير الإعراب عمَّا كان عليه، بل يبقى على حاله، كما لو لم يكن موجودًا، فتقول في المبتدأ: كان زيدٌ هو القائم، ترفع بعد أن كان منصوبًا، وتكون الجملة في موضع الخبر"[7].
وأحيانًا يُعبِّر عن الاستصحاب بنحو: الدليل على الحكم أنَّ الأصل كذا، كما سبق عند العُكْبَري، ويتَّضح ذلك المسألة التالية:
ذهب ابن يعيش إلى أنَّ متعلَّق الظرفِ الواقع خبرًا يُقدَّر فِعْلًا، وذكر أنَّ الأكثر على هذا، وقال: "ويدل على ذلك أمران: أحدُهما: جوازُ وقوعِه صلةً؛ نحو قولك: الذي في الدارِ زيدٌ، والصلة لا تكون إلا جملة...، والأمر الثاني: أنَّ الظرف والجار والمجرور لا بدَّ لهما مِن متعلَّق به، والأصل أن يتعلق بالفعل، وإنما يتعلق بالاسم إذا كان في معنى الفعل ومِن لفظه، ولاشك أنَّ تقدير الأصل الذي هو الفعل أَولى"[8].
ثم ذكر المذهبَ الثاني، وهو أنَّ المحذوف المقدَّر اسم، وأنَّ الإخبار بالظرف مِن قبيل المفردات، قال: "والحُجة في ذلك أنَّ أصل الخبر أن يكونَ مفردًا على ما تقدَّم، والجملة واقعةٌ موقعَه، ولا شك أنَّ إضمار الأصل أَولى»[9].
ويلاحظ أنَّ كلا الفريقينِ قد اعتمَد على قاعدةٍ توجيهية واحدة، وهي أنَّ تقدير الأصل أَوْلَى، وإنما جاء الاختلاف مِن جهة الأصل المعتَبر عند كُلٍّ.
_______
[1] شرح المفصل 7/ 61.
[2] السابق 10/ 113.
[3] مجمع الأمثال للميداني 2/ 341؛ تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، ط/ عيسى البابي الحلبي وشركاه.
[4] البيت منسوب إلى عمر بن أبي ربيعة في الكتاب 1/ 31، وهو في ديوانه ص376؛ شرح ديوان عمر بن أبي ربيعة، شرحه وقدَّم له عبدالأعلى علي مهنا ط/ دار الكتب العلمية بيروت - لبنان، الأولى 1406هـ - 1986م، ونسبه في الخزانة إلى المرار الفقعسي 10/ 231.
[5] شرح المفصل 7/ 116.
[6] السابق 7/ 71.
[7] السابق 3/ 112.
[8] شرح المفصل 1/ 90.
[9] السابق 1/ 90.
