من نظم القرآن..تقييد المقيَّد المثنى بالعدد (اثنين)
د. محروس بريك
من الصفات الإطنابية المُضمَّنة في المقيد التي يراد بها التعميم تقييد المقيَّد المثنى بالعدد (اثنين) كما في قوله تعالى: (وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ){سورة النحل:51} وقوله عز من قائل: (وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ){الرعد:3} وقوله عز وجل: (فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ){المؤمنون:27} على قراءة تنوين (كُلٍّ).
وفي ذلك الضرب من القيد الإطنابي إشكال؛ إذ إن العرب "إنما جمعوا بين العدد والمعدود فيما وراء الواحد والاثنين، فقالوا عندي رجال ثلاثة وأفراس أربعة؛ لأن المعدود عار عن الدلالة على العدد الخاص. وأما رجل ورجلان وفرس وفرسان، فمعدودان فيهما دلالة على العدد، فلا حاجة إلى أن يقال: رجل واحد ورجلان اثنان"(الكشاف:2/570). وجوابه أن فائدة التقييد بالعدد (واحد) في قوله تعالى: (إنما هو إله واحد) جلية؛ إذ لو قلنا (إنما هو إله) دون النص على التقييد بالقيد الإطنابي (واحد) لانصرف المعنى إلى إثبات الإلهية دون الوحدانية.
أما تقييد المثنى بالعدد (اثنين) ففائدته هي التعميم؛ ذلك لأن "معنى التثنية شامل لجميع الصفات"–على حد تعبير الزركشي- فالمراد نفي اتخاذ إلهين اثنين على أية صفة كانا؛ فـ"العبرة في النهي عن اتخاذ الإلهين إنما هو لمحض كونهما اثنين فقط"(البرهان:2/434)، ولو وَصفنا (إلهين) بغير هذا القيد الإطنابي لانصرف النهي إلى عدم اتخاذ إلهين عاجزين أو متنافرين أو نحو ذلك من الصفات، وهذا مُشعِرٌ بأن القادرَين أو المتوافقَين أو نحوهما يجوز أن يُتخذا، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرا. فلمَّا أُريدَ نفي كل تلك الصفات عامَّةً قَيَّد القرآن (إلهين) بالقيد (اثنين) لدلالته على التعميم. وإذا تحقق النهي عن اتخاذ إلهين اثنين فالنهي عن اتخاذ ما فوق الاثنين من الآلهة أولى.
وكذلك الأمر في قوله تعالى (وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ){الرعد:3} يُراد من الوصف بالقيد الإطنابي التعميم؛ أي أن الله تعالى مدَّ الأرض وخلق فيها من الثمرات من كل نوع زوجين اثنين لا أكثر ولا أقل، وهذان الزوجان يحملان كل صفات ثمرات أفراد ذلك النوع التي تكاثرت فيما بعد، فلمَّا أُريد بيان كل تلك الصفات عامةً وعدم الاقتصار على صفة دون أخرى عبَّر القرآن بالقيد الإطنابي (اثنين) المُتضمَّن في المقيَّد دون غيره من المقيِّدات التي لا شك ستكون أخص من التعبير بالعدد المجرد.
ولمَّا كانت سفينة نوح لا طاقة لها بحمل أفراد كل نوع كان لابد من أن يحمل نوح –عليه السلام- في سفينته (مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ) أي من كل نوع زوجين اثنين يحملان صفات ذلك النوع على جهة العموم، وهذا معنى التقييد بالعدد (اثنين) دون غيره من المقيِّدات. فمن هذين الزوجين الاثنين بما يحملانه من صفاتِ نَوْعِهما ستتوالد الأفراد ويحمل كل فرد صفة تميزه عن غيره من أفراد نوعه، كما كان الأمر في بدء الخليقة قبل الطوفان العظيم. وقد يراد من هذا القيد مجرد التوكيد، والله أعلم.
د. محروس بريك
من الصفات الإطنابية المُضمَّنة في المقيد التي يراد بها التعميم تقييد المقيَّد المثنى بالعدد (اثنين) كما في قوله تعالى: (وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ){سورة النحل:51} وقوله عز من قائل: (وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ){الرعد:3} وقوله عز وجل: (فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ){المؤمنون:27} على قراءة تنوين (كُلٍّ).
وفي ذلك الضرب من القيد الإطنابي إشكال؛ إذ إن العرب "إنما جمعوا بين العدد والمعدود فيما وراء الواحد والاثنين، فقالوا عندي رجال ثلاثة وأفراس أربعة؛ لأن المعدود عار عن الدلالة على العدد الخاص. وأما رجل ورجلان وفرس وفرسان، فمعدودان فيهما دلالة على العدد، فلا حاجة إلى أن يقال: رجل واحد ورجلان اثنان"(الكشاف:2/570). وجوابه أن فائدة التقييد بالعدد (واحد) في قوله تعالى: (إنما هو إله واحد) جلية؛ إذ لو قلنا (إنما هو إله) دون النص على التقييد بالقيد الإطنابي (واحد) لانصرف المعنى إلى إثبات الإلهية دون الوحدانية.
أما تقييد المثنى بالعدد (اثنين) ففائدته هي التعميم؛ ذلك لأن "معنى التثنية شامل لجميع الصفات"–على حد تعبير الزركشي- فالمراد نفي اتخاذ إلهين اثنين على أية صفة كانا؛ فـ"العبرة في النهي عن اتخاذ الإلهين إنما هو لمحض كونهما اثنين فقط"(البرهان:2/434)، ولو وَصفنا (إلهين) بغير هذا القيد الإطنابي لانصرف النهي إلى عدم اتخاذ إلهين عاجزين أو متنافرين أو نحو ذلك من الصفات، وهذا مُشعِرٌ بأن القادرَين أو المتوافقَين أو نحوهما يجوز أن يُتخذا، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرا. فلمَّا أُريدَ نفي كل تلك الصفات عامَّةً قَيَّد القرآن (إلهين) بالقيد (اثنين) لدلالته على التعميم. وإذا تحقق النهي عن اتخاذ إلهين اثنين فالنهي عن اتخاذ ما فوق الاثنين من الآلهة أولى.
وكذلك الأمر في قوله تعالى (وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ){الرعد:3} يُراد من الوصف بالقيد الإطنابي التعميم؛ أي أن الله تعالى مدَّ الأرض وخلق فيها من الثمرات من كل نوع زوجين اثنين لا أكثر ولا أقل، وهذان الزوجان يحملان كل صفات ثمرات أفراد ذلك النوع التي تكاثرت فيما بعد، فلمَّا أُريد بيان كل تلك الصفات عامةً وعدم الاقتصار على صفة دون أخرى عبَّر القرآن بالقيد الإطنابي (اثنين) المُتضمَّن في المقيَّد دون غيره من المقيِّدات التي لا شك ستكون أخص من التعبير بالعدد المجرد.
ولمَّا كانت سفينة نوح لا طاقة لها بحمل أفراد كل نوع كان لابد من أن يحمل نوح –عليه السلام- في سفينته (مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ) أي من كل نوع زوجين اثنين يحملان صفات ذلك النوع على جهة العموم، وهذا معنى التقييد بالعدد (اثنين) دون غيره من المقيِّدات. فمن هذين الزوجين الاثنين بما يحملانه من صفاتِ نَوْعِهما ستتوالد الأفراد ويحمل كل فرد صفة تميزه عن غيره من أفراد نوعه، كما كان الأمر في بدء الخليقة قبل الطوفان العظيم. وقد يراد من هذا القيد مجرد التوكيد، والله أعلم.
المصدر
