الإذاعة
خواطر

بلاغة الإيقاع في الفواصل المنفردة

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • مصطفى شعبان
    عضو نشيط
    • Feb 2016
    • 12782

    #1

    بلاغة الإيقاع في الفواصل المنفردة

    بلاغة الإيقاع في الفواصل المنفردة
    د. محروس بريك




    في قوله تعالى في نهاية الحديث عن قصة فرعون مع موسى بسورة طه: (فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ) (طه: 78) نلحظ أن فواصل الآيات التي تحكي قصة فرعون وموسى –عليه السلام- جاءت جميعها –فيما عدا هذه الآية- على هيئة المقطع المتوسط الطول المفتوح المنتهي بحركة طويلة (ص ح ح) كما في المقاطع الآتية على سبيل المثال لا الحصر:(نِي، لِي، رَا، سَى، شَى، غَى) من كلمات الفواصل الآتية: (لساني، قولي، أهلي،كثيرا، بصيرا، موسى، يخشى، يطغى)، حتى إذا ما وصلنا إلى نهاية القصة عدل القرآن -في فاصلة الآية التي تحكي نهاية فرعون وجنوده بغرقهم في اليم- إلى هيئة المقطع المتوسط الطول المغلق (هُمْ: ص ح ص) في قوله (غشيهم)، ولو كان مراد القرآن مجرد مراعاة اطراد الفواصل -وبخاصة في القصة الواحدة- لاستبدل بـ (غشيهم) (يغشى) أو ما إلى ذلك من مفردات، لتتوافق هذه الفاصلة مع بقية فواصل القصة إيقاعيًّا. لكنه لمـَّا كان القرآن يؤثر المعنى على تناسب الإيقاع، عدل في الآية التي تجسد نهاية القصة إلى ذلك المقطع المغلق المنتهي بصامت، فيما يشبه إسدال الستار في نهاية المشهد الختامي لذلك الصراع الطويل بين الحق والباطل. ولعل في انغلاق الشفتين عند النطق بالميم الساكنة من (غشيهُمْ) مناسبةً شكليةً مع هيئة انطباق جانبي البحر على فرعون وجنوده، وما ساد من سكون لفّ الكون في تلك اللحظة الفارقة بين الحق والباطل، ثم تعود الآية التالية إلى الإيقاع الأصلي لفواصل القصة: (وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى) (طه: 79) فيما يشبه التعليق الختامي للمُشاهِد لتلك الأحداث، وإنما آثر القرآن العودة بإيقاع هذه الفاصلة إلى الإيقاع الأول لارتباط مضمونها بمضمون قصة موسى وفرعون؛ إذ تقابل قول فرعون في سورة غافر: (مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ)(غافر: 29).
    لقد انتهى بإغراق فرعون وجنوده فصلٌ من فصول الصراع بين الحق والباطل. وعاد إيقاع الفواصل مرة أخرى إلى هيئة المقطع المتوسط الطول المفتوح المنتهي بحركة طويلة (ص ح ح) -وهو الإيقاع الأصلي لفواصل هذه السورة- إذ تحكي الآيات فصلاً آخر من الصراع بين الحق والباطل، لكنه هذه المرة بين موسى والسامري، ولمّا كان موسى –عليه السلام- طرفَ الحق في القصتين كلتيهما جاءت الفواصل في آيات القصتين على نمط واحد.

    المصدر
يعمل...